إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ مَفَازًا 31 حَدَآئِقَ وَأَعۡنَٰبٗا 32 وَكَوَاعِبَ أَتۡرَابٗا 33 وَكَأۡسٗا دِهَاقٗا 34 لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا كِذَّٰبٗا 35 جَزَآءٗ مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَابٗا 36 رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلرَّحۡمَٰنِۖ لَا يَمۡلِكُونَ مِنۡهُ خِطَابٗا 37 يَوۡمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ صَفّٗاۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَقَالَ صَوَابٗا 38 ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ مَـَٔابًا 39 إِنَّآ أَنذَرۡنَٰكُمۡ عَذَابٗا قَرِيبٗا يَوۡمَ يَنظُرُ ٱلۡمَرۡءُ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلۡكَافِرُ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ تُرَٰبَۢا 40 سورة النازعاتبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِوَٱلنَّٰزِعَٰتِ غَرۡقٗا 1 وَٱلنَّٰشِطَٰتِ نَشۡطٗا 2 وَٱلسَّٰبِحَٰتِ سَبۡحٗا 3 فَٱلسَّٰبِقَٰتِ سَبۡقٗا 4 فَٱلۡمُدَبِّرَٰتِ أَمۡرٗا 5 يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ 6 تَتۡبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ 7 قُلُوبٞ يَوۡمَئِذٖ وَاجِفَةٌ 8 أَبۡصَٰرُهَا خَٰشِعَةٞ 9 يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرۡدُودُونَ فِي ٱلۡحَافِرَةِ 10 أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا نَّخِرَةٗ 11 قَالُواْ تِلۡكَ إِذٗا كَرَّةٌ خَاسِرَةٞ 12 فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ 13 فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ 14 هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ 15 إِذۡ نَادَىٰهُ رَبُّهُۥ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوًى 16
الصفحة 583

تفسير سورة النازعات - الآية 1

وَٱلنَّٰزِعَٰتِ غَرۡقࣰا 1

التفسير التربوي لسورة النازعاتقال القرطبي في التفسير: «سورة النازعات: مكية بإجماع. وهي خمس أو ست وأربعون آية».
وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «لما ذكر سبحانه يوم يقوم الروح ويتمنى الكافر العدم في آخر السورة السابقة، أقسم أول هذه السورة بنزع الأرواح على الوجه الذي ذكره بأيدي الملائكة عليهم السلام على ما يتأثر عنه من البعث، وساقه على وجه التأكيد بالقسم لأنهم به مكذبون فقال تعالى: (والنازعات غرقا. والناشطات نشطا».
وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة نموذج من نماذج هذا الجزء لإشعار القلب البشري حقيقة الآخرة، بهولها وضخامتها، وجديتها وأصالتها، في التقدير الإلهي لنشأة هذا العالم الإنساني، والتدبير العلوي لمراحل هذه النشأة وخطواتها على ظهر الأرض وفي جوفها، ثم في الدار الآخرة، التي تمثل نهاية هذه النشأة وعقباها. وفي الطريق إلى إشعار القلب البشري حقيقة الآخرة الهائلة الضخمة العظيمة الكبيرة يوقع السياق إيقاعات منوعة على أوتار القلب، ويلمسه لمسات شتى حول تلك الحقيقة الكبرى، وهي إيقاعات ولمسات تمت إليها بصلة، فتلك الحقيقة تمهد لها في الحس وتهيئه لاستقبالها في يقظة وفي حساسية».
