تَرۡهَقُهَا قَتَرَةٌ 41 أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَفَرَةُ ٱلۡفَجَرَةُ 42 سورة التكويربِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِإِذَا ٱلشَّمۡسُ كُوِّرَتۡ 1 وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتۡ 2 وَإِذَا ٱلۡجِبَالُ سُيِّرَتۡ 3 وَإِذَا ٱلۡعِشَارُ عُطِّلَتۡ 4 وَإِذَا ٱلۡوُحُوشُ حُشِرَتۡ 5 وَإِذَا ٱلۡبِحَارُ سُجِّرَتۡ 6 وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتۡ 7 وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ 8 بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ 9 وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتۡ 10 وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتۡ 11 وَإِذَا ٱلۡجَحِيمُ سُعِّرَتۡ 12 وَإِذَا ٱلۡجَنَّةُ أُزۡلِفَتۡ 13 عَلِمَتۡ نَفۡسٞ مَّآ أَحۡضَرَتۡ 14 فَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلۡخُنَّسِ 15 ٱلۡجَوَارِ ٱلۡكُنَّسِ 16 وَٱلَّيۡلِ إِذَا عَسۡعَسَ 17 وَٱلصُّبۡحِ إِذَا تَنَفَّسَ 18 إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ 19 ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلۡعَرۡشِ مَكِينٖ 20 مُّطَاعٖ ثَمَّ أَمِينٖ 21 وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجۡنُونٖ 22 وَلَقَدۡ رَءَاهُ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡمُبِينِ 23 وَمَا هُوَ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ بِضَنِينٖ 24 وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٖ 25 فَأَيۡنَ تَذۡهَبُونَ 26 إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ 27 لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ 28 وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 29
الصفحة 586

تفسير سورة التكوير - الآية 1

إِذَا ٱلشَّمۡسُ كُوِّرَتۡ 1

التفسير التربوي لسورة التكويرقال القرطبي في التفسير: «سورة التكوير: مكية في قول الجميع. وهي تسع وعشرون آية. وفي الترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سره أن ينظر إلي يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت) (قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب».
وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «لما ختم سورة عبس بوعيد الكفرة الفجرة بيوم الصاخة لجحودهم بما لهذا القرآن من التذكرة، ابتدأ هذه بإتمام ذلك، فصور ذلك اليوم بما يكون فيه من الأمور الهائلة من عالم الملك والملكوت حتى كأنه رأي العين كما رواه الإمام أحمد والترمذي والطبراني وغيرهم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم برجال ثقات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة رأي العين فليقرأ: إذا الشمس كورت».
وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة ذات مقطعين اثنين تعالج في كل مقطع منهما تقرير حقيقة ضخمة من حقائق العقيدة: الأولى حقيقة القيامة، وما يصاحبها من انقلاب كوني هائل كامل، يشمل الشمس والنجوم والجبال والبحار، والأرض والسماء، والأنعام والوحوش، كما يشمل بني الإنسان. والثانية حقيقة الوحي، وما يتعلق بها من صفة الملك الذي يحمله، وصفة النبي الذي يتلقاه، ثم شأن القوم المخاطبين بهذا الوحي معه، ومع المشيئة الكبرى التي فطرتهم ونزلت لهم الوحي. والإيقاع العام للسورة بحركة جائحة، تنطلق من عقالها، فتقلب كل شيء، وتنثر كل شيء، وتهيج الساكن وتروع الآمن، وتذهب بكل مألوف وتبدل كل معهود، وتهز النفس البشرية هزا عنيفا طويلا، يخلعها من كل ما اعتادت أن تسكن إليه، وتتشبث به، فإذا هي في عاصفة الهول المدمر الجارف ريشة لا وزن لها ولا قرار، ولا ملاذ لها ولا ملجأ إلا في حمى الواحد القهار، الذي له وحده البقاء والدوام، وعنده وحده القرار والاطمئنان. ومن ثم فالسورة بإيقاعها العام وحده تخلع النفس من كل ما تطمئن إليه وتركن، لتلوذ بكنف الله، وتأوي إلى حماه، وتطلب عنده الأمن والطمأنينة والقرار. وفