وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ 154 وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ 155 ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ 156 أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ 157 ۞ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ 158 إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ 159 إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ 160 إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ 161 خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ 162 وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ 163
الصفحة 24

تفسير سورة البقرة - الآية 155

وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءࣲ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصࣲ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ 155

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]
(1) الابتلاء حقيقة واقعة في حياة كل مسلم. وهي حقيقة قدرية لابد من وقوعها، لأنّ الله تعالى أقسم على ذلك بقوله (ولنبلونكم)، والابتلاء ليس أمرا عبثيا بل له أهداف تربوية: (أحدها) كي تعز على المسلمين العقيدة التي يحملونها وتغلو في نفوسهم، فالعقائد التي لا ابتلاء عليها عقائد رخيصة سرعان ما يتخلى عنها أصحابها عند أول صدمة. (والثاني) كي يدرك الآخرون من غير المسلمين قيمة هذه العقيدة وصحتها وصوابها، فعندما يجدون المسلمين متمسكون بعقيدتهم رغم شدة الابتلاء عليها يوقنون أنّ هذه العقيدة صحيحة ، وأنّ إيمان الناس بها صادق، وعند ذلك يتحولون إلى باحثين عن هذه العقيدة، وربما يكون ذلك سببا في إيمانهم بالعقيدة الإسلامية. (والثالث) كي يصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى، فيكون الابتلاء بالنسبة لهم بمثابة الإعداد لحمل هذه الرسالة ونشرها بين الناس. (والرابع) كي يتميز الذين يظهرون الإيمان، فيُعرف الصادق من الكاذب والطيب من الخبيث، إذ كثيرا ما يُظهر الإسلام أناس ليسوا مسلمين، فالابتلاء يكشف أمر هؤلاء المنافقين ويظهر للناس المؤمنين المخلصين الذين يلتجئون إلى الله وحده عند كل ابتلاء.
(2) قوله تعالى: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَات﴾ ولم يقل بالخوف كله، ولو ابتلى الله الناس بالخوف كله لما زكى منهم أحد ولما نجا منهم ناجٍ، ولكنها الرحمة الإلهية بالناس إذ يبتليهم ببعض الخوف وببعض الجوع، وهذا يؤكد الحقيقة التي ذكرناها سابقا وهي أنّ الهدف من الابتلاء هو هدف تربوي، ومن ثم كان هذا المقدار من الابتلاء الذي يحقق تلك التربية، ولم يكن الابتلاء بالخوف كله أو بالجوع كله أو بنقص المال كله لأنّ ذلك يذهب بالإنسان.
(3) قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِين) يدل على أنّ الله تعالى حينما يبتلي الإنسان فإنما يريد له النجاح في الابتلاء، ولذلك فهو يشجعه على الصبر ويحضه عليه، وكذلك قوله تعالى: ﴿أولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون﴾ ترغيب للمسلم في الصبر على الابتلاء، وذلك من خلال تحديد الثواب على الصبر حين الابتلاء، وهذا الثواب هو المغفرة من الله والرحمة والهداية.
(4) ودلت هذه الآيات على أنّ المحن ليست عقوبات وإنما تربية وإعداد للجماعة المسلمة، لأنّ هذه المحن إذا اقترنت بالصبر رفعت صاحبها إلى درجات عالية عند الله.
(5) قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ تربية وتعليم للمسلم كيفية التصرف إزاء الابتلاء، وذلك بالالتجاء إلى الله والتفويض إليه في الأمر كله، لأنّ الإنسان ملك لله (إنا لله)، فلله إذن أن يتصرف في الإنسان كيف يشاء، والإنسان راجع إلى الله يوم القيامة ﴿وإنا إليه راجعون﴾، فهو يثيب المسلم على الصبر في الابتلاء، ويعاقبه على الجزع وترك الصبر.
(6) ومن نماذج هذا الصبر على الابتلاء والتفويض إلى الله حين المصيبة ما رُوي في صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها، إلا أجاره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها»، قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخلف الله لي خيرا منه: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية «أنها بعد أن قالت كما أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجعت إلى نفسها فقالت: من أين لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدتها خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها» (مسلم).
(7) واعلم أنّ الصبر من خواص الإنسان ولا يُتصور من الملائكة ولا من البهائم، أما من الملائكة فلكمالها وأما من البهائم فلنقصانها، وبيان ذلك أنّ البهائم سُلطت عليها الشهوات ولا عقل لها في مقابلة الشهوات، وأنّ الملائكة سُلط عليها العقل ولا شهوات لها في مقابلة العقل، والإنسان فيه العقل وفيه الشهوة، فإن غلّب العقل على الشهوة كان منه الصبر واتصف بصفة الملائكة، وإن غلّب الشهوة على العقل كان منه الجزع والكفر واتصف بصفة البهائم.
فهرس الكتاب