﴿والنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى فَكَذَّبَ وَعَصَى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاها﴾ [النازعات: 1-46]
(1ـ 5) قوله تعالى: (والنازعات غرقا. والناشطات نشطا. والسابحات سبحا. فالسابقات سبقا. فالمدبرات أمرا). قال ابن عاشور في المدلول التربوي للقسم في مطلع هذه السورة: ابتدأت بالقسم بمخلوقات ذات صفات عظيمة قَسما مرادا منه تحقيقُ ما بعده من الخبر، وفي هذا القسَم تهويل المقسم به. وهذه الأمور الخمسة المقسم بها جُموع جرى لفظها على صيغة الجمع بألف وتاء لأنها في تأويل جماعات تتحقق فيها الصفات المجموعة، فهي جماعات، نازعات، ناشطات، سابحات، سابقات، مدبِّرات، فتلك صفات لموصوفات محذوفة تدلّ عليها الأوصاف الصالحة لها. فيجوز أن تكون صفات لموصوفات من نوع واحد له أصناف تميزها تلك الصفات، ويجوز أن تكون صفات لموصوفات مختلفة الأنواع بأن تكون كل صفة خاصيَّة من خواص نوع من الموجودات العظيمة قوامُه بتلك الصفة. والذي يقتضيه غالب الاستعمال أن المتعاطفات بالواو صفات مستقلة لموصوفات مختلفة أنواع أو أصناف، أو لموصوف واحد له أحوال متعددة، وأن المعطوفات بالفاء صفات متفرعة عن الوصف الذي عُطفت عليه بالفاء، فهي صفات متعددة متفرع بعضها عن بعض لموصوف واحد فيكون قَسما بتلك الأحوال العظيمة باعتبار موصوفاتها. والقسم على هذا الوجه مناسب للغرض الأهم من السورة وهو إثبات البعث لأن الموت أول منازل الآخرة فهذا من براعة الاستهلال. وهذا الغموض في المطلع يثير شيئا من الحدس والرهبة والتوجس، كأنما تنقطع به الأنفاس من الذعر والارتجاف والمفاجأة والانبهار. فقوله تعالى (والنازعات غرقا) يعني: الملائكة التي تنزع أرواح الكافرين نزعا بشدة وعنف. (والناشطات نشطا) يعني: الملائكة تنشط أرواح المؤمنين نشطا برفق ولين. (والسابحات سبحا) يعني: الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر الله، وقيل: الملائكة تسبح في نزولها وصعودها بأمر الله. (فالسابقات سبقا) يعني: الملائكة تسبق بالوحي إلى الأنبياء عليهم السلام، وقيل: الملائكة تسبق بني آدم بالخير والعمل الصالح، وقيل: تسبق بني آدم إلى العمل الصالح فتكتبه. (فالمدبرات أمرا) يعني: الملائكة تنزل بتدبير أحوال الأرض كالرياح والأمطار والأرواح وغير ذلك من عند الله، فنسب التدبير إليها لقيامها به كما قال تعالى: فإنه نزله على قلبك) [البقرة: 97] يعني: جبريل نزله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، والله عز وجل هو الذي أنزله. ومن أول السورة إلى هنا قسم أقسم الله به، ولله أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لنا ذلك إلا به عز وجل.
