يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسࣰا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشࣰاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرࣱۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ 26
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 26]
(1) في المدلول التربوي لعلاقة هذه الآية بما قبلها نقول: إنه تعالى لما ذكر ما وقع لآدم وحواء من انكشاف العورة وأنهما صارا يقطفان الأوراق لكي يستروا عوراتهم, أتبعه في هذه الآية بأن أمر الناس بستر العورات وذكرهم بنعمة الله في إنزال اللباس والريش عليهم لهذه المهمة. واعلم أنّ اللباس نعمة كبرى في هذه الحياة, وأنا أذكر لك هنا حادثتين من تجربتي الشخصية:
أما الحادثة الأولى: فعندما كنت طالبا في كلية الطب البشري ذهبنا في إحدى التدريبات لزيارة مشفى الأمراض العقلية, وقد جال بنا الأستاذ المشرف على كافة الأقسام حيث يوزع المرضى في مهاجع حسب أمراضهم, ثم دخل بنا إلى باحة يطل عليها بابان لمهجعين فيهم مرضى الفصام المزمن الذي يئس الطب من شفائه, ولما فتح البابين خرج منهما ما يقارب الستين رجلا من كل الأعمار عراة كما ولدتهم أمهاتهم مع أنّ الفصل شتاء, وقد كان منظرا تقشعر له الأبدان ملأ قلوب الطلاب بالرعب والاشمئزاز, فالمرضى أشبه بقطيع حيواني لا يعرف اللباس إلا رجلا واحدا كان يستر كتفيه ببطانية ويكشف جسده كسائر المرضى, ولما ناقشنا موضوع تقديم اللباس للمرضى مع المشرفين على المشفى قالوا: إنا نقدم لهم اللباس عدة مرات في السنة ولكنهم يمزقون اللباس ويعيشون هكذا وفي شدة البرد, مما يتسبب بوفاة بعضهم في كل عام، وأذكر يومها في طريق عودتي إلى البيت أني كنت أتذكر هذه الآية من سورة الأعراف وأحس بنعمة الله على الإنسان في اللباس وفي العقل.
وأما الحادثة الثانية فهي أنني حينما مررت بمدينة ميونخ في ألمانيا كي أعود إلى سورية وكان لدي متسع من الوقت قبل إقلاع الطائرة فرحت أتجول في المدينة مع صديق لي من أهل تلك البلاد, ومررنا بحديقة مجاورة للجامعة يقال لها الحديقة الإنكليزية، رأيت منظرا شبيها بذلك المنظر الذي رأيته في مشفى الأمراض العقلية في سورية، مجموعات من الناس يتنزهون في الحديقة ذكورا وإناثا، أغلبهم عراة كما ولدتهم أمهاتهم، ولكن هؤلاء ليسوا مجانين بل عقلاء!! وحين سألت صديقي الألماني: لماذا يتعرى هؤلاء؟ فقال: إنهم يعرضون أجسامهم للشمس من قبيل الرياضة, فقلت: وما المانع أن يعرضوا أجسامهم للشمس ويتركوا عوراتهم مستورة؟ فقال: لابد من تعريضها للشمس فذلك أصح من الناحية الطبية لأنها تصاب بالتعفن والإنتان, قلت: هذه المنطقة لا زالت مستورة عندنا منذ آلاف السنين ومع ذلك لم تصب بتعفن أو إنتان أو أعطاب, فانظر رحمك الله إلى ما يقوله هؤلاء العقلاء!!.
(2) قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر﴾. فيه تربية على التلازم بين اللباس المادي واللباس المعنوي, فاللباس يستر الجسد, والتقوى تستر القلوب والأمراض القلبية، وكما عري الجسد قبيح فكذلك العري المعنوي من خوف الله قبيح, وكما الفجور في كشف العورات فكذلك الفجور في إعلان المعاصي وترك الطاعات. وفيه تربية على أنّ التقوى ليست مجرد فكرة تقبع في الرؤوس ولا مجرد كلمة تنطق باللسان بل هي لباس يسربل الأجسام وحالة مادية يعيشها الإنسان, وإن كان للتقوى جانب قلبي يملأ القلب فإنّ لها جانبها المادي العملي الحركي الذي يعبر كما تكنه النفوس وما تحمله القلوب, فالتقوى كالخوف والفرح والحزن حالة نفسية لها انعكاسها السلوكي وما لم يحصل ذلك الانعكاس السلوكي فهي ليست موجودة وإن ادعى صاحبها وجودها.
(3) قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُون﴾. أي هذه النعم: نعمة اللباس والريش, ونعمة التقوى, من حجج الله وأدلته على خلقه, (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُون) فيعرفون نعمته تعالى عليهم ومدى عظمة هذه النعمة فيحافظون عليها ولا يفرطون بها, وإذا رأوا من سُلب هذه النعمة كان ذلك لهم عبرة وموعظة.
