عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ 1
التفسير التربوي لسورة عبسقال القرطبي في التفسير: «سورة عبس: مكية في قول الجميع. وهي إحدى وأربعون آية».
وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «لما قصر سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على إنذاره من يخشى، وكان قد جاءه عبد الله بن أم مكتوم الأعمى رضي الله تعالى عنه، وكان من السابقين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حين مجيئه مشتغلا بدعاء ناس من صناديد قريش إلى الله تعالى، وقد وجد منهم نوع لين، فشرع عبد الله رضي الله عنه يسأله وهو لا يعلم ما هو فيه من الشغل، يسأله أن يقرئه ويعلمه مما عمله الله، فكره أن يقطع كلامه مع أولئك خوفا من أن يفوته منهم ما يرجوه من إسلامهم الذي يستتبع إسلام ناس كثير من أتباعهم، فكان يعرض عنه ويقبل عليهم، وتظهر الكراهة في وجهه، لاطفه سبحانه وتعالى بالعتاب عن التشاغل عن أهل ذلك بالتصدي لمن شأنه أن لا يخشى لافتتانه بزينة الحياة الدنيا وإقباله بكليته على ما يفنى».
وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة قوية المقاطع، ضخمة الحقائق، عميقة اللمسات، فريدة الصور والظلال والإيحاءات، موحية الإيقاعات الشعورية والموسيقية على السواء.. وإن استعراض مقاطع السورة وآياتها يسكب في الحس إيقاعات شديدة التأثير، فهي من القوة والعمق بحيث تفعل فعلها في القلب بمجرد لمسها له بذاتها».
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَة﴾ [عبس: 1-42]
(1ـ 16) قوله تعالى: (عبس وتولى. أن جاءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكى. أو يذكر فتنفعه الذكرى. أما من استغنى. فأنت له تصدى. وما عليك ألا يزكى. وأما من جاءك يسعى. وهو يخشى. فأنت عنه تلهى. كلا إنها تذكرة. فمن شاء ذكره. في صحف مكرمة. مرفوعة مطهرة. بأيدي سفرة. كرام بررة). يتولى المقطع الأول من السورة علاج حادث معين من حوادث السيرة حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم مشغولا بأمر جماعة من كبراء قريش يدعوهم إلى الإسلام حينما جاءه ابن أم مكتوم الرجل الأعمى الفقير وهو لا يعلم أنه مشغول بأمر القوم يطلب منه أن يعلمه مما علمه الله، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا وعبس وجهه وأعرض عنه، فنزل القرآن بصدر هذه السورة يعاتب الرسول صلى الله عليه وسلم عتاباً شديدان ويقرر حقيقة القيم في حياة الجماعة المسلمة في أسلوب قوي حاسم، كما يقرر حقيقة هذه الدعوة وطبيعتها. وفيه تربية على فضل أهل الدين وإن هانوا، وخسة أهل الدنيا وإن زانوا. واعلم أن في الأخبار عما فرط من رسول الله ثم الإقبال عليه بالخطاب دليل على زيادة الإنكار، فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول له حين يلقاه: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي. وفيه تربية على أن المؤمن قد يخطئ في تقدير مصلحته وأن الخيرة فيما اختاره الله له. وفيه تربية على أنه ما على المسلم إلا البلاغ وأن التوفيق إلى الهداية من الله تعالى. وفيه تربية على أن هذا القرآن قد بلغ في العظمة إلى هذا الحد العظيم، فأي حاجة به إلى أن يقبله هؤلاء الكفار، فسواء قبلوه أو لم يقبلوه فلا تلتفت إليهم ولا تشغل قلبك بهم، وإياك وأن تعرض عمن آمن به تطييبا لقلب أرباب الدنيا. فقوله تعالى: (عبس) يعني: كلح بوجهه (وتولى) يعني: أعرض بوجهه. (أن جاءه) يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم (الأعمى) يعني: الذي لا يبصر بعينيه، وهو ابن أم مكتوم. فروى أهل التفسير أجمع أن قوما من أشراف قريش كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد طمع في إسلامهم، فأقبل عبد الله بن أم مكتوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع عبد الله عليه كلامه، فأعرض عنه، ففيه نزلت هذه الآية. وقوله تعالى: (وما يدريك) يعني: وما يعلمك (لعله) يعني: ابن أم مكتوم (يزكى) يعني: يتطهر بما استدعى منك تعليمه إياه من القرآن والدين، بأن يزداد طهارة في دينه، وزوال ظلمة الجهل عنه. (أو يذكر) يعني: يتعظ بما تقول (فتنفعه الذكرى) يعني: العظة. ﴿أما من استغنى﴾ يعني: كان ذا ثروة وغنى، وقيل: لا رغبة له في الإيمان فهو مستغن عنه. ﴿فأنت له تصدى﴾ يعني: تعرض له وتصغي لكلامه. ﴿وما عليك ألا يزكى﴾ يعني: إن لم يهتد هذا الكافر ولم يؤمن، إنما أنت رسول وما عليك إلا البلاغ. ﴿وأما من جاءك يسعى﴾ يعني: يطلب العلم بالدين. (وهو يخشى) يعني: يخاف الله. ﴿فأنت عنه تلهى﴾ يعني: تعرض عنه بوجهك وتشتغل بغيره. (كلا) كلمة ردع وزجر، والمعنى: ليس الأمر كما تفعل مع الفريقين، فلا تفعل بعدها مثلها: من إقبالك على الكافر الغني، وإعراضك عن المؤمن الفقير، والذي جرى من النبي صلى الله عليه وسلم كان ترك الأولى، وقيل: (كلا) يعني: حقا (إنها) يعني: السورة أو آيات القرآن (تذكرة) يعني: موعظة وتبصرة للخلق. ﴿فمن شاء ذكره﴾ يعني: اتعظ بالقرآن. ثم أخبر عن جلالة القرآن فقال: ﴿في صحف مكرمة﴾ يعني: عند الله، وقيل: في الدين لما فيها من العلم والحكم. (مرفوعة) يعني: رفيعة القدر عند الله، وقيل: مرفوعة في السماء السابعة، وقيل: مرفوعة عن الشبه والتناقض (مطهرة) يعني: من كل دنس، وقيل: مصانة عن أن ينالها الكفار. (بأيدي سفرة) يعني: الملائكة الذين جعلهم الله سفراء بينه وبين رسله. (كرام) يعني: على ربهم (بررة) يعني: لم يتدنسوا بمعصية.
(17ـ 23) قوله تعالى: (قتل الإنسان ما أكفره. من أي شيء خلقه. من نطفة خلقه فقدره. ثم السبيل يسره. ثم أماته فأقبره. ثم إذا شاء أنشره. كلا لما يقض ما أمره). ويعالج المقطع الثاني جحود الإنسان وكفره الفاحش لربه، وهو يذكره بمصدر وجوده، وأصل نشأته، وتيسير حياته، وتولي ربه له في موته ونشره، ثم تقصيره بعد ذلك في أمره. واعلم أنه تعالى لما بدأ بذكر القصة المشتملة على ترفع صناديد قريش على فقراء المسلمين، عجب عباده المؤمنين من ذلك، فكأنه قيل: وأي سبب في هذا العجب والترفع مع من أوله نطفة قذرة وآخره، جيفة مذرة، وفيها بين الوقتين حمال عذرة، فلا جرم ذكر تعالى ما يصلح أن يكون علاجا لعجبهم، وما يصلح أن يكون علاجا لكفرهم، فإن خلقة الإنسان تصلح لأن يستدل بها على وجود الصانع، ولأن يستدل بها على القول بالبعث والحشر والنشر. فقوله تعالى: (قتل الإنسان) يعني: لعن الكافر (ما أكفره) يعني: ما أشد كفره على سبيل التعجيب، وقيل: ما الذي جعله يكفر بالله أو بالنبوة أو باليوم الآخر. ﴿من أي شيء خلقه﴾ يعني: من أي شيء خلق الله هذا الكافر حتى يتكبر، وقيل: فلينظر الكافر من أي شيء خلق. ﴿من نطفة خلقه﴾ يعني: من ماء يسير مهين خلقه الله تعالى (فقدره) يعني: سواه، فقدر يديه ورجليه وعينيه وسائر أعضائه، وحسنا ودميما، وقصيرا وطويلا، وشقيا وسعيدا، وقيل: قدر أيام بقائه في الرحم. ﴿ثم السبيل يسره﴾ يعني: يسره للخروج من بطن أمه، وقيل: يسره لطريق الخير والشر فبين له ذلك، وقيل: إن خروج الجنين من بطن أمه لمن أعجب العجائب، وقيل: كيف يتكبر من خرج من السبيلين: البول والتناسل. ﴿ثم أماته فأقبره﴾ يعني: جعل له قبرا يواري فيه إكراما، ولم يجعله مما يلقي على وجه الأرض تأكله الطير والسباع. ﴿ثم إذا شاء أنشره﴾ يعني: أحياه بعد موته. ﴿كلا لما يقض ما أمره﴾ يعني: لم يف بالميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم.
