أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ 187 وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 188 ۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 189 وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ 190
الصفحة 29

تفسير سورة البقرة - الآية 188

وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقࣰا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 188

﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188]
(1) قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل﴾. قال الإمام الطبري: «ولا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، فجعل تعالى ذكره آكل مال أخيه بالباطل كالآكل مال نفسه بالباطل، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ [الحجرات: 16]، وقوله: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: 29]، بمعنى: لا يلمز بعضكم بعضا، ولا يقتل بعضكم بعضا، لأنّ الله تعالى ذكره جعل المؤمنين إخوة، فقاتل أخيه كقاتل نفسه ولامز أخيه كلامز نفسه». فالمراد من هذا النص وغيره من النصوص تربية المسلمين على الوحدة الإسلامية وأنهم كالجسد الواحد، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (مسلم).
(2) قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْم﴾. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه فإنما أقضي له بقطعة من نار فليحملها أو ليذرها» (البخاري). وقال الإمام ابن كثير في التفسير: «فدلت هذه الآية الكريمة وهذا الحديث على أنّ حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يحل في نفس الأمر حراما هو حرام، ولا يحرم حلالا هو حلال، وإنما هو ملزم في الظاهر، فإن طابق في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجره وعلى المحتال وزره». وهذه قاعدة مهمة من قواعد القضاء الإسلامي، وهي أنّ حكم الحاكم لا يحل حراما هو حرام ولا يحرم حلالا هو حلال، وذلك لارتباط هذا القضاء باليوم الآخر حيث العدالة الإلهية المطلقة. وكان لهذه القاعدة أثرها التربوي في نفوس المسلمين على مر الدهور، حيث تنازل كثير من المسلمين عما قضى لهم القضاء لمعرفتهم أنه لا حق لهم فيما قضاه القضاء، فردوا الحق إلى أصحابه بعد أن قضى لهم القاضي بذلك الحق.
(3) قوله تعالى: (وأنتم تعلمون). قال الإمام الرازي في التفسير: «فالمعنى: وأنتم تعلمون أنكم مبطلون، ولا شك أنّ الإقدام على القبيح مع العلم بقبحه أقبح، وصاحبه بالتوبيخ أحق». فدلّ ذلك على أنّ عقوبة العالم ليست كعقوبة الجاهل في نفس الأمر، وما ذلك إلا تشجيع للعالم كي يظهر الأثر التربوي للعلم عليه، ومن هنا ربط النص القرآني بين العمل والعلم، وربط العمل بالعلم هو جوهر التربية.
فهرس الكتاب