(1) في المدلول التربوي لعلاقة هذه الآية بما قبلها نقول: إنه تعالى لما ذكر ما وقع لآدم وحواء من انكشاف العورة وأنهما صارا يقطفان الأوراق لكي يستروا عوراتهم, أتبعه في هذه الآية بأن أمر الناس بستر العورات وذكرهم بنعمة الله في إنزال اللباس والريش عليهم لهذه المهمة. واعلم أنّ اللباس نعمة كبرى في هذه الحياة, وأنا أذكر لك هنا حادثتين من تجربتي الشخصية:
أما الحادثة الأولى: فعندما كنت طالبا في كلية الطب البشري ذهبنا في إحدى التدريبات لزيارة مشفى الأمراض العقلية, وقد جال بنا الأستاذ المشرف على كافة الأقسام حيث يوزع المرضى في مهاجع حسب أمراضهم, ثم دخل بنا إلى باحة يطل عليها بابان لمهجعين فيهم مرضى الفصام المزمن الذي يئس الطب من شفائه, ولما فتح البابين خرج منهما ما يقارب الستين رجلا من كل الأعمار عراة كما ولدتهم أمهاتهم مع أنّ الفصل شتاء, وقد كان منظرا تقشعر له الأبدان ملأ قلوب الطلاب بالرعب والاشمئزاز, فالمرضى أشبه بقطيع حيواني لا يعرف اللباس إلا رجلا واحدا كان يستر كتفيه ببطانية ويكشف جسده كسائر المرضى, ولما ناقشنا موضوع تقديم اللباس للمرضى مع المشرفين على المشفى قالوا: إنا نقدم لهم اللباس عدة مرات في السنة ولكنهم يمزقون اللباس ويعيشون هكذا وفي شدة البرد, مما يتسبب بوفاة بعضهم في كل عام، وأذكر يومها في طريق عودتي إلى البيت أني كنت أتذكر هذه الآية من سورة الأعراف وأحس بنعمة الله على الإنسان في اللباس وفي العقل.
وأما الحادثة الثانية فهي أنني حينما مررت بمدينة ميونخ في ألمانيا كي أعود إلى سورية وكان لدي متسع من الوقت قبل إقلاع الطائرة فرحت أتجول في المدينة مع صديق لي من أهل تلك البلاد, ومررنا بحديقة مجاورة للجامعة يقال لها الحديقة الإنكليزية، رأيت منظرا شبيها بذلك المنظر الذي رأيته في مشفى الأمراض العقلية في سورية، مجموعات من الناس يتنزهون في الحديقة ذكورا وإناثا، أغلبهم عراة كما ولدتهم أمهاتهم، ولكن هؤلاء ليسوا مجانين بل عقلاء!! وحين سألت صديقي الألماني: لماذا يتعرى هؤلاء؟ فقال: إنهم يعرضون أجسامهم للشمس من قبيل الرياضة, فقلت: وما المانع أن يعرضوا أجسامهم للشمس ويتركوا عوراتهم مستورة؟ فقال: لابد من تعريضها للشمس فذلك أصح من الناحية الطبية لأنها تصاب بالتعفن والإنتان, قلت: هذه المنطقة لا زالت مستورة عندنا منذ آلاف السنين ومع ذلك لم تصب بتعفن أو إنتان أو أعطاب, فانظر رحمك الله إلى ما يقوله هؤلاء العقلاء!!.
(2) قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر﴾. فيه تربية على التلازم بين اللباس المادي واللباس المعنوي, فاللباس يستر الجسد, والتقوى تستر القلوب والأمراض القلبية، وكما عري الجسد قبيح فكذلك العري المعنوي من خوف الله قبيح, وكما الفجور في كشف العورات فكذلك الفجور في إعلان المعاصي وترك الطاعات. وفيه تربية على أنّ التقوى ليست مجرد فكرة تقبع في الرؤوس ولا مجرد كلمة تنطق باللسان بل هي لباس يسربل الأجسام وحالة مادية يعيشها الإنسان, وإن كان للتقوى جانب قلبي يملأ القلب فإنّ لها جانبها المادي العملي الحركي الذي يعبر كما تكنه النفوس وما تحمله القلوب, فالتقوى كالخوف والفرح والحزن حالة نفسية لها انعكاسها السلوكي وما لم يحصل ذلك الانعكاس السلوكي فهي ليست موجودة وإن ادعى صاحبها وجودها.
(3) قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُون﴾. أي هذه النعم: نعمة اللباس والريش, ونعمة التقوى, من حجج الله وأدلته على خلقه, (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُون) فيعرفون نعمته تعالى عليهم ومدى عظمة هذه النعمة فيحافظون عليها ولا يفرطون بها, وإذا رأوا من سُلب هذه النعمة كان ذلك لهم عبرة وموعظة.