(6ـ 14) قوله تعالى: (يوم ترجف الراجفة. تتبعها الرادفة. قلوب يومئذ واجفة. أبصارها خاشعة. يقولون أإنا لمردودون في الحافرة. أإذا كنا عظاما نخرة. قالوا تلك إذا كرة خاسرة. فإنما هي زجرة واحدة. فإذا هم بالساهرة). وهنا يأتي جواب القسم وهو تأكيد البعث والقيامة من خلال عرض مشاهدها الأولى وما يحصل للمكذبين بالبعث من التساؤل حول ما يحصل فيه. والمشهد الأول من مشاهد ذلك اليوم ظله من ظل ذلك المطلع وطابعه من طابعه؛ كأنما المطلع إطار له وغلاف يدل عليه. فقوله تعالى: ﴿يوم ترجف الراجفة﴾ يعني: تضطرب المطربة وهي النفخة الأولى فلا يبقى حي إلا مات. (تتبعها الرادفة) يعني: تليها التالية وهي النفخة الثانية فلا يبقى ميت إلا بعث. وقيل: بينهما أربعون سنة. ﴿قلوب يومئذ واجفة﴾ يعني: خائفة وجلة، وقيل: زائلة عن أماكنها، وأصل الإيجاف هو حمل الدابة على السير السريع. (أبصارها خاشعة) يعني: منكسرة ذليلة من هول ما ترى. ﴿يقولون أئنا لمردودون في الحافرة﴾ يعني: يقول هؤلاء المكذبون المنكرون للبعث، إذا قيل لهم إنكم تبعثون: أنرد بعد موتنا إلى أول الأمر، فنعود أحياء كما كنا قبل الموت؟! وقولهم هذا على سبيل التعجيب والإنكار، والحافرة: هي الأرض التي تحفر فيها قبورهم. ﴿أئذا كنا عظاما نخرة﴾ يعني: بالية متفتتة. ﴿قالوا تلك إذا كرة خاسرة﴾ يعني: رجعة خائبة على من كذب بها. ﴿فإنما هي زجرة واحدة﴾ يعني: نفخة واحدة وهي الثانية، فذكر جل ثناؤه سهولة البعث عليه. (فإذا هم) يعني: الخلائق أجمعين (بالساهرة) يعني: على وجه الأرض بعد أن كانوا في بطنها، والعرب تسمى الفلاة ووجه الأرض ساهرة، بمعنى ذات سهر، لأنه يسهر فيها خوفا منها، فوصفها بصفة ما فيها.
(15ـ 26) قوله تعالى: (هل أتاك حديث موسى. إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى. اذهب إلى فرعون إنه طغى. فقل هل لك إلى أن تزكَّى. وأهديك إلى ربك فتخشى. فأراه الآية الكبرى. فكذب وعصى. ثم أدبر يسعى. فحشر فنادى. فقال أنا ربكم الأعلى. فأخذه الله نكال الآخرة والأولى. إن في ذلك لعبرة لمن يخشى). ومن مشاهد القيامة إلى صفحة من صفحات التاريخ حيث قصة موسى عليه السلام مع فرعون بشكل وجيز. فكأنه تعالى يقول للناس: من يرفض الاعتبار بالمستقبل لعدم وقوعه بعد فليعتبر بالتاريخ فإنه قد حصل ومضى ومن السهل التأكد من وقوعه والوصول إلى عبرته. فإن لم يكن في مصارع المكذبين العتاة عبرة للناس فبماذا يعتبر الناس؟ وما هي الفائدة من قراءة التاريخ؟. واعلم أن وجه المناسبة بين هذه القصة وبين ما قبلها هو أنه تعالى حكى عن الكفار إصرارهم على إنكار البعث حتى انتهوا في ذلك الإنكار إلى حد الاستهزاء، وكان ذلك يشق على محمد صلى الله عليه وسلم، فذكر قصة موسى عليه السلام، وبين أنه تحمل المشقة الكثيرة في دعوة فرعون ليكون ذلك كالتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم. ومع أن فرعون كان أقوى من كفار قريش وأكثر جمعا وأشد شوكة، فلما تمرد على موسى أخذه الله نكال الآخرة والأولى، فكذلك هؤلاء المشركون في تمردهم عليك إن أصروا أخذهم الله وجعلهم نكالا. فقوله تعالى: (هل أتاك) يعني: قد جاءك وبلغك (حديث موسى) يعني: قصة نبوته في بني