(24ـ 32) قوله تعالى: (فلينظر الإنسان إلى طعامه. أنا صببنا الماء صبا. ثم شققنا الأرض شقا. فأنبتنا فيها حبا. وعنبا وقضبا. وزيتونا ونخلا. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا. متاعا لكم ولأنعامكم). والمقطع الثالث يعالج توجيه القلب البشري إلى أمسّ الأشياء به وهو طعامه، وطعام حيوانه، وما وراء ذلك الطعام من تدبير الله وتقديره له، كتدبيره وتقديره في نشأته الأولى. واعلم أن عادة القرآن جارية بأنه كلما ذكر الدلائل الموجودة في الأنفس، فإنه يذكر عقيبها الدلائل الموجودة في الآفاق، فجرى هنا على تلك العادة وذكر دلائل الآفاق وبدأ بما يحتاج الإنسان إليه. وفي هذه الآيات ضرب الله تعالى مثلا لبعث الموتى من قبورهم، كنبات الزرع بعد دثوره، وفيها امتنان عليهم بما أنعم به. فقوله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه﴾ يعني: فلينظر كيف خلق الله طعامه، وهذا النظر نظر القلب بالفكر، أي ليتدبر كيف خلق الله طعامه الذي هو قوام حياته، وكيف هيأ له أسباب المعاش، ليستعد بها للمعاد. ﴿أنا صببنا الماء صبا﴾ يعني: المطر الكثير ينزل من السماء. ﴿ثم شققنا الأرض شقا﴾ يعني: بالنبات والأشجار. ﴿فأنبتنا فيها حبا﴾ يعني: قمحا وشعيرا وسائر ما يحصد. (وعنبا) يعني: الأعناب (وقضبا) وهو نوع من النبات سمي بذلك لأنه يقضب أي يقطع بعد ظهوره مرة بعد مرة، وقيل: القضب: اسم يقع على ما يقضب من أغصان الشجرة، ليتخذ منها سهام أو قسي. (وزيتونا) وهي شجرة الزيتون (ونخلا) وهي شجرة النخيل. (وحدائق) يعني: بساتين، وقيل: كل شئ أحيط عليه من نخيل أو شجر فهو حديقة، وما لم يحط عليه فليس بحديقة (غلبا) يعني: عظاما شجرها. (وفاكهة) يعني: ما تأكله الناس من ثمار الأشجار كالتين والخوخ وغيرهما (وأبا) يعني: ما تأكله البهائم من العشب، وقيل: الأب: كل ما أنبتت الأرض مما لا يأكله الناس، وأما الذي يأكله الآدميون فهو الحصيد، وقيل: إنما سمي أبا لأنه يؤب أي يؤم وينتجع. قال القرطبي: «وقال إبراهيم التيمي: سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن تفسير الفاكهة والأب؟ فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم. وقال أنس: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ هذه الآية ثم قال: كل هذا قد عرفناه، فما الأب؟ ثم رفع عصا كانت بيده وقال: هذا لعمر الله التكلف، وما عليك يا بن أم عمر ألا تدري ما الأب؟ ثم قال: اتبعوا ما بيّن لكم من هذا الكتاب، وما لا فدعوه». قلت: الفاكهة معروفة والأب معروف وأما تحديد النوع فهو من التكلف الذي يأباه عمر رضي الله عنه والذي يأباه كل مسلم، وهو من تضييق المعنى الذي يأباه المفسرون. ﴿متاعا لكم ولأنعامكم﴾ يعني: إنبات هذه الأشياء إمتاع للناس ولجميع الحيوانات.
