وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ 45
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 45-46]
يأمر الله تعالى المؤمنين بأن يستعينوا بالصبر والصلاة على طاعته ومرضاته والوفاء بعهده، ويقول: إنّ هذه الاستعانة ثقيلة وصعبة إلا على الخاضعين المتواضعين الذين أيقنوا بلقاء الله وأيقنوا بالرجوع إليه بعد الموت.
(1) والصبر حبس النفس على مرضاة الله، وله أنواع: الصبر عن المعاصي، والصبر على الطاعات، والصبر على المصائب، وقيل: إنّ الصبر في هذه الآية معناه الصوم، والصحيح أنّ الصوم من الصبر وليس كل الصبر. ومع أنّ الصبر طاعة والصلاة طاعة، إلا أنّ الله تعالى يرشدنا إليهما هنا باعتبارهما وسيلتان تربويتان لتحقيق التربية الإسلامية الصحيحة في شخصية الفرد المسلم، وفي بناء تلك الشخصية بناءً يحقق لها السعادة في الدنيا والآخرة. والصبر بأنواعه، عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب هو من باب جهاد النفس وقمعها ومنعها من التطاول، وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين، ولا إيمان من دون صبر، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد» (القرطبي). وقال الإمام الطبري معقبا على قول علي رضي الله عنه: «وصدق علي رضي الله عنه، وذلك أنّ الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، فمن لم يصبر على العمل بجوارحه لم يستحق الإيمان بالإطلاق، فالصبر على العمل بالجوارح نظير الرأس من الجسد للإنسان الذي لا تمام له إلا به». وإذا كان لكل عمل أجر محدد لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُون﴾ [الأنعام: 160]، وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّة﴾ [البقرة: 261]، فإنّ أجر الصبر ليس له حدود لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب﴾ [الزمر: 10]. أمر الله بالصبر في هذه الآية وفي غيرها من الآيات، لأنّ الصبر هو الزاد الذي لابد منه لكل مؤمن في رحلته الطويلة ... رحلة الإيمان في حياة تعجّ بالجاهلية، ولذلك كان الصبر من عزائم الأمور، قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُور﴾ [الشورى: 43]. ومن فضائل الصبر أنّ الله تعالى وصف به نفسه، ففي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس أحد أصبرَ على أذى سمعه من الله تعالى، إنهم ليدعون له ولدا وإنه ليعافيهم ويرزقهم» (البخاري).
(2) وخصّ الصلاة هنا كوسيلة تربوية دون سائر العبادات لما فيها من تلاوة القرآن الداعية إلى هجر الدنيا والتذكير بالآخرة، وتسلية النفوس عما تلاقيه من المصائب والشدائد، ولعلنا نجد ذلك في سلوك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى عنه حُذيفة بن اليمان رضي الله عنه فقال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» (أحمد). ونجد ذلك أيضا في سلوك صحابته، حيث رُوي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه «أنه نُعي إليه أخوه قُثم وهو في سفر، فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق، فأناخ راحلته، فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ» (الطبري).
(3) قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِين﴾. امتدح الله الخاشعين بأنّ الاستعانة بالصبر والصلاة ليست ثقيلة عليهم كما هي ثقيلة على غيرهم. والخشوع في اللغة: التواضع والتذلل والاستكانة. وفي الاصطلاح: هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع. قال الإمام القرطبي في تفسيره: «قال سفيان الثوري: سألت الأعمش عن الخشوع، فقال: يا ثوريّ، أنت تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع، سألت إبراهيم النخعي عن الخشوع، فقال: أعيمش، تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع، ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطئ الرأس، لكنّ الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء، وتخشع لله في كل فرض فرضه الله عليك». ثم قال القرطبي: «قلت: هذا هو الخشوع المحمود، لأنّ الخوف إذا سكن القلب أوجب خشوع الظاهر فلا يملك صاحبه دفعه، فتراه مطرقا متأدبا متذللا، وقد كان السلف يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك، وأما المذموم فتكلفه والتباكي وطأطأة الرأس كما يفعله الجهال ليُروا بعين البر والإجلال، وذلك خُدع من الشيطان وتسويل من نفس الإنسان». ومبعث الخشوع كما هو ظاهر النص القرآني: اليقين بلقاء الله والرجوع إليه بعد الموت، وذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾.