إسرائيل وإرساله إلى فرعون وقومه. (إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى) يعني: حين نزل عليه الوحي من الله تعالى بالوادي المعروف باسم طوى. ﴿اذهب إلى فرعون﴾ يعني: أمره تعالى بالذهاب إلى فرعون (إنه طغى) يعني: جاوز الحد في الكفر والظلم والعصيان. ﴿فقل هل لك إلى أن تزكى﴾ يعني: تطهر نفسك من الكفر بالإيمان ومن الظلم بالعدل ومن العصيان بالطاعة، فهو مشتق من تزكية النفس بتهذيبها. ﴿وأهديك إلى ربك﴾ يعني: وأرشدك إلى طاعة ربك (فتخشى) يعني: فتخافه وتتقيه. ﴿فأراه الآية الكبرى﴾ يعني: العلامة العظمى، وهي المعجزة، وهي العصا واليد، وقيل: إشارة إلى جميع آياته ومعجزاته. (فكذب) يعني: كذب فرعون بالنبوة والمعجزة (وعصى) يعني: عصى فرعون الرب عز وجل. (ثم أدبر) يعني: ولى مدبرا معرضا عن الإيمان (يسعى) يعني: يعمل بالفساد في الأرض، وقيل: يعمل في نكاية موسى لإبطال معجزته. (فحشر) يعني: جمع أصحابه للدعم وجنوده للقتال والسحرة لإبطال المعجزة والناس للحضور (فنادى) يعني: تكلم بصوت عال. ﴿فقال أنا ربكم الأعلى﴾ يعني: لا رب لكم فوقي. ﴿فأخذه الله نكال الآخرة والأولى﴾ قيل: الأولى قوله: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص: 38] والآخرة قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: 24]. وقيل: (الآخرة) يوم القيامة (والأولى) في الدنيا، والمعنى: عاقبه مرتين. ﴿إن في ذلك لعبرة﴾ يعني: اعتبارا وعظة (لمن يخشى) يعني: يخاف الله عز وجل.
(27ـ 33) قوله تعالى: (أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها. رفع سمكها فسواها. وأغطش ليلها وأخرج ضحاها. والأرض بعد ذلك دحاها. أخرج منها ماءها ومرعاها. والجبال أرساها. متاعا لكم ولأنعامكم). ثم إنه تعالى لما ختم قصة موسى عليه السلام مع فرعون انتقل السياق من ساحة التاريخ إلى كتاب الكون المفتوح وآيات الله تعالى في الآفاق ومشاهد الكون الهائلة في السماء والأرض والماء والنبات، فهذه الآيات الكونية شاهدة بالقوة والتدبير والتقدير لله تعالى الذي أنشأ هذا الكون وقام بأمره في الدنيا والآخرة، وشاهدة على البعث بعد الموت. فقوله تعالى: ﴿أأنتم أشد خلقا﴾ يعني: أخلقكم بعد الموت أشد في تقديركم ﴿أم السماء بناها﴾ يعني: من قدر على بناء السماء قدر على الإعادة. ثم فسر بناء السماء فقال: (رفع سمكها) يعني: رفعها فوقكم كالبناء، وقيل: أعلى سقفها في الهواء (فسواها) يعني: خلقها خلقا مستويا، لا تفاوت فيه ولا شقوق ولا فطور. (وأغطش ليلها) يعني: جعله مظلما (وأخرج ضحاها) يعني: أبرز نهارها وضوءها. وأضاف الضحى إلى السماء كما أضاف إليها الليل، لأن فيها سبب الظلام والضياء وهو غروب الشمس وطلوعها. ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ يعني: بسطها بالنسبة إليكم فهي مبسوطة للناظرين، كما قال تعالى: (أفلا ينظرون) إلى قوله: ﴿وإلى الأرض كيف سطحت﴾ [الغاشية: 20]. وقيل: فسر دحاها بقوله: ﴿أخرج منها ماءها﴾ يعني: العيون المتفجرة بالماء (ومرعاها) يعني: النبات الذي يرعى. (والجبال أرساها) يعني: أثبتها في الأرض أوتادا لها. (متاعا لكم) يعني: منفعة لكم (ولأنعامكم) يعني: من الإبل والبقر والغنم.
