قُلۡ إِن كَانَتۡ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةٗ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 94 وَلَن يَتَمَنَّوۡهُ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ 95 وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ 96 قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ 97 مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوّٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ 98 وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ وَمَا يَكۡفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقُونَ 99 أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ 100 وَلَمَّا جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ نَبَذَ فَرِيقٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ كَأَنَّهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ 101
الصفحة 15

تفسير سورة البقرة - الآية 97

قُلۡ مَن كَانَ عَدُوࣰّا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقࣰا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدࣰى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ 97

﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 97-98]
قال الإمام الطبري: «أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا على أنّ هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أنّ جبريل عدو لهم، وأنّ ميكائيل ولي لهم».
(1) نقف هنا أمام زعم من اليهود بأنّ جبريل عدو لهم، وأنه ينزل بالحرب والدمار، ومثل هذا الادعاء ليس موجودا في كتب اليهود وإنما دفعهم إلى ذلك علمهم أنّ جبريل ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم بالوحي، ومن شدة عداوتهم لمحمد فقد عادوا جبريل معه. والوجه التربوي في هذه المسألة هو التحذير من الله للمؤمنين أن لا يقوموا بدفع الباطل بباطل مثله، وإنما يجب دفع الباطل بالحق، ولكن اليهود وفي حمأة صراعهم مع المسلمين قاموا بدفع الباطل بالنسبة لهم أي: نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بباطل بالنسبة لهم، وهو القول بأنّ جبريل عدو لهم، حيث إنّ كتبهم لا تقول بذلك، فكأنّ الله تعالى إذ يبيّن للمسلمين ضلال اليهود ، كأنه يقول لهم: احذروا سبيلهم، كما قال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
(2) قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِك﴾. إنّ القرآن يعير بالقلب عن موضع العلم والفهم والتلقي، ومعنى قوله ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِك﴾، أي: فإنه نزله عليك، وخص القلب بالذكر لتطمين الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنّ الله قد تكفل بتثبيت القرآن في قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، وتكفل بحفظه وجمعه وقراءته.
(3) قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِين﴾. العداوة من العبد لله تكون بالمعصية، والعداوة من الله للعبد تكون بالعقاب، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِين﴾ فيه ترهيب شديد، لأنّ الإنسان ومهما أوتي من القوة لا طاقة له بتحمل عداوة الله له، ومثل هذا الترهيب يكفي لردع من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، إذ إنّ خيال الإنسان ليعجز عن تصور عداوة الله له إن كان من الكافرين، فكيف يستطيع أن يتحمل هذه العداوة، وفي الحديث القدسي: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب» (البخاري). وهذا ينطبق على اليهود في إعلانهم العداوة على جبريل عليه السلام، والعجيب في أمر عداوتهم لجبريل أنه ليس بشرا مثلهم يعمل معهم أو ضدهم، إنما هو عبد لله يفعل ما يؤمر به، ولكنه اللجاج في العداوة، والاندفاع وراء الباطل قد يدفع بصاحبه لارتكاب أي حماقة.
فهرس الكتاب