۞ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلࣰاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ 10
[سبإ: 10-13]
(10) و (11) و (12) و (13) قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد. أن أعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير. ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير. يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور﴾. وفي هذه الآيات دعوة إلى الإيمان من خلال تعداد فضائل الله تعالى ونعمه على الناس وخاصة أهل الكتاب لأنهم ينتمون إلى داود وابنه سليمان عليهما السلام. فالله تعالى علم داود منطق الطير وكانت الطيور تردد معه الذكر والتسبيح كما سخرها له، وكذلك ألان له الحديد بحيث يستخدمه في الصناعات التي تنفع الناس، ومن هذه الصناعات الدروع السابغة التي تقي الحر والبرد والقتل. والله تعالى سخر لسليمان الريح تذهب به حيث شاء وألان له النحاس يصنع منه ما يحتاج إليه من الأدوات، ومن هذه الأدوات المحاريب والتماثيل والأوعية التي تستخدم لجمع الماء وطهي الطعام، كما سخر له الجن يعملون له ويأتمرون بأمره. وفي هذه الآيات دعوة إلى العمل الصالح ودعوة إلى الشكر من خلال القول ومن خلال العمل. فقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا داود منا فضلا﴾ الآية، بين لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أن إرسال الرسل ليس أمرا بدعا، بل أرسلنا الرسل وأيدناهم بالمعجزات، وأحللنا بمن خالفهم العقاب. فقوله: ﴿ولقد آتينا داود﴾ يعني: أعطينا (فضلا) يعني: أمرا فضلناه به على غيره، فقد أعطى الله تعالى داود عليه السلام: النبوة، والزبور، والعلم، والقوة، وتسخير الجبال والناس، والتوبة، والحكم بالعدل، وإلانة الحديد، وحسن الصوت (يا جبال أوبي معه) يعني: وقلنا يا جبال سبحي معه، لقوله تعالى: ﴿إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق﴾ [ص: 18]، ومعنى تسبيح الجبال: هو أن الله تعالى خلق فيها تسبيحا كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ما يسمع من المسبح معجزة لداود عليه السلام. وقيل: المعنى سيري معه حيث شاء، من التأويب الذي هو سير النهار أجمع وينزل الليل. وقيل: المعنى تصرفي معه على ما يتصرف عليه داود بالنهار، فكان إذا قرأ الزبور صوتت الجبال معه، وأصغت إليه الطير، فكأنها فعلت ما فعل (والطير) يعني: ونادينا الطير كما نادينا الجبال أن يسبح مع داود ﴿وألنا له الحديد﴾ يعني: كان الحديد في يده كالطين المبلول والعجين والشمع، يصرفه كيف شاء، من غير إدخال نار ولا ضرب بمطرقة. وقيل: أعطي قوة يثني بها الحديد. ﴿أن اعمل سابغات﴾ يعني: دروعا سابغات، أي كوامل تامات واسعات، يقال: سبغ الدرع والثوب وغيرهما إذا غطى كل ما هو عليه وفضل منه ﴿وقدر في السرد﴾ قيل: كانت الدروع قبله صفائح فكانت ثقالا، فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع من الخفة والحصانة، أي قدر ما تأخذ من هذين المعنيين بقسطه، فلا تقصد الحصانة فتثقل ولا الخفة فتزيل المنعة. وقيل: التقدير الذي أمر به هو في قدر الحلقة، أي لا تعملها صغيرة فتضعف فلا تقوى الدروع على الدفاع، ولا تعملها كبيرة فينال لابسها (واعملوا صالحا) يعني: عملا صالحا، وهذا خطاب لداود وأهله ﴿إني بما تعملون بصير﴾ يعني: أبصر ما تعملون فأحسنوا عملكم وأتقنوه واجتهدوا فيه . وفي هذه الآية دليل على تعلم أهل الفضل الصنائع، وأن التحرف بها لا ينقص من مناصبهم، بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم، إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخلي عن الامتنان. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن خير ما أكل المرء من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» (البخاري). وقوله تعالى: (ولسليمان الريح) يعني: وسخرنا لسليمان الريح ﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾ يعني: مسيرة شهر، فكانت تسير به في اليوم مسيرة شهرين ﴿وأسلنا له عين القطر﴾ والقطر: النحاس المذاب، فالله تعالى يسر النحاس لسليمان عليه السلام كما يسر الحديد لوالده داود عليه السلام، والظاهر أنه جعل النحاس لسليمان في معدنه عينا تسيل كعيون المياه، دلالة على نبوته ﴿ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه﴾ يعني: بأمر ربه ﴿ومن يزغ منهم عن أمرنا﴾ الذي أمرناه به من طاعة سليمان ﴿نذقه من عذاب السعير﴾ يعني: في الآخرة، وقال السدي: في الدنيا، وذلك أن الله تعالى وكل بهم ملكا بيده سوط من نار، فمن زاغ عن أمر سليمان ضربه بذلك السوط ضربة من حيث لا يراه فأحرقته. وقوله تعالى: (يعملون له) يعني: يعمل الجن لسليمان عليه السلام (ما يشاء) يعني: ما يريد (من محاريب) والمحراب في اللغة: كل موضع مرتفع، وقيل للذي يصلي فيه: محراب لأنه يجب أن يرفع ومعظم. وقيل: المحاريب المساجد: وهي دون القصور. وقيل: المحراب أشرف غرف الدار. وقيل: هو ما يرقى إليه بالدرج كالغرفة الحسنة، كما قال: ﴿إذ تسوروا المحراب﴾ [ص: 21] وقوله: ﴿فخرج على قومه من المحراب﴾ [مريم: 11] أي أشرف عليهم. وقوله: (وتماثيل) جمع تمثال، وهو كل ما صور على مثل صورة من حيوان أو غير حيوان، وهذا يدل على أن التصوير كان مباحا في ذلك الزمان، ونسخ ذلك بشرع محمد صلى الله عليه وسلم. قال القرطبي: «حكى مكي في الهداية له: أن فرقة تجوز التصوير، وتحتج بهذه الآية. قال ابن عطية: وذلك خطأ، وما أحفظ عن أحد من أئمة العلم من يجوزه. قلت: ما حكاه مكي ذكره النحاس قبله، قال النحاس: قال قوم عمل الصور جائز لهذه الآية، ولما أخبر الله عز وجل عن المسيح. وقال قوم: قد صح النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم عنها والتوعد لمن عملها أو اتخذها، فنسخ الله عز وجل بهذا ما كان مباحا قبله، وكانت الحكمة في ذلك لأنه بعث عليه السلام والصور تعبد، فكان الأصلح إزالتها. والتمثال على قسمين: حيوان وموات. والموات على قسمين: جماد ونام، وقد كانت الجن تصنع لسليمان جميعه، لعموم قوله: (وتماثيل). فإن قيل: لا عموم لقوله: (وتماثيل) فإنه إثبات في نكره، والإثبات في النكرة لا عموم له، إنما العموم في النفي في النكرة. قلنا: كذلك هو، بيد أنه قد اقترن بهذا الإثبات في النكرة ما يقتضي حمله على العموم، وهو قوله: (ما يشاء) فاقتران المشيئة به يقتضي العموم له. فإن قيل: كيف استجاز الصور المنهي عنها؟ قلنا: كان ذلك جائزا في شرعه ونسخ ذلك بشرعنا كما بينا، والله أعلم. وعن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرما. ومقتضى الأحاديث يدل على أن الصور ممنوعة، ثم جاء (إلا ما كان رقما في ثوب) فخص من جملة الصور، ثم ثبتت الكراهية فيه بقوله عليه الصلاة والسلام لعائشة في الثوب: (أخريه عني فإني كلما رأيته ذكرت الدنيا). ثم بهتكه الثوب المصور على عائشة منع منه، ثم بقطعها له وسادتين تغيرت الصورة وخرجت عن هيئتها، فإن جواز ذلك إذا لم تكن الصورة فيه متصلة الهيئة، ولو كانت متصلة الهيئة لم يجز، لقولها في النمرقة المصورة: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها، فمنع منه وتوعد عليه. وتبين بحديث الصلاة إلى الصور أن ذلك جائز في الرقم في الثوب ثم نسخه المنع منه. فهكذا استقر الأمر فيه والله أعلم، قاله ابن العربي. روى مسلم عن عائشة قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طائر وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حولي هذا فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا). قالت: وكانت لنا قطيفة كنا نقول علمها حرير، فكنا نلبسها. وعنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مستترة بقرام فيه صورة، فتلون وجهه، ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: (إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله عز وجل). وعنها: أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدود إلى سهوة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إليه فقال: (أخريه عني) قالت: فأخرته فجعلته وسادتين. قال بعض العلماء: ويمكن أن يكون تهتيكه عليه السلام الثوب وأمره بتأخيره ورعا، لأن محل النبوة والرسالة الكمال. فتأمله. قال المزني عن الشافعي: إن دعي رجل إلى عرس فرأى صورة ذات روح أو صورا ذات أرواح، لم يدخل إن كانت منصوبة. وإن كانت توطأ فلا بأس، وإن كانت صور الشجر. ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة غير محرمة. وكذلك عندهم ما كان خرطا أو نقشا في البناء. واستثنى بعضهم (ما كان رقما في ثوب)، لحديث سهل بن حنيف. قلت: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المصورين ولم يستثن. وقوله: (إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم) ولم يستثن. وفي الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: (يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاث: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر وبالمصورين) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. وفي البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون). يدل على المنع من تصوير شيء، أي شيء كان. وقد قال عز وجل: ﴿ما كان لكم أن تنبتوا شجرها﴾ [النمل: 60] على ما تقدم بيانه فاعلمه. وقد استثني من هذا الباب لعب البنات، لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت سبع سنين، وزفت إليه وهي بنت تسع، ولعبها معها، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة. وعنها أيضا قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن منه فيسربهن إلي فيلعبن معي. خرجهما مسلم. قال العلماء: وذلك للضرورة إلى ذلك وحاجة البنات حتى يتدربن على تربية أولادهن. ثم إنه لا بقاء لذلك، وكذلك ما يصنع من الحلاوة أو من العجين لا بقاء له، فرخص في ذلك، والله أعلم». وقوله: (وجفان كالجواب) والجوابي جمع الجابية، وهي حفيرة كالحوض، وكان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل. وقيل: هي القدر العظيمة، والحوض العظيم الكبير الذي يجبى فيه الشيء أي يجمع، ومنه جبيت الخراج، وجبيت الجراد، أي جعلت الكساء فجمعته فيه. وقوله: (وقدور راسيات) يعني: القدور الثوابت لا تحمل ولا تحرك لعظمها، وتستعمل للطبخ وتعمل من النحاس، وكذلك كانت قدور عبد الله بن جدعان يصعد إليها في الجاهلية بسلم. ﴿اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور﴾ قال القرطبي: «روى أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فتلا هذه الآية ثم قال: (ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود) قال فقلنا: ما هن؟ فقال: (العدل في الرضا والغضب. والقصد في الفقر والغنى. وخشية الله في السر والعلانية). خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة. وروي أن داود عليه السلام قال: (يا رب كيف أطيق شكرك على نعمك. وإلهامي وقدرتي على شكرك نعمة لك) فقال: (يا داود الآن عرفتني). وحقيقة الشكر الاعتراف بالنعمة للمنعم واستعمالها في طاعته، والكفران استعمالها في المعصية. وقليل من يفعل ذلك، لأن الخير أقل من الشر، والطاعة أقل من المعصية، بحسب سابق التقدير. وقال مجاهد: لما قال الله تعالى: ﴿اعملوا آل داود شكرا﴾ قال داود لسليمان: إن الله عز وجل قد ذكر الشكر فاكفني صلاة النهار أكفك صلاة الليل، قال: لا أقدر، قال: فاكفني إلى صلاة الظهر، قال نعم، فكفاه. وقال الزهري: ﴿اعملوا آل داود شكرا﴾ أي قولوا الحمد لله. وشكرا نصب على جهة المفعول، أي اعملوا عملا هو الشكر. وكأن الصلاة والصيام والعبادات كلها هي في نفسها الشكر إذ سدت مسده، ويبين هذا قوله تعالى: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم﴾ [ص: 24] وهو المراد بقوله ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾. وقد قال سفيان بن عيينة في تأويل قوله تعالى: ﴿أن اشكر لي﴾ [لقمان: 14] أن المراد بالشكر الصلوات الخمس. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تفطر قدماه، فقالت له عائشة رضي الله عنها: أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: (أفلا أكون عبدا شكورا). انفرد بإخراجه مسلم. فظاهر القرآن والسنة أن الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان، فالشكر بالأفعال عمل الأركان، والشكر بالأقوال عمل اللسان. والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ يحتمل أن يكون مخاطبة لآل داود، ويحتمل أن يكون مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عطية: وعلى كل وجه ففيه تنبيه وتحريض. وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا يقول: اللهم اجعلني من القليل، فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: أردت قوله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ فقال عمر رضي الله عنه: كل الناس أعلم منك يا عمر! وروي أن سليمان ما شبع قط، فقيل له في ذلك فقال: أخاف إن شبعت أن أنسى الجياع. وهذا من الشكر ومن القليل، فتأمله، والله أعلم».
