۞ فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلࣰا 88
﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِينا﴾ [النساء: 88-91]
(1) قال ابن عباس: «نزلت في قوم كانوا قد تكلموا بالإسلام, وكانوا يظاهرون المشركين, فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا من بأس ... وإنّ المؤمنين لما أخبروا أنهم خرجوا من مكة, قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم, فإنهم يظاهرون عدوكم، وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله، أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به؟ من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم, نستحل دمائهم وأموالهم؟ فكانوا كذلك فئتين, والرسول عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء, فنزلت هذه الآيات» (ابن كثير).
(2) قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْن﴾. استفهام إنكاري وهو أبلغ أثرا في النفوس من الإنكار العادي, وفيه ينكر الله تعالى على المؤمنين أشد الإنكار أن يختلفوا في غيرهم فيصيروا فئتين بسبب هذا الخلاف على الآخرين, وفيه تربية للمسلمين على أنّ الخلاف في الآخرين وحكمهم ما ينبغي أن يسبب الفرقة في الصف الإسلامي فيجعل الفئة المسلمة منقسمة إلى فئتين، ولأنّ المسلمين الآن لم يتعلموا هذه المبادئ القرآنية التربوية ويعملوا بما فيها فإنّ معظم خلافاتهم ومعظم انقساماتهم متعلقة بخلاف حول الآخرين, لقد بلغ خلاف المسلمين الآن بسبب الموقف من غيرهم حدا جعل المسلمين فرقا وأحزابا متشرذمة لا وزن لها ولا قيمة لها من الناحية العملية, فما أحوجنا إلى هذه القاعدة التربوية القرآنية!.
(3) قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾. فيه تربية على أنّ عمل الإنسان سبب في ضلاله, وبالتالي مسؤولية الإنسان عن ضلاله, فالكسب السيئ يزيد في ضلال الإنسان والكسب الحسن يزيد في هداية الإنسان, وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ [المطففين: 14]، في مجال الضلال والركس, والمفهوم المعاكس لهذه الآية قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69] في مجال الهداية.
(4) قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾. يبيّن الله تعالى في هذه الآية حقيقة خصوم الإسلام والخارجين عليه من المسلمين كي لا يغتر المسلم بهم ولا ينخدع بظاهرهم إن كان باطنهم عكس ذلك، وهذه الحقيقة هي أنّ الكافر يتمنى أن يكون المسلمون كفارا مثله فلا يكون لهم امتياز عليه, وكذلك الفاسق يتمنى لو كان المسلمون كلهم فساقا مثله فلا تظهر فضيلتهم عليه, وهي حقيقة كل عاص وكل خبيث، وهي حقيقة توقع الخوف في نفس المسلم كما توقع الحذر, وهو خوف وحذر لا بد منه لمن أراد السلامة.
(5) قوله تعالى: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّه﴾. تحذير للمؤمن من موالاة ومحبة من لا يهاجر في سبيل الله، وترغيب لمن يريد الإسلام في الهجرة، وفي إخلاص الهجرة لله لا لعرض من الدنيا، قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: «والهجرة أنواع: منها الهجرة إلى المدينة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم وكانت هذه واجبة أول الإسلام حتى قال: «لا هجرة بعد الفتح» (البخاري)، وكذلك هجرة المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات، وهجرة من أسلم في دار الحرب فإنها واجبة، وهجرة المسلم ما حرم الله كما قال صلى الله عليه وسلم: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (البخاري)، وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن، وهجرة أهل العاصي حتى يرجعوا تأديبا لهم, فلا يكلمون ولا يخالطون حتى يتوبوا, كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع كعب وصاحبيه». وقال الإمام الرازي في المدلولات التربوية للهجرة: «اعلم أنّ الهجرة تارة تحصل بالانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان, وأخرى تحصل بالانتقال من أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين, قال صلى الله عليه وسلم: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (البخاري), وقال المحققون: الهجرة في سبيل الله عبارة عن الهجرة عن ترك مأموراته وفعل منهياته, ولما كان كل هذه الأمور معتبرا لا جرم ذكر الله تعالى لفظا عاما يتناول الكل فقال: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ فإنه تعالى لم يقل حتى يهاجروا عن الكفر, بل قال: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّه﴾، وذلك يدخل فيه مهاجرة دار الكفر ومهاجرة شعار الكفر, ثم لم يقتصر تعالى على ذكر الهجرة, بل قيده بكونه ﴿فِي سَبِيلِ اللَّه﴾، فإنه ربما كانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ومن شعار الكفر إلى شعار الإسلام لغرض من أغراض الدنيا, إنما المعتبر وقوع تلك الهجرة لأجل أمر الله تعالى».
(6) قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاق﴾. في هذه الآية ترغيب في محبة الله ومحبة رسوله والمعاهدة على ذلك, وفيها بشارة لأهل الإيمان, لأنه تعالى رفع القتل والسيف والعذاب عمن التجأ إلى المسلمين, فبأن يرفع العذاب في الآخرة عمن التجأ إلى محبته تعالى ومحبة رسوله من قبيل الأولى، والله أعلم.
(7) قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾. في هذه الآية يرفع الله تعالى السيف عن الفئة المحايدة من غير المسلمين وينهي عن قتل هذه الفئة ليدل على أنّ الأصل في منهج الإسلام هو السلام والدعوة إليه والعمل لتحقيقه، وإنما شرع القتال لرفع الظلم لا لإدخال الناس في الإسلام: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ [البقرة: 256]، وفي هذه الآية يمنّ الله على المسلمين بحياد هذه الفئة وغيرها من فئات المشركين التي تلتزم الحياد, لأنها لو لم تلتزم الحياد وقاتلت المسلمين لكان في ذلك مشقة, وهذا تهدئة للنفوس الإسلامية المتحمسة التي قد لا تقبل الحياد من المشركين بل تصر على الإسلام أو القتال.
(8) قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِينا﴾. قال مجاهد: «نزلت في قوم من أهل مكة, كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء, ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان, يبتغون بذلك أن يأمنوا ها هنا, وها هنا، فأمر بقتلهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا» (الطبري). وهنا نجد الأمر بقتال الفئة الشريرة التي تظهر الإسلام للمسلمين وتظهر الكفر للكافرين, فلا هي فئة مسلمة, ولاهي فئة كافرة محايدة، ولا هي فئة كافرة محاربة, فهي فئة متميعة لا يصلحها إلا السيف, ومن هنا أمر الإسلام بقتلها حتى تتحول عن هذا التميع إلى الإيمان أو إلى الحياد. وفي هذه الآية تأكيد للقاعدة التي ذكرناها أكثر من مرة وهي حرص الإسلام على السلام وأنّ الغاية من القتال هي رفع الظلم والتخلية بين الناس والإسلام فلهم أن يختاروه فيسلموا ولهم أن لا يختاروه فيكونون على شركهم، ولكن بشرط الحياد فلا يحاربون الإسلام ولا يسلبون الناس حرية الاختيار وحرية العمل.
(1) قال ابن عباس: «نزلت في قوم كانوا قد تكلموا بالإسلام, وكانوا يظاهرون المشركين, فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا من بأس ... وإنّ المؤمنين لما أخبروا أنهم خرجوا من مكة, قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم, فإنهم يظاهرون عدوكم، وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله، أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به؟ من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم, نستحل دمائهم وأموالهم؟ فكانوا كذلك فئتين, والرسول عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء, فنزلت هذه الآيات» (ابن كثير).
(2) قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْن﴾. استفهام إنكاري وهو أبلغ أثرا في النفوس من الإنكار العادي, وفيه ينكر الله تعالى على المؤمنين أشد الإنكار أن يختلفوا في غيرهم فيصيروا فئتين بسبب هذا الخلاف على الآخرين, وفيه تربية للمسلمين على أنّ الخلاف في الآخرين وحكمهم ما ينبغي أن يسبب الفرقة في الصف الإسلامي فيجعل الفئة المسلمة منقسمة إلى فئتين، ولأنّ المسلمين الآن لم يتعلموا هذه المبادئ القرآنية التربوية ويعملوا بما فيها فإنّ معظم خلافاتهم ومعظم انقساماتهم متعلقة بخلاف حول الآخرين, لقد بلغ خلاف المسلمين الآن بسبب الموقف من غيرهم حدا جعل المسلمين فرقا وأحزابا متشرذمة لا وزن لها ولا قيمة لها من الناحية العملية, فما أحوجنا إلى هذه القاعدة التربوية القرآنية!.
(3) قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾. فيه تربية على أنّ عمل الإنسان سبب في ضلاله, وبالتالي مسؤولية الإنسان عن ضلاله, فالكسب السيئ يزيد في ضلال الإنسان والكسب الحسن يزيد في هداية الإنسان, وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ [المطففين: 14]، في مجال الضلال والركس, والمفهوم المعاكس لهذه الآية قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69] في مجال الهداية.
(4) قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾. يبيّن الله تعالى في هذه الآية حقيقة خصوم الإسلام والخارجين عليه من المسلمين كي لا يغتر المسلم بهم ولا ينخدع بظاهرهم إن كان باطنهم عكس ذلك، وهذه الحقيقة هي أنّ الكافر يتمنى أن يكون المسلمون كفارا مثله فلا يكون لهم امتياز عليه, وكذلك الفاسق يتمنى لو كان المسلمون كلهم فساقا مثله فلا تظهر فضيلتهم عليه, وهي حقيقة كل عاص وكل خبيث، وهي حقيقة توقع الخوف في نفس المسلم كما توقع الحذر, وهو خوف وحذر لا بد منه لمن أراد السلامة.
(5) قوله تعالى: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّه﴾. تحذير للمؤمن من موالاة ومحبة من لا يهاجر في سبيل الله، وترغيب لمن يريد الإسلام في الهجرة، وفي إخلاص الهجرة لله لا لعرض من الدنيا، قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: «والهجرة أنواع: منها الهجرة إلى المدينة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم وكانت هذه واجبة أول الإسلام حتى قال: «لا هجرة بعد الفتح» (البخاري)، وكذلك هجرة المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات، وهجرة من أسلم في دار الحرب فإنها واجبة، وهجرة المسلم ما حرم الله كما قال صلى الله عليه وسلم: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (البخاري)، وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن، وهجرة أهل العاصي حتى يرجعوا تأديبا لهم, فلا يكلمون ولا يخالطون حتى يتوبوا, كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع كعب وصاحبيه». وقال الإمام الرازي في المدلولات التربوية للهجرة: «اعلم أنّ الهجرة تارة تحصل بالانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان, وأخرى تحصل بالانتقال من أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين, قال صلى الله عليه وسلم: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (البخاري), وقال المحققون: الهجرة في سبيل الله عبارة عن الهجرة عن ترك مأموراته وفعل منهياته, ولما كان كل هذه الأمور معتبرا لا جرم ذكر الله تعالى لفظا عاما يتناول الكل فقال: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ فإنه تعالى لم يقل حتى يهاجروا عن الكفر, بل قال: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّه﴾، وذلك يدخل فيه مهاجرة دار الكفر ومهاجرة شعار الكفر, ثم لم يقتصر تعالى على ذكر الهجرة, بل قيده بكونه ﴿فِي سَبِيلِ اللَّه﴾، فإنه ربما كانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ومن شعار الكفر إلى شعار الإسلام لغرض من أغراض الدنيا, إنما المعتبر وقوع تلك الهجرة لأجل أمر الله تعالى».
(6) قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاق﴾. في هذه الآية ترغيب في محبة الله ومحبة رسوله والمعاهدة على ذلك, وفيها بشارة لأهل الإيمان, لأنه تعالى رفع القتل والسيف والعذاب عمن التجأ إلى المسلمين, فبأن يرفع العذاب في الآخرة عمن التجأ إلى محبته تعالى ومحبة رسوله من قبيل الأولى، والله أعلم.
(7) قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾. في هذه الآية يرفع الله تعالى السيف عن الفئة المحايدة من غير المسلمين وينهي عن قتل هذه الفئة ليدل على أنّ الأصل في منهج الإسلام هو السلام والدعوة إليه والعمل لتحقيقه، وإنما شرع القتال لرفع الظلم لا لإدخال الناس في الإسلام: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ [البقرة: 256]، وفي هذه الآية يمنّ الله على المسلمين بحياد هذه الفئة وغيرها من فئات المشركين التي تلتزم الحياد, لأنها لو لم تلتزم الحياد وقاتلت المسلمين لكان في ذلك مشقة, وهذا تهدئة للنفوس الإسلامية المتحمسة التي قد لا تقبل الحياد من المشركين بل تصر على الإسلام أو القتال.
(8) قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِينا﴾. قال مجاهد: «نزلت في قوم من أهل مكة, كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء, ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان, يبتغون بذلك أن يأمنوا ها هنا, وها هنا، فأمر بقتلهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا» (الطبري). وهنا نجد الأمر بقتال الفئة الشريرة التي تظهر الإسلام للمسلمين وتظهر الكفر للكافرين, فلا هي فئة مسلمة, ولاهي فئة كافرة محايدة، ولا هي فئة كافرة محاربة, فهي فئة متميعة لا يصلحها إلا السيف, ومن هنا أمر الإسلام بقتلها حتى تتحول عن هذا التميع إلى الإيمان أو إلى الحياد. وفي هذه الآية تأكيد للقاعدة التي ذكرناها أكثر من مرة وهي حرص الإسلام على السلام وأنّ الغاية من القتال هي رفع الظلم والتخلية بين الناس والإسلام فلهم أن يختاروه فيسلموا ولهم أن لا يختاروه فيكونون على شركهم، ولكن بشرط الحياد فلا يحاربون الإسلام ولا يسلبون الناس حرية الاختيار وحرية العمل.