إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا 96 فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلۡمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوۡمٗا لُّدّٗا 97 وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هَلۡ تُحِسُّ مِنۡهُم مِّنۡ أَحَدٍ أَوۡ تَسۡمَعُ لَهُمۡ رِكۡزَۢا 98 سورة طهبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِطه 1 مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ 2 إِلَّا تَذۡكِرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰ 3 تَنزِيلٗا مِّمَّنۡ خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلۡعُلَى 4 ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ 5 لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَمَا تَحۡتَ ٱلثَّرَىٰ 6 وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى 7 ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ 8 وَهَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ 9 إِذۡ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى 10 فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ يَٰمُوسَىٰٓ 11 إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى 12
الصفحة 312

تفسير سورة طه - الآية 1

طه 1

التفسير التربوي لسورة طهقال القرطبي في التفسير: «سورة طه عليه السلام: مكية في قول الجميع. نزلت قبل إسلام عمر رضي الله عنه. روى الدارقطني في سننه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خرج عمر متقلدا بسيف، فقيل له: إن ختنك وأختك قد صبوا، فأتاهما عمر وعندهما رجل من المهاجرين يقال له: خباب، وكانوا يقرءون: (طه )، فقال: أعطوني الكتاب الذي عندكم فأقرؤه، وكان عمر رضي الله عنه يقرأ الكتب، فقالت له أخته: إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ، فقام عمر رضي الله عنه وتوضأ وأخذ الكتاب فقرأ: (طه). وذكره ابن إسحاق مطولا: فإن عمر خرج متوشحا سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله، فلقيه نعيم بن عبد الله فقال: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمدا، هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها، فأقتله. فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا؟! أفلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم؟! فقال: وأي أهل بيتي؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه فعليك بهما. قال: فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها (طه) يقرئهما إياها، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئا، قال: بلى، والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا إلى دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها. فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم، قد أسلمنا، وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك. ولما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع، فارعوى وقال لأخته: أعطني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرءونها آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد، وكان كاتبا، فلما قال ذلك قالت له أخته: إنا نخشاك عليها. قال لها: لا تخافي، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت له: يا أخي إنك نجس على شركك وإنه لا يمسها إلا الطاهر. فقام عمر وأغتسل، فأعطته الصحيفة وفيها (طه) فقرأها، فلما قرأ منها صدرا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال له: يا عمر والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه فإني سمعته أمس وهو يقول: (اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب) فالله الله يا عمر. فقال له عند ذلك: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم، وذكر الحديث. مسألة: أسند الدارمي أبو محمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تبارك وتعالى قرأ (طه) و (يس) قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، فلما سمعت الملائكة القرآن قالت طوبى لأمة ينزل هذا عليها، وطوبى لأجواف تحمل هذا وطوبى لألسنة تتكلم بهذا). قال ابن فورك: معنى قوله: (إن الله تبارك وتعالى قرأ (طه) و (يس) أي أظهر وأسمع وأفهم كلامه من أراد من خلقه من الملائكة في ذلك الوقت، والعرب تقول: قرأت الشيء إذا تتبعته، وتقول: ما قرأت هذه الناقة في رحمها سلا قط أي ما ظهر فيها ولد، فعلى هذا يكون الكلام سائغا وقراءته إسماعه وإفهامه بعبارات يخلقها وكتابة يحدثها».
وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «تبدأ هذه السورة وتختم خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم ببيان وظيفته وحدود تكاليفه، إنها ليست شقوة كتبت عليه، وليست عناء يعذب به، إنما هي الدعوة والتذكرة، وهي التبشير والإنذار، وأمر الخلق بعد ذلك إلى الله الواحد الذي لا إله غيره، المهيمن على ظاهر الكون وباطنه، الخبير بظواهر القلوب وخوافيها، الذي تعنوا له الجباه، ويرجع إليه الناس: طائعهم وعاصيهم، فلا على الرسول ممن يكذب ويكفر، ولا يشقى لأنهم يكذبون ويكفرون. وبين المطلع والختام تعرض قصة موسى عليه السلام من حلقة الرسالة إلى حلقة اتخاذ بني إسرائيل للعجل بعد خروجهم من مصر، مفصلة مطولة، وبخاصة موقف المناجاة بين الله وكليمه موسى، وموقف الجدل بين موسى وفرعون، وموقف المباراة بين موسى والسحرة. وتتجلى في غضون القصة رعاية الله لموسى الذي صنعه على عينه واصطنعه لنفسه، وقال له ولأخيه: ﴿لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى﴾. وتعرض قصة آدم سريعة قصيرة، تبرز فيها رحمة الله لآدم بعد خطيئته، وهدايته له، وترك البشر من أبنائه لما يختارون من هدى أو ضلال بعد التذكير والإنذار. وتحيط بالقصة مشاهد القيامة وكأنما هي تكملة لما كان أول الأمر في الملأ الأعلى من قصة آدم، حيث يعود الطائعون إلى الجنة، ويذهب العصاة إلى النار، تصديقا لما قيل لأبيهم آدم، وهو يهبط إلى الأرض بعد ما كان! ومن ثم يمضي السياق في هذه السورة في شوطين اثنين: الشوط الأول يتضمن مطلع السورة بالخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ تتبعه قصة موسى نموذجا كاملا لرعاية الله سبحانه لمن يختارهم لإبلاغ دعوته فلا يشقون بها وهم في رعايته. والشوط الثاني يتضمن مشاهد القيامة، وقصة آدم وهما يسيران في اتجاه مطلع السورة، وقصة موسى. ثم ختام السورة بما يشبه مطلعها ويتناسق معه ومع جو السورة. وللسورة ظل خاص يغمر جوها كله، ظل علوي جليل، تخشع له القلوب، وتسكن له النفوس، وتعنو له الجباه، إنه الظل الذي يخلعه تجلي الرحمن على الوادي المقدس على عبده موسى، في تلك المناجاة الطويلة، والليل ساكن وموسى وحيد، والوجود كله يتجاوب بذلك النجاء الطويل، وهو الظل الذي يخلعه تجلي القيوم في موقف الحشر العظيم: ﴿وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا﴾، ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم﴾. والإيقاع الموسيقي للسورة كلها يستطرد في مثل هذا الجو من مطلعها إلى ختامها رخيا شجيا نديا بذلك المد الذاهب مع الألف المقصورة في القافية كلها تقريبا».
﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: 1-4]
(1) و (2) و (3) و (4) قوله تعالى: (طه. ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن يخشى. تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى). فيه تربية على أنه لا سعادة للبشرية في الدنيا والآخرة إلا بالإيمان واتباع القرآن، وأن الشقاء الذي تعيشه البشرية الآن وفي كل زمان إنما هو من الإعراض عن القرآن، فمن اتبع القرآن وكله الله تعالى إلى الرحمن، ومن أعرض عن القرآن وكله الله تعالى إلى الشيطان. وفيه بيان أن هذا القرآن إنما هو تنزيل من رب العالمين للتذكرة والموعظة وراحة النفس والاطمئنان، فالله تعالى لم يخلق الإنسان ويترك سدى وإنما خلقه ليرحمه بالإيمان والقرآن. فقوله تعالى: (طه) تبدأ السورة بالحروف المقطعة: (طا، ها) للتنبيه إلى أن هذه السورة كهذا القرآن مؤلفة من مثل هذه الحروف، وهذان الحرفان ينتهيان بإيقاع كإيقاع السورة، ويتلو هذين الحرفين حديث عن القرآن كما هو الحال في السور التي تبدأ بالحروف المقطعة للدلالة على إعجاز القرآن وأن الناس عاجزون عن الإتيان بمثله أو بسور من مثله. وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: إن قوم الرسول عليه الصلاة والسلام قالوا: لقد شقي هذا الرجل بربه، فأنزل الله تعالى ذكره (طه) يعني: يا رجل، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. وقوله تعالى: ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ يعني: ما أنزلنا عليك القرآن للشقاء، وأصل الشقاء في اللغة: العناء والتعب، أي ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب، قال الشاعر: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله * وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم، وقيل: إن معنى لتشقى أي لتتعب بفرط تأسفك على قومك وعلى كفرهم وتحسرك على أن يؤمنوا، وهذا كقوله تعالى: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا﴾ [الكهف: 6]، أي ما عليك إلا أن تبلغ وتذكر ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة بعد أن لم تفرط في أداء الرسالة والموعظة الحسنة. وقيل: إن سادة قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك شقي لأنك تركت دين آبائك، فرد القرآن عليهم بأن دين الإسلام هو الطريق لنيل كل فوز، والسبب في إدراك كل سعادة، وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها. ﴿إلا تذكرة لمن يخشى﴾ يعني: أنزلنا تذكرة للناس وإنما ينتفع به من يخاف الله تعالى ويخشى عقابه ﴿ممن خلق الأرض والسموات العلا﴾ فيه ربط بين خلق السماوات والأرض وبين إنزال القرآن، فالذي خلق السماوات والأرض هو الذي أنزل القرآن، وهذا القرآن هو كلامه تبارك وتعالى وليس كلام محمد صلى الله عليه وسلم أو غيره. والسماوات العلى يعني السماوات العالية، وهذا إخبار عن عظمته تعالى وجبروته وجلاله.
فهرس الكتاب