(33ـ 42) قوله تعالى: (فإذا جاءت الصاخة. يوم يفر المرء من أخيه. وأمه وأبيه. وصاحبته وبنيه. لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. وجوه يومئذ مسفرة. ضاحكة مستبشرة. ووجوه يومئذ عليها غبرة. ترهقها قترة. أولئك هم الكفرة الفجرة). وأما المقطع الأخير فيتولى عرض (الصاخة) يوم تجيء بهولها، الذي يتجلى في لفظها، كما يتجلى بآثارها في القلب البشري الذي يذهل عما عداها. ولما كان من غير اللائق بالعاقل أن يتمرد عن طاعة الله وأن يتكبر على عبيد الله خاصة وأن الله أحسن إلى عبيده بهذه الأنواع العظيمة من الإحسان، أتبع هذه الحالة بما يكون مؤكدا لهذه الأغراض وهو شرح أهوال القيامة، فإن الإنسان إذا سمعها خاف، فيدعوه ذلك الخوف إلى التأمل في الدلائل والإيمان بها والإعراض عن الكفر، ويدعوه ذلك أيضا إلى ترك التكبر على الناس، وإلى إظهار التواضع إلى كل أحد. ولما ذكر أمر المعاش ذكر أمر المعاد، ليتزودوا له بالأعمال الصالحة وبالإنفاق مما أمتن به عليهم. فقوله تعالى: ﴿فإذا جاءت الصاخة﴾ يعني: الصيحة التي تكون عنها القيامة، وهي النفخة الثانية، وسميت بذلك لأنها تصخ الأسماع، أي تصمها فلا تسمع إلا ما يدعى به للإحياء، وأصل الكلمة في اللغة: الصك الشديد. ﴿يوم يفر المرء من أخيه﴾ يعني: يهرب. (وأمه وأبيه) وهما القرابة الأشد حميمية. (وصاحبته) يعني: زوجنه (وبنيه) يعني: أولاده. ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ يعني: يشغله عن غيره فيدفعه للهروب منهم. وقيل: إنما يفر حذرا من مطالبتهم إياه لما بينهم من التبعات. وقيل: لئلا يروا ما هو فيه من الشدة. وقيل: لعلمه أنهم لا ينفعونه ولا يغنون عنه شيئا. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا» قلت، يا رسول الله! الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «يا عائشة، الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض». وفي الترمذي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحشرون حفاة عراة غرلا» فقالت امرأة: أينظر بعضنا، أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: ﴿يا فلانة، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ (قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح). وقوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ مسفرة﴾ يعني: مشرقة مضيئة، قد علمت ما لها من الفوز والنعيم، وهي وجوه المؤمنين. (ضاحكة) يعني: مسرورة فرحة (مستبشرة) يعني: بما آتاها الله من الكرامة. ﴿ووجوه يومئذ عليها غبرة﴾ يعني: غبار ودخان. (ترهقها) يعني: تغشاها (قترة) يعني: كسوف وسواد، وقيل: ذلة وشدة، والقتر في كلام العرب: الغبار، جمع القترة، وقال زيد بن أسلم: القترة: ما ارتفعت إلى السماء، والغبرة: ما انحطت إلى الأرض، والغبار والغبرة: واحد. ﴿أولئك هم الكفرة﴾ جمع كافر (الفجرة) جمع فاجر، والفاجر: الفاسق، يقال فجر إذا فسق، وقيل: الكاذب، يقال فجر إذا كذب، وأصله: الميل، والفاجر: المائل. وقيل: الكفرة الفجرة يعني: الجاحدين المكذبين. والحمد لله رب العالمين.
وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «لما قصر سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على إنذاره من يخشى، وكان قد جاءه عبد الله بن أم مكتوم الأعمى رضي الله تعالى عنه، وكان من السابقين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حين مجيئه مشتغلا بدعاء ناس من صناديد قريش إلى الله تعالى، وقد وجد منهم نوع لين، فشرع عبد الله رضي الله عنه يسأله وهو لا يعلم ما هو فيه من الشغل، يسأله أن يقرئه ويعلمه مما عمله الله، فكره أن يقطع كلامه مع أولئك خوفا من أن يفوته منهم ما يرجوه من إسلامهم الذي يستتبع إسلام ناس كثير من أتباعهم، فكان يعرض عنه ويقبل عليهم، وتظهر الكراهة في وجهه، لاطفه سبحانه وتعالى بالعتاب عن التشاغل عن أهل ذلك بالتصدي لمن شأنه أن لا يخشى لافتتانه بزينة الحياة الدنيا وإقباله بكليته على ما يفنى».
وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة قوية المقاطع، ضخمة الحقائق، عميقة اللمسات، فريدة الصور والظلال والإيحاءات، موحية الإيقاعات الشعورية والموسيقية على السواء.. وإن استعراض مقاطع السورة وآياتها يسكب في الحس إيقاعات شديدة التأثير، فهي من القوة والعمق بحيث تفعل فعلها في القلب بمجرد لمسها له بذاتها».
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَة﴾ [عبس: 1-42]
(1ـ 16) قوله تعالى: (عبس وتولى. أن جاءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكى. أو يذكر فتنفعه الذكرى. أما من استغنى. فأنت له تصدى. وما عليك ألا يزكى. وأما من جاءك يسعى. وهو يخشى. فأنت عنه تلهى. كلا إنها تذكرة. فمن شاء ذكره. في صحف مكرمة. مرفوعة مطهرة. بأيدي سفرة. كرام بررة). يتولى المقطع الأول من السورة علاج حادث معين من حوادث السيرة حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم مشغولا بأمر جماعة من كبراء قريش يدعوهم إلى الإسلام حينما جاءه ابن أم مكتوم الرجل الأعمى الفقير وهو لا يعلم أنه مشغول بأمر القوم يطلب منه أن يعلمه مما علمه الله، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا وعبس وجهه وأعرض عنه، فنزل القرآن بصدر هذه السورة يعاتب الرسول صلى الله عليه وسلم عتاباً شديدان ويقرر حقيقة القيم في حياة الجماعة المسلمة في أسلوب قوي حاسم، كما يقرر حقيقة هذه الدعوة وطبيعتها. وفيه تربية على فضل أهل الدين وإن هانوا، وخسة أهل الدنيا وإن زانوا. واعلم أن في الأخبار عما فرط من رسول الله ثم الإقبال عليه بالخطاب دليل على زيادة الإنكار، فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول له حين يلقاه: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي. وفيه تربية على أن المؤمن قد يخطئ في تقدير مصلحته وأن الخيرة فيما اختاره الله له. وفيه تربية على أنه ما على المسلم إلا البلاغ وأن التوفيق إلى الهداية من الله تعالى. وفيه تربية على أن هذا القرآن قد بلغ في العظمة إلى هذا الحد العظيم، فأي حاجة به إلى أن يقبله هؤلاء الكفار، فسواء قبلوه أو لم يقبلوه فلا تلتفت إليهم ولا تشغل قلبك بهم، وإياك وأن تعرض عمن آمن به تطييبا لقلب أرباب الدنيا. فقوله تعالى: (عبس) يعني: كلح بوجهه (وتولى) يعني: أعرض بوجهه. (أن جاءه) يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم (الأعمى) يعني: الذي لا يبصر بعينيه، وهو ابن أم مكتوم. فروى أهل التفسير أجمع أن قوما من أشراف قريش كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد طمع في إسلامهم، فأقبل عبد الله بن أم مكتوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع عبد الله عليه كلامه، فأعرض عنه، ففيه نزلت هذه الآية. وقوله تعالى: (وما يدريك) يعني: وما يعلمك (لعله) يعني: ابن أم مكتوم (يزكى) يعني: يتطهر بما استدعى منك تعليمه إياه من القرآن والدين، بأن يزداد طهارة في دينه، وزوال ظلمة الجهل عنه. (أو يذكر) يعني: يتعظ بما تقول (فتنفعه الذكرى) يعني: العظة. ﴿أما من استغنى﴾ يعني: كان ذا ثروة وغنى، وقيل: لا رغبة له في الإيمان فهو مستغن عنه. ﴿فأنت له تصدى﴾ يعني: تعرض له وتصغي لكلامه. ﴿وما عليك ألا يزكى﴾ يعني: إن لم يهتد هذا الكافر ولم يؤمن، إنما أنت رسول وما عليك إلا البلاغ. ﴿وأما من جاءك يسعى﴾ يعني: يطلب العلم بالدين. (وهو يخشى) يعني: يخاف الله. ﴿فأنت عنه تلهى﴾ يعني: تعرض عنه بوجهك وتشتغل بغيره. (كلا) كلمة ردع وزجر، والمعنى: ليس الأمر كما تفعل مع الفريقين، فلا تفعل بعدها مثلها: من إقبالك على الكافر الغني، وإعراضك عن المؤمن الفقير، والذي جرى من النبي صلى الله عليه وسلم كان ترك الأولى، وقيل: (كلا) يعني: حقا (إنها) يعني: السورة أو آيات القرآن (تذكرة) يعني: موعظة وتبصرة للخلق. ﴿فمن شاء ذكره﴾ يعني: اتعظ بالقرآن. ثم أخبر عن جلالة القرآن فقال: ﴿في صحف مكرمة﴾ يعني: عند الله، وقيل: في الدين لما فيها من العلم والحكم. (مرفوعة) يعني: رفيعة القدر عند الله، وقيل: مرفوعة في السماء السابعة، وقيل: مرفوعة عن الشبه والتناقض (مطهرة) يعني: من كل دنس، وقيل: مصانة عن أن ينالها الكفار. (بأيدي سفرة) يعني: الملائكة الذين جعلهم الله سفراء بينه وبين رسله. (كرام) يعني: على ربهم (بررة) يعني: لم يتدنسوا بمعصية.
(17ـ 23) قوله تعالى: (قتل الإنسان ما أكفره. من أي شيء خلقه. من نطفة خلقه فقدره. ثم السبيل يسره. ثم أماته فأقبره. ثم إذا شاء أنشره. كلا لما يقض ما أمره). ويعالج المقطع الثاني جحود الإنسان وكفره الفاحش لربه، وهو يذكره بمصدر وجوده، وأصل نشأته، وتيسير حياته، وتولي ربه له في موته ونشره، ثم تقصيره بعد ذلك في أمره. واعلم أنه تعالى لما بدأ بذكر القصة المشتملة على ترفع صناديد قريش على فقراء المسلمين، عجب عباده المؤمنين من ذلك، فكأنه قيل: وأي سبب في هذا العجب والترفع مع من أوله نطفة قذرة وآخره، جيفة مذرة، وفيها بين الوقتين حمال عذرة، فلا جرم ذكر تعالى ما يصلح أن يكون علاجا لعجبهم، وما يصلح أن يكون علاجا لكفرهم، فإن خلقة الإنسان تصلح لأن يستدل بها على وجود الصانع، ولأن يستدل بها على القول بالبعث والحشر والنشر. فقوله تعالى: (قتل الإنسان) يعني: لعن الكافر (ما أكفره) يعني: ما أشد كفره على سبيل التعجيب، وقيل: ما الذي جعله يكفر بالله أو بالنبوة أو باليوم الآخر. ﴿من أي شيء خلقه﴾ يعني: من أي شيء خلق الله هذا الكافر حتى يتكبر، وقيل: فلينظر الكافر من أي شيء خلق. ﴿من نطفة خلقه﴾ يعني: من ماء يسير مهين خلقه الله تعالى (فقدره) يعني: سواه، فقدر يديه ورجليه وعينيه وسائر أعضائه، وحسنا ودميما، وقصيرا وطويلا، وشقيا وسعيدا، وقيل: قدر أيام بقائه في الرحم. ﴿ثم السبيل يسره﴾ يعني: يسره للخروج من بطن أمه، وقيل: يسره لطريق الخير والشر فبين له ذلك، وقيل: إن خروج الجنين من بطن أمه لمن أعجب العجائب، وقيل: كيف يتكبر من خرج من السبيلين: البول والتناسل. ﴿ثم أماته فأقبره﴾ يعني: جعل له قبرا يواري فيه إكراما، ولم يجعله مما يلقي على وجه الأرض تأكله الطير والسباع. ﴿ثم إذا شاء أنشره﴾ يعني: أحياه بعد موته. ﴿كلا لما يقض ما أمره﴾ يعني: لم يف بالميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم.
