قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 38 وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 39 يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ 40 وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُمۡ وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرِۭ بِهِۦۖ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗا وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ 41 وَلَا تَلۡبِسُواْ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُواْ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 42 وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ 43 ۞ أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ 44 وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ 45 ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ 46 يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ 47 وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ 48
الصفحة 7

تفسير سورة البقرة - الآية 44

۞ أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ 44

﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]
قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُم﴾ استفهام ومعناه التوبيخ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَاب﴾ توبيخ عظيم لمن فهمه، وقوله: (أَفَلا تَعْقِلُون) تعجيب للعقلاء ممن كان أمره على شاكلة هؤلاء القوم الذين يأمرون الناس بأفعال الخير ولا يفعلونها، وينهونهم عن أفعال الشر ويفعلونها. وكل هذه الأساليب البيانية يستخدمها القرآن كأساليب تربوية لترسيخ هذه الحقيقة التربوية التي تهم كل مسلم وخاصة العلماء والدعاة منهم، وهي حقيقة الانسجام بين القول والفعل، والتوافق بين العقيدة والسلوك. ومع أنّ هذا النص هو خطاب لبني إسرائيل فإنه عام لكل الناس وخاصة المسلمين منهم، لأنّ المشكلة التي يحذر منها والحقيقة التي يدعو إليها تهم كل مسلم، وهذا النص يواجه حالة مرضية، وآفة تصيب رجال الدين عندما يتحول الدين إلى مجرد حرفة وصنعة، حيث يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يقولون، وهم بذلك يشككون الناس في حقيقة الدين الذي ينتمي إليه رجال الدين، وفي أسس الدعوات التي ينتمي إليها هؤلاء الدعاة. وليس المراد من هذا النص الذم على الأمر بالبر وإنما الذم على تركه، لأنّ الأمر بالبر واجب وفعل البر واجب، ولا يسقط أحدهما بترك الآخر.
(1) رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه: «أنه جاءه رجل فقال: يا بن عباس، إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال ابن عباس: أبلغت ذلك؟ قال: أرجو، قال ابن عباس: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل، قال: وما هنّ؟ قال ابن عباس: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُم﴾ [البقرة: 44]، أحكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثاني قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُون﴾ [الصف: 2-3]، أحكمت هذه؟ قال: لا، قال ابن عباس: فالحرف الثالث قول العبد الصالح شعيب عليه السلام: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْت﴾ [هود: 88]، أحكمت هذه؟ قال: لا، قال ابن عباس: فابدأ بنفسك» (تفسير ابن كثير).
(2) وقال إبراهيم النخعي: «إني لأكره القصص لثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُم﴾ [البقرة: 44]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُون﴾ [الصف: 2-3]، وقوله تعالى إخبارا عن شعيب عليه السلام: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْت﴾ (هود: 88» (القرطبي).
(3) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء أمتك من أهل الدنيا، ممن يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم» (أحمد وابن حبان).
(4) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق به أقتابه، يعني: أمعاؤه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيقولون: يا فلان، ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه» (البخاري ومسلم).
(5) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه» (ابن ماجة).
(6) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ أناسا من أهل الجنة يطلعون على أناس من أهل النار، فيقولون: بم دخلتم النار؟ فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم؟ فيقولون: إنا كنا نقول ولا نفعل» (ابن عساكر وابن جرير الطبري).
(7) وقال الإمام الرازي في تفسيره: «قيل: عما رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل، وأما من وعظ واتعظ فمحله عند الله عظيم».
(8) وقال أبو الأسود الدؤلي
لا تنه عن خُلق وتأتيَ مثله * عار عليك إذا فعلت عظيمُ
وابدأ بنفسك فانهها عن غيّها * فإن انتهت عنه فأنت حكيمُ
فهناك يُقبل إن وعظت ويُقتدى * بالقول منك وينفع التعليمُ
(9) وقال الشاعر
يا واعظ الناس قد أصبحت متهما * إذ عبت منهم أمورا أنت تأتيها
أصبحت تنصحهم بالوعظ مجتهدا * والموبقات لعمري أنت جانيها
تعيب دنيا وناسا راغبين لها * وأنت أكثر الناس رغبة فيها
فهرس الكتاب