(34ـ 41) قوله تعالى: (فإذا جاءت الطامة الكبرى. يوم يتذكر الإنسان ما سعى. وبُرِّزت الجحيم لمن يرى. فأما من طغى. وآثر الحياة الدنيا. فإن الجحيم هي المأوى. وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى). وبعد هذه التمهيدات المقربة وهذه اللمسات الموحية يجيء مشهد الطامة الكبرى، وما يصاحبها من جزاء على ما كان في الحياة الدنيا، جزاء يتحقق في مشاهد تتناسق صورها وظلالها مع الطامة الكبرى، فالجحيم تنتظر أصحاب الطغيان وأتباع الأهواء، والجنة تنتظر الذين يخافون الله ويتبعون شريعته. فقوله تعالى: ﴿فإذا جاءت الطامة الكبرى﴾ يعني: الداهية العظمى، وهي النفخة الثانية التي يكون معها البعث، وسميت القيامة بالطامة لأنها تطم على كل شيء، فتقلب ما سواها لعظم هولها. ﴿يوم يتذكر الإنسان ما سعى﴾ يعني: ما عمل من خير أو شر. (وبرزت الجحيم) يعني: أظهرت النار (لمن يرى) يعني: يراها تتلظى كل ذي بصر. ﴿فأما من طغى﴾ يعني: جاوز الحد في الكفر أو الظلم أو المعصية. ﴿وآثر الحياة الدنيا﴾ يعني: فضلها على الآخرة. ﴿فإن الجحيم هي المأوى﴾ يعني: فمأواه إلى النار. ﴿وأما من خاف مقام ربه﴾ يعني: حذر مقامه بين يدي ربه يوم الحساب ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾ يعني: زجرها عن المعاصي والمحارم. ﴿فإن الجنة هي المأوى﴾ يعني: فمنزله في الجنة. وقال العلماء: ترك الهوى مفتاح الجنة. وكان عبد الله بن مسعود يقول: أنتم في زمان يقود الحق الهوى، وسيأتي زمان يقود الهوى الحق، فنعوذ بالله من ذلك الزمان.
(42ـ 46) قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها. فيم أنت من ذكراها. إلى ربك منتهاها. إنما أنت منذر من يخشاها. كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾. واعلم أنه تعالى لما بين بالبرهان العقلي إمكان القيامة، ثم أخبر عن وقوعها، ثم ذكر أحوالها العامة، ثم ذكر أحوال الأشقياء والسعداء فيها، ذكر أن المشركين كانوا يسألون عن وقت الساعة استهزاءا بها واستعجالا بوقوعها على سبيل التكذيب بهذا الوقوع. وفي كل مرة يسأل الناس عن وقت الساعة يجيبهم القرآن عن صفاتها وأحوالها وضرورة التزود لها، وأما الوقت فلا يحدده لهم لأنهم لا يستفيدون من هذا التحديد. فقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها﴾ يعني: متى قيامها. قال ابن عباس: سأل مشركو مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم متى تكون الساعة استهزاء، فأنزل الله عز وجل الآية. وقال عروة بن الزبير في قوله تعالى: ﴿فيم أنت من ذكراها﴾؟ لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة، حتى نزلت هذه الآية: إلى ربك منتهاها) يعني: إليه ينتهي علمها فلا يعلم وقتها إلا هو. ﴿إنما أنت منذر من يخشاها﴾: يعني: مخوف من يخافها، وخص الإنذار بمن يخشى لأنهم المنتفعون به، وإن كان منذرا لكل مكلف. ﴿كأنهم يوم يرونها﴾ يعني: السائلين عنها والناس كلهم (لم يلبثوا) يعني: في الدنيا (إلا عشية) يعني: قدر عشية (أو ضحاها) يعني: قدر الضحى الذي يلي تلك العشية، والمراد تقليل مدة الدنيا. فلو عاش الإنسان مائة عام فإن هذه المدة بالنسبة ليوم الآخرة هي بقدر العشية أو الضحى. والحمد لله رب العالمين.
فهرس الكتاب