(10) و (11) و (12) و (13) قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد. أن أعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير. ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير. يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور﴾. وفي هذه الآيات دعوة إلى الإيمان من خلال تعداد فضائل الله تعالى ونعمه على الناس وخاصة أهل الكتاب لأنهم ينتمون إلى داود وابنه سليمان عليهما السلام. فالله تعالى علم داود منطق الطير وكانت الطيور تردد معه الذكر والتسبيح كما سخرها له، وكذلك ألان له الحديد بحيث يستخدمه في الصناعات التي تنفع الناس، ومن هذه الصناعات الدروع السابغة التي تقي الحر والبرد والقتل. والله تعالى سخر لسليمان الريح تذهب به حيث شاء وألان له النحاس يصنع منه ما يحتاج إليه من الأدوات، ومن هذه الأدوات المحاريب والتماثيل والأوعية التي تستخدم لجمع الماء وطهي الطعام، كما سخر له الجن يعملون له ويأتمرون بأمره. وفي هذه الآيات دعوة إلى العمل الصالح ودعوة إلى الشكر من خلال القول ومن خلال العمل. فقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا داود منا فضلا﴾ الآية، بين لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أن إرسال الرسل ليس أمرا بدعا، بل أرسلنا الرسل وأيدناهم بالمعجزات، وأحللنا بمن خالفهم العقاب. فقوله: ﴿ولقد آتينا داود﴾ يعني: أعطينا (فضلا) يعني: أمرا فضلناه به على غيره، فقد أعطى الله تعالى داود عليه السلام: النبوة، والزبور، والعلم، والقوة، وتسخير الجبال والناس، والتوبة، والحكم بالعدل، وإلانة الحديد، وحسن الصوت (يا جبال أوبي معه) يعني: وقلنا يا جبال سبحي معه، لقوله تعالى: ﴿إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق﴾ [ص: 18]، ومعنى تسبيح الجبال: هو أن الله تعالى خلق فيها تسبيحا كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ما يسمع من المسبح معجزة لداود عليه السلام. وقيل: المعنى سيري معه حيث شاء، من التأويب الذي هو سير النهار أجمع وينزل الليل. وقيل: المعنى تصرفي معه على ما يتصرف عليه داود بالنهار، فكان إذا قرأ الزبور صوتت الجبال معه، وأصغت إليه الطير، فكأنها فعلت ما فعل (والطير) يعني: ونادينا الطير كما نادينا الجبال أن يسبح مع داود ﴿وألنا له الحديد﴾ يعني: كان الحديد في يده كالطين المبلول والعجين والشمع، يصرفه كيف شاء، من غير إدخال نار ولا ضرب بمطرقة. وقيل: أعطي قوة يثني بها الحديد. ﴿أن اعمل سابغات﴾ يعني: دروعا سابغات، أي كوامل تامات واسعات، يقال: سبغ الدرع والثوب وغيرهما إذا غطى كل ما هو عليه وفضل منه ﴿وقدر في السرد﴾ قيل: كانت الدروع قبله صفائح فكانت ثقالا، فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع من الخفة والحصانة، أي قدر ما تأخذ من هذين المعنيين بقسطه، فلا تقصد الحصانة فتثقل ولا الخفة فتزيل المنعة. وقيل: التقدير الذي أمر به هو في قدر الحلقة، أي لا تعملها صغيرة فتضعف فلا تقوى الدروع على الدفاع، ولا تعملها كبيرة فينال لابسها (واعملوا صالحا) يعني: عملا صالحا، وهذا خطاب لداود وأهله ﴿إني بما تعملون بصير﴾ يعني: أبصر ما تعملون فأحسنوا عملكم وأتقنوه واجتهدوا فيه . وفي هذه الآية دليل على تعلم أهل الفضل الصنائع، وأن التحرف بها لا ينقص من مناصبهم، بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم، إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخلي عن الامتنان. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن خير ما أكل المرء من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» (البخاري). وقوله تعالى: (ولسليمان الريح) يعني: وسخرنا لسليمان الريح ﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾ يعني: مسيرة شهر، فكانت تسير به في اليوم مسيرة شهرين ﴿وأسلنا له عين القطر﴾ والقطر: النحاس المذاب، فالله تعالى يسر النحاس لسليمان عليه السلام كما يسر الحديد لوالده داود عليه السلام، والظاهر أنه جعل النحاس لسليمان في معدنه عينا تسيل كعيون المياه، دلالة على نبوته ﴿ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه﴾ يعني: بأمر ربه ﴿ومن يزغ منهم عن أمرنا﴾ الذي