(24ـ 32) قوله تعالى: (فلينظر الإنسان إلى طعامه. أنا صببنا الماء صبا. ثم شققنا الأرض شقا. فأنبتنا فيها حبا. وعنبا وقضبا. وزيتونا ونخلا. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا. متاعا لكم ولأنعامكم). والمقطع الثالث يعالج توجيه القلب البشري إلى أمسّ الأشياء به وهو طعامه، وطعام حيوانه، وما وراء ذلك الطعام من تدبير الله وتقديره له، كتدبيره وتقديره في نشأته الأولى. واعلم أن عادة القرآن جارية بأنه كلما ذكر الدلائل الموجودة في الأنفس، فإنه يذكر عقيبها الدلائل الموجودة في الآفاق، فجرى هنا على تلك العادة وذكر دلائل الآفاق وبدأ بما يحتاج الإنسان إليه. وفي هذه الآيات ضرب الله تعالى مثلا لبعث الموتى من قبورهم، كنبات الزرع بعد دثوره، وفيها امتنان عليهم بما أنعم به. فقوله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه﴾ يعني: فلينظر كيف خلق الله طعامه، وهذا النظر نظر القلب بالفكر، أي ليتدبر كيف خلق الله طعامه الذي هو قوام حياته، وكيف هيأ له أسباب المعاش، ليستعد بها للمعاد. ﴿أنا صببنا الماء صبا﴾ يعني: المطر الكثير ينزل من السماء. ﴿ثم شققنا الأرض شقا﴾ يعني: بالنبات والأشجار. ﴿فأنبتنا فيها حبا﴾ يعني: قمحا وشعيرا وسائر ما يحصد. (وعنبا) يعني: الأعناب (وقضبا) وهو نوع من النبات سمي بذلك لأنه يقضب أي يقطع بعد ظهوره مرة بعد مرة، وقيل: القضب: اسم يقع على ما يقضب من أغصان الشجرة، ليتخذ منها سهام أو قسي. (وزيتونا) وهي شجرة الزيتون (ونخلا) وهي شجرة النخيل. (وحدائق) يعني: بساتين، وقيل: كل شئ أحيط عليه من نخيل أو شجر فهو حديقة، وما لم يحط عليه فليس بحديقة (غلبا) يعني: عظاما شجرها. (وفاكهة) يعني: ما تأكله الناس من ثمار الأشجار كالتين والخوخ وغيرهما (وأبا) يعني: ما تأكله البهائم من العشب، وقيل: الأب: كل ما أنبتت الأرض مما لا يأكله الناس، وأما الذي يأكله الآدميون فهو الحصيد، وقيل: إنما سمي أبا لأنه يؤب أي يؤم وينتجع. قال القرطبي: «وقال إبراهيم التيمي: سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن تفسير الفاكهة والأب؟ فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم. وقال أنس: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ هذه الآية ثم قال: كل هذا قد عرفناه، فما الأب؟ ثم رفع عصا كانت بيده وقال: هذا لعمر الله التكلف، وما عليك يا بن أم عمر ألا تدري ما الأب؟ ثم قال: اتبعوا ما بيّن لكم من هذا الكتاب، وما لا فدعوه». قلت: الفاكهة معروفة والأب معروف وأما تحديد النوع فهو من التكلف الذي يأباه عمر رضي الله عنه والذي يأباه كل مسلم، وهو من تضييق المعنى الذي يأباه المفسرون. ﴿متاعا لكم ولأنعامكم﴾ يعني: إنبات هذه الأشياء إمتاع للناس ولجميع الحيوانات.
