۞ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا 75 قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَيۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَٰحِبۡنِيۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا 76 فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا 77 قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيۡنِي وَبَيۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا 78 أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا 79 وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا 80 فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا 81 وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا 82 وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا 83
الصفحة 302

تفسير سورة الكهف - الآية 83

وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا 83

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: 83-85]
(83) و (84) و (85) قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا. إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا. فأتبع سببا﴾. فيه تربية على طريقة القرآن في التعامل مع التاريخ والقصص، فهو لا يهتم بذكر الأسماء والأشخاص والأماكن، كما لا يهتم بالتحديد الدقيق للتأريخ، لأن الغاية من القصة هي العبرة، ولو اهتم القرآن بما ذكرنا لتحول إلى كتاب في التاريخ لا تتسع له المجلدات، وهذا لا يتسق مع الرسالة السماوية التي هي رسالة هداية للناس. فقوله تعالى: (ويسألونك) وذلك أن كفار مكة بعثوا إلى يهود المدينة بخبر الرسول صلى الله عليه وسلم يسألونهم عنه، فأرسل اليهود إلى كفار مكة أن سلوه عن ثلاث فإن أجاب وإلا فهو متقول على النبوة فشأنكم به: سلوه عن رجل طواف في الأرض ما قصته؟ وعن فتية في الدهر الأول كان لهم أمر عجب؟ وسلوه عن الروح؟ فنزلت سورة الكهف ﴿عن ذي القرنين﴾ ولم يتجاوز القرآن ذكر هذا الرجل بأكثر من لقبه المشتهر به فلم يعين اسمه وقومه وبلاده لأن ذلك من شؤون أهل التاريخ والقصص وليس من أغراض القرآن، فكان الاقتصار على ما يفيد الأمة من هذه القصة في العبر. والتاريخ المدون ذكر ملكا اسمه الإسكندر المقدوني ذو القرنين، ومن المقطوع به أنه ليس ذا القرنين المذكور في القرآن ، فالإسكندر الإغريقي كان وثنيا وهذا الذي يتحدث عنه القرآن مؤمن بالله وحده معتقد بالبعث والآخرة. وإن التاريخ المدون قد ذكر أكثر من عشرة ملوك اشتهروا بلقب ذي القرنين لأن هذه الصفة كانت تطلق على الملوك الذي توسعوا في ملكهم فبلغوا قرني الشمس من جهة الشرق والغرب ﴿قل سأتلو عليكم منه ذكرا﴾ فالذي يسطره القرآن من خبر ذي القرنين هو ما يكون مفيدا في الذكر والتذكر والعبرة والفائدة ﴿إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا﴾ يعني: مكن الله له في الأرض فأعطاه سلطانا عظيما ويسر له أسباب الحكم والفتح، وأسباب البناء والعمران، وأسباب السلطان والمتاع (فأتبع سببا) يعني: أخذ بالأسباب في الحياة والرسالة والعمران. وهنا نلمح التوافق بين المنهج الإلهي ومنهج ذي القرنين، فالله تعالى أعطاه الأسباب وذو القرنين أخذ بالأسباب وأتم بها، وسلوك الطريق المؤدي إلى الهدف هو من الأخذ بالأسباب.
فهرس الكتاب