أمرناه به من طاعة سليمان ﴿نذقه من عذاب السعير﴾ يعني: في الآخرة، وقال السدي: في الدنيا، وذلك أن الله تعالى وكل بهم ملكا بيده سوط من نار، فمن زاغ عن أمر سليمان ضربه بذلك السوط ضربة من حيث لا يراه فأحرقته. وقوله تعالى: (يعملون له) يعني: يعمل الجن لسليمان عليه السلام (ما يشاء) يعني: ما يريد (من محاريب) والمحراب في اللغة: كل موضع مرتفع، وقيل للذي يصلي فيه: محراب لأنه يجب أن يرفع ومعظم. وقيل: المحاريب المساجد: وهي دون القصور. وقيل: المحراب أشرف غرف الدار. وقيل: هو ما يرقى إليه بالدرج كالغرفة الحسنة، كما قال: ﴿إذ تسوروا المحراب﴾ [ص: 21] وقوله: ﴿فخرج على قومه من المحراب﴾ [مريم: 11] أي أشرف عليهم. وقوله: (وتماثيل) جمع تمثال، وهو كل ما صور على مثل صورة من حيوان أو غير حيوان، وهذا يدل على أن التصوير كان مباحا في ذلك الزمان، ونسخ ذلك بشرع محمد صلى الله عليه وسلم. قال القرطبي: «حكى مكي في الهداية له: أن فرقة تجوز التصوير، وتحتج بهذه الآية. قال ابن عطية: وذلك خطأ، وما أحفظ عن أحد من أئمة العلم من يجوزه. قلت: ما حكاه مكي ذكره النحاس قبله، قال النحاس: قال قوم عمل الصور جائز لهذه الآية، ولما أخبر الله عز وجل عن المسيح. وقال قوم: قد صح النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم عنها والتوعد لمن عملها أو اتخذها، فنسخ الله عز وجل بهذا ما كان مباحا قبله، وكانت الحكمة في ذلك لأنه بعث عليه السلام والصور تعبد، فكان الأصلح إزالتها. والتمثال على قسمين: حيوان وموات. والموات على قسمين: جماد ونام، وقد كانت الجن تصنع لسليمان جميعه، لعموم قوله: (وتماثيل). فإن قيل: لا عموم لقوله: (وتماثيل) فإنه إثبات في نكره، والإثبات في النكرة لا عموم له، إنما العموم في النفي في النكرة. قلنا: كذلك هو، بيد أنه قد اقترن بهذا الإثبات في النكرة ما يقتضي حمله على العموم، وهو قوله: (ما يشاء) فاقتران المشيئة به يقتضي العموم له. فإن قيل: كيف استجاز الصور المنهي عنها؟ قلنا: كان ذلك جائزا في شرعه ونسخ ذلك بشرعنا كما بينا، والله أعلم. وعن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرما. ومقتضى الأحاديث يدل على أن الصور ممنوعة، ثم جاء (إلا ما كان رقما في ثوب) فخص من جملة الصور، ثم ثبتت الكراهية فيه بقوله عليه الصلاة والسلام لعائشة في الثوب: (أخريه عني فإني كلما رأيته ذكرت الدنيا). ثم بهتكه الثوب المصور على عائشة منع منه، ثم بقطعها له وسادتين تغيرت الصورة وخرجت عن هيئتها، فإن جواز ذلك إذا لم تكن الصورة فيه متصلة الهيئة، ولو كانت متصلة الهيئة لم يجز، لقولها في النمرقة المصورة: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها، فمنع منه وتوعد عليه. وتبين بحديث الصلاة إلى الصور أن ذلك جائز في الرقم في الثوب ثم نسخه المنع منه. فهكذا استقر الأمر فيه والله أعلم، قاله ابن العربي. روى مسلم عن عائشة قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طائر وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حولي هذا فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا). قالت: وكانت لنا قطيفة كنا نقول علمها حرير، فكنا نلبسها. وعنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مستترة بقرام فيه صورة، فتلون وجهه، ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: (إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله عز وجل). وعنها: أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدود إلى سهوة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إليه فقال: (أخريه عني) قالت: فأخرته فجعلته وسادتين. قال بعض العلماء: ويمكن أن يكون تهتيكه عليه السلام الثوب وأمره بتأخيره ورعا، لأن محل النبوة والرسالة الكمال. فتأمله. قال المزني عن الشافعي: إن دعي رجل إلى عرس فرأى صورة ذات روح أو صورا ذات أرواح، لم يدخل إن كانت منصوبة. وإن كانت توطأ فلا بأس، وإن كانت صور الشجر. ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة غير محرمة. وكذلك عندهم ما كان خرطا أو نقشا في البناء. واستثنى بعضهم (ما كان رقما في ثوب)، لحديث سهل بن حنيف. قلت: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المصورين ولم يستثن. وقوله: (إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم) ولم يستثن. وفي الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: (يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاث: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر وبالمصورين) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. وفي البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون). يدل على المنع من تصوير شيء، أي شيء كان. وقد قال عز وجل: ﴿ما كان لكم أن تنبتوا شجرها﴾ [النمل: 60] على ما تقدم بيانه فاعلمه. وقد استثني من هذا الباب لعب البنات، لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت سبع سنين، وزفت إليه وهي بنت تسع، ولعبها معها، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة. وعنها أيضا قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن منه فيسربهن إلي فيلعبن معي. خرجهما مسلم. قال العلماء: وذلك للضرورة إلى ذلك وحاجة البنات حتى يتدربن على تربية أولادهن. ثم إنه لا بقاء لذلك، وكذلك ما يصنع من الحلاوة أو من العجين لا بقاء له، فرخص في ذلك، والله أعلم». وقوله: (وجفان كالجواب) والجوابي جمع الجابية، وهي حفيرة كالحوض، وكان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل. وقيل: هي القدر العظيمة، والحوض العظيم الكبير الذي يجبى فيه الشيء أي يجمع، ومنه جبيت الخراج، وجبيت الجراد، أي جعلت الكساء فجمعته فيه. وقوله: (وقدور راسيات) يعني: القدور الثوابت لا تحمل ولا تحرك لعظمها، وتستعمل للطبخ وتعمل من النحاس، وكذلك كانت قدور عبد الله بن جدعان يصعد إليها في الجاهلية بسلم. ﴿اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور﴾ قال القرطبي: «روى أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فتلا هذه الآية ثم قال: (ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود) قال فقلنا: ما هن؟ فقال: (العدل في الرضا والغضب. والقصد في الفقر والغنى. وخشية الله في السر والعلانية). خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة. وروي أن داود عليه السلام قال: (يا رب كيف أطيق شكرك على نعمك. وإلهامي وقدرتي على شكرك نعمة لك) فقال: (يا داود الآن عرفتني). وحقيقة الشكر الاعتراف بالنعمة للمنعم واستعمالها في طاعته، والكفران استعمالها في المعصية. وقليل من يفعل ذلك، لأن الخير أقل من الشر، والطاعة أقل من المعصية، بحسب سابق التقدير. وقال مجاهد: لما قال الله تعالى: ﴿اعملوا آل داود شكرا﴾ قال داود لسليمان: إن الله عز وجل قد ذكر الشكر فاكفني صلاة النهار أكفك صلاة الليل، قال: لا أقدر، قال: فاكفني إلى صلاة الظهر، قال نعم، فكفاه. وقال الزهري: ﴿اعملوا آل داود شكرا﴾ أي قولوا الحمد لله. وشكرا نصب على جهة المفعول، أي اعملوا عملا هو الشكر. وكأن الصلاة والصيام والعبادات كلها هي في نفسها الشكر إذ سدت مسده، ويبين هذا قوله تعالى: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم﴾ [ص: 24] وهو المراد بقوله ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾. وقد قال سفيان بن عيينة في تأويل قوله تعالى: ﴿أن اشكر لي﴾ [لقمان: 14] أن المراد بالشكر الصلوات الخمس. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تفطر قدماه، فقالت له عائشة رضي الله عنها: أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: (أفلا أكون عبدا شكورا). انفرد بإخراجه مسلم. فظاهر القرآن والسنة أن الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان، فالشكر بالأفعال عمل الأركان، والشكر بالأقوال عمل اللسان. والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ يحتمل أن يكون مخاطبة لآل داود، ويحتمل أن يكون مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عطية: وعلى كل وجه ففيه تنبيه وتحريض. وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا يقول: اللهم اجعلني من القليل، فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: أردت قوله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ فقال عمر رضي الله عنه: كل الناس أعلم منك يا عمر! وروي أن سليمان ما شبع قط، فقيل له في ذلك فقال: أخاف إن شبعت أن أنسى الجياع. وهذا من الشكر ومن القليل، فتأمله، والله أعلم».