(33ـ 42) قوله تعالى: (فإذا جاءت الصاخة. يوم يفر المرء من أخيه. وأمه وأبيه. وصاحبته وبنيه. لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. وجوه يومئذ مسفرة. ضاحكة مستبشرة. ووجوه يومئذ عليها غبرة. ترهقها قترة. أولئك هم الكفرة الفجرة). وأما المقطع الأخير فيتولى عرض (الصاخة) يوم تجيء بهولها، الذي يتجلى في لفظها، كما يتجلى بآثارها في القلب البشري الذي يذهل عما عداها. ولما كان من غير اللائق بالعاقل أن يتمرد عن طاعة الله وأن يتكبر على عبيد الله خاصة وأن الله أحسن إلى عبيده بهذه الأنواع العظيمة من الإحسان، أتبع هذه الحالة بما يكون مؤكدا لهذه الأغراض وهو شرح أهوال القيامة، فإن الإنسان إذا سمعها خاف، فيدعوه ذلك الخوف إلى التأمل في الدلائل والإيمان بها والإعراض عن الكفر، ويدعوه ذلك أيضا إلى ترك التكبر على الناس، وإلى إظهار التواضع إلى كل أحد. ولما ذكر أمر المعاش ذكر أمر المعاد، ليتزودوا له بالأعمال الصالحة وبالإنفاق مما أمتن به عليهم. فقوله تعالى: ﴿فإذا جاءت الصاخة﴾ يعني: الصيحة التي تكون عنها القيامة، وهي النفخة الثانية، وسميت بذلك لأنها تصخ الأسماع، أي تصمها فلا تسمع إلا ما يدعى به للإحياء، وأصل الكلمة في اللغة: الصك الشديد. ﴿يوم يفر المرء من أخيه﴾ يعني: يهرب. (وأمه وأبيه) وهما القرابة الأشد حميمية. (وصاحبته) يعني: زوجنه (وبنيه) يعني: أولاده. ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ يعني: يشغله عن غيره فيدفعه للهروب منهم. وقيل: إنما يفر حذرا من مطالبتهم إياه لما بينهم من التبعات. وقيل: لئلا يروا ما هو فيه من الشدة. وقيل: لعلمه أنهم لا ينفعونه ولا يغنون عنه شيئا. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا» قلت، يا رسول الله! الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «يا عائشة، الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض». وفي الترمذي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحشرون حفاة عراة غرلا» فقالت امرأة: أينظر بعضنا، أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: ﴿يا فلانة، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ (قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح). وقوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ مسفرة﴾ يعني: مشرقة مضيئة، قد علمت ما لها من الفوز والنعيم، وهي وجوه المؤمنين. (ضاحكة) يعني: مسرورة فرحة (مستبشرة) يعني: بما آتاها الله من الكرامة. ﴿ووجوه يومئذ عليها غبرة﴾ يعني: غبار ودخان. (ترهقها) يعني: تغشاها (قترة) يعني: كسوف وسواد، وقيل: ذلة وشدة، والقتر في كلام العرب: الغبار، جمع القترة، وقال زيد بن أسلم: القترة: ما ارتفعت إلى السماء، والغبرة: ما انحطت إلى الأرض، والغبار والغبرة: واحد. ﴿أولئك هم الكفرة﴾ جمع كافر (الفجرة) جمع فاجر، والفاجر: الفاسق، يقال فجر إذا فسق، وقيل: الكاذب، يقال فجر إذا كذب، وأصله: الميل، والفاجر: المائل. وقيل: الكفرة الفجرة يعني: الجاحدين المكذبين. والحمد لله رب العالمين.