يأمر الله تعالى المؤمنين بأن يستعينوا بالصبر والصلاة على طاعته ومرضاته والوفاء بعهده، ويقول: إنّ هذه الاستعانة ثقيلة وصعبة إلا على الخاضعين المتواضعين الذين أيقنوا بلقاء الله وأيقنوا بالرجوع إليه بعد الموت.
(1) والصبر حبس النفس على مرضاة الله، وله أنواع: الصبر عن المعاصي، والصبر على الطاعات، والصبر على المصائب، وقيل: إنّ الصبر في هذه الآية معناه الصوم، والصحيح أنّ الصوم من الصبر وليس كل الصبر. ومع أنّ الصبر طاعة والصلاة طاعة، إلا أنّ الله تعالى يرشدنا إليهما هنا باعتبارهما وسيلتان تربويتان لتحقيق التربية الإسلامية الصحيحة في شخصية الفرد المسلم، وفي بناء تلك الشخصية بناءً يحقق لها السعادة في الدنيا والآخرة. والصبر بأنواعه، عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب هو من باب جهاد النفس وقمعها ومنعها من التطاول، وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين، ولا إيمان من دون صبر، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد» (القرطبي). وقال الإمام الطبري معقبا على قول علي رضي الله عنه: «وصدق علي رضي الله عنه، وذلك أنّ الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، فمن لم يصبر على العمل بجوارحه لم يستحق الإيمان بالإطلاق، فالصبر على العمل بالجوارح نظير الرأس من الجسد للإنسان الذي لا تمام له إلا به». وإذا كان لكل عمل أجر محدد لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُون﴾ [الأنعام: 160]، وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّة﴾ [البقرة: 261]، فإنّ أجر الصبر ليس له حدود لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب﴾ [الزمر: 10]. أمر الله بالصبر في هذه الآية وفي غيرها من الآيات، لأنّ الصبر هو الزاد الذي لابد منه لكل مؤمن في رحلته الطويلة ... رحلة الإيمان في حياة تعجّ بالجاهلية، ولذلك كان الصبر من عزائم الأمور، قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُور﴾ [الشورى: 43]. ومن فضائل الصبر أنّ الله تعالى وصف به نفسه، ففي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس أحد أصبرَ على أذى سمعه من الله تعالى، إنهم ليدعون له ولدا وإنه ليعافيهم ويرزقهم» (البخاري).
(2) وخصّ الصلاة هنا كوسيلة تربوية دون سائر العبادات لما فيها من تلاوة القرآن الداعية إلى هجر الدنيا والتذكير بالآخرة، وتسلية النفوس عما تلاقيه من المصائب والشدائد، ولعلنا نجد ذلك في سلوك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى عنه حُذيفة بن اليمان رضي الله عنه فقال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» (أحمد). ونجد ذلك أيضا في سلوك صحابته، حيث رُوي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه «أنه نُعي إليه أخوه قُثم وهو في سفر، فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق، فأناخ راحلته، فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ» (الطبري).
(3) قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِين﴾. امتدح الله الخاشعين بأنّ الاستعانة بالصبر والصلاة ليست ثقيلة عليهم كما هي ثقيلة على غيرهم. والخشوع في اللغة: التواضع والتذلل والاستكانة. وفي الاصطلاح: هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع. قال الإمام القرطبي في تفسيره: «قال سفيان الثوري: سألت الأعمش عن الخشوع، فقال: يا ثوريّ، أنت تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع، سألت إبراهيم النخعي عن الخشوع، فقال: أعيمش، تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع، ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطئ الرأس، لكنّ الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء، وتخشع لله في كل فرض فرضه الله عليك». ثم قال القرطبي: «قلت: هذا هو الخشوع المحمود، لأنّ الخوف إذا سكن القلب أوجب خشوع الظاهر فلا يملك صاحبه دفعه، فتراه مطرقا متأدبا متذللا، وقد كان السلف يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك، وأما المذموم فتكلفه والتباكي وطأطأة الرأس كما يفعله الجهال ليُروا بعين البر والإجلال، وذلك خُدع من الشيطان وتسويل من نفس الإنسان». ومبعث الخشوع كما هو ظاهر النص القرآني: اليقين بلقاء الله والرجوع إليه بعد الموت، وذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾.