يَسۡتَفۡتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِي ٱلۡكَلَٰلَةِۚ إِنِ ٱمۡرُؤٌاْ هَلَكَ لَيۡسَ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَهُۥٓ أُخۡتٞ فَلَهَا نِصۡفُ مَا تَرَكَۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمۡ يَكُن لَّهَا وَلَدٞۚ فَإِن كَانَتَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَۚ وَإِن كَانُوٓاْ إِخۡوَةٗ رِّجَالٗا وَنِسَآءٗ فَلِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ أَن تَضِلُّواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ 176 سورة المائدةبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِيَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ 1 يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡيَ وَلَا ٱلۡقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَٰنٗاۚ وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُواْۚ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ أَن تَعۡتَدُواْۘ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ 2
الصفحة 106

تفسير سورة المائدة - الآية 2

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡيَ وَلَا ٱلۡقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ يَبۡتَغُونَ فَضۡلࣰا مِّن رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَٰنࣰاۚ وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُواْۚ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ أَن تَعۡتَدُواْۘ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ 2

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ [المائدة: 2]
(1) قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. نلمح في هذه المحرمات سعي الإسلام لإقامة المكان الآمن والزمان الآمن في جو يملؤه الخوف والترقب والخشية, وتلك حال الناس في البيئة الجاهلية، فلا زمان آمن ولا مكان آمن ولا صفة للأمن بينهم, كان العرب يعيشون في قبائل متنازعة متناحرة تعارفت على أنّ الرجل إن وقع في غير قبيلته أصبح أسيرا، وبموجب الأسر إما أن يستعبد أو يفدى أو يقتل, والمرأة كذلك إن وقعت في يد غير يد القبيلة التي تنتمي إليها فهي إما أن تستعبد فتحول إلى أمة رقيقة أو تفدى, وكانت معظم القبائل تعيش على الغزو أي يغزوا بعضها بعضا، وبموجب الغزو يستباح الدم والمال والعرض, فجاء الإسلام وسعى لتحقيق الأمان في الأرض من خلال بناء المسلمين وتربيتهم على تحريم ما حرم الله من المكان الآمن والزمان الآمن والصفة الآمنة، فأمر بتحريم ما حرم الله من المحرمات. ويدخل في هذه المحرمات مناسك الحج فقال: ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّه﴾ أي معالم دينه, ﴿وَلا الشَّهْرَ الْحَرَام﴾ والمراد في ذلك تحريم القتال في الأشهر الحرم الأربعة: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم, وقد كان العرب يحرمون القتال في الأشهر الحرم ولكنهم يتلاعبون بها وفقا لأهوائهم فيغيرون في المسميات، (وَلا الْهَدْي) أي ما يهدي للكعبة من شاة وجمل وبقرة ونحو ذلك, يحرم صيده أو امتلاكه كما يحرم على صاحبه نحره إلا في وقته ومكانه, (وَلا الْقَلائِد) قيل: ما يهدي للكعبة فيقلد, وقيل: كان الناس يتقلدون لحاء شجر الحرم فلا يتعرض لهم أحد لا في حج ولا في عمرة ولا في سفر ولا غير ذلك, ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانا﴾ أي يحرم على المسلم قتال قاصد البيت الحرام في حج أو عمرة أو سفر للتجارة والكسب وإن لم يتقلدوا بشيء. ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ أي لا يحل لمحرم أن يصطاد لا في البيت الحرام ولا في غيره ما دام محرما, وأما الصيد في البيت الحرام فهو محرم على المحرم وعلى غير المحرم, وهذا مع قوله (ولا الهدي)،(ولا القلائد) آمان للدواب والطير وكل ما يصطاد. قال صاحب الظلال: «إنها منطقة الأمان يقيمها الله في بيته الحرام, كما يقيم فترة الأمان في الأشهر الحرام, منطقة يأمن فيها الناس والحيوان والطير والشجر أن ينالها الأذى, أو يروعها العدوان، إنه السلام المطلق يرفرف على هذا البيت استجابة لدعوة إبراهيم، أبي هذه الأمة الكريم، ويرفرف على الأرض كلها أربعة أشهر كاملة في العام، في ظلال الإسلام، وهو سلام يتذوق القلب البشري حلاوته وطمأنينته وأمنه, ليحرص عليه بشروطه وليحفظ عهد الله وميثاقه, وليحاول أن يطبقه في الحياة كلها على مدار العام, وفي كل مكان». ومن خلال هذه التحريمات نلمح استجابة الإسلام ومراعاته للميول الفطرية داخل الإنسان, ميول الآمان والراحة من عناء القتال, ميول السلام والاطمئنان في بيئة لم تبق حراما إلا أحلته وسعت في حله.
(2) قوله تعالى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانا﴾. أما الفضل فهو التجارة، وأما الرضوان فهو الثواب من الله على الحج أو العمرة, وفي هذا التشريع نلمح رحمته تعالى بالناس حين أقرّ لهم سعيهم لدنياهم كما أقرّ لهم سعيهم لأخراهم, وفيه تأكيد على حرص الإسلام على سعادة الإنسان في الدنيا كما هو حريص على سعادته في الآخرة, إنها ثنائية الجسد والروح التي أقرّها الإسلام ودعا إليها ولم يقدم جانبا على حساب الآخر, فالعمل للدنيا صاحبه مأجور عند الله كما العمل للآخرة صاحبه مأجور عنده, وقد كانوا يقيمون أسواقا للتجارة في مواسم الحج في الجاهلية فجاء الإسلام وأقرّ ذلك، وللمسلم أن يتاجر أثناء حجه أو عمرته وكل ذلك عبادة.
(3) قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾. أي لا يدفعنكم بغضكم لقوم بسبب صدهم إياكم عن المسجد الحرام في حج أو عمرة أو غير ذلك أن تعاملوهم بالمثل فتصدوهم عن المسجد الحرام أو تستحلوا قتالهم في المسجد الحرام أو تستحلوا قتالهم وهم آمون للمسجد الحرام أو متقلدون للقلائد, فالاعتداء في كل ذلك محرم, وهذا تربية للمسلمين على ضبط النفس وتحرير القلب من العبودية للأهواء أو الشهوات أو نزعات الغضب والانتقام, كي يرتقي المسلمون إلى مستوى الأمة الذي أراده الله لهم، كخير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتقيم الشهادة لله وتنشر العدل بين الناس, فمن أراد أن يكون كبيرا بين الناس وأن يكون قدوة للناس فعليه أن يسمو بنفسه عن شهوة الغضب للنفس وشهوة الانتقام, وعليه أن يترفع عن سفاسف الأمور وصغارها, وأن يتحلى بالنفس السمحة التي تكظم الغيظ وتعفو عن الناس وتحسن إلى الآخرين.
(4) قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَان﴾. والعرب في الجاهلية كانوا يتعاونون على البر والتقوى وعلى الإثم والعدوان, يتعاونون على الحق والباطل, وإذا كان الشعر ديوان العرب فلننظر في هذا الديوان, يقول شاعرهم: ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا, ويقول آخر: لا يسألون أخاهم حين يندبهم * في النائبات على ما قال برهانا, ويقول ثالث: ومن لم يزد عن حوضه بسلاحه * يهدم ولم لا يظلم الناس يظلم , ويقول رابع: وهل أنا إلا غزية إن غوت * غويت وإن ترشد غزية أرشد, والقول المأثور في الجاهلية هو: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما», وقد جاء الإسلام ليقيم علاقة العدل بين الناس في تعاونهم وعلاقاتهم, وليصحح هذه التصورات فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَان﴾، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في معرض تصحيح التصور: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقالوا: يا رسول الله, ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ فقال: بأن تأخذوا على يده» (البخاري)، فأكد النصرة وصحح مفهومها, فاعتبر نصرة الظالم بمنعه من ظلمه وبعدم معاونته على إثمه وعدوانه.
(5) قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾. لما شرّع الله هذه التشريعات, وحرّم هذه المحرمات, ونهى عن استحلالها أو التهاون في حرمتها, ناسب أن تكون الخاتمة ترهيبا وزجرا عن ذلك, فتوعد من يخالف الله في تشريعاته بالعقوبة الشديدة يوم القيامة, وذكرهم بأنّ الله شديد العقاب, فلا طاقة لأحد في تحمل عقوبة الله, هذا ناهيك عن عقوبة من يفعل ذلك في الدنيا حيث يحاسب من قبل السلطان المسلم حسابا عسيرا ويعاقب عقوبة زاجرة له ولغيره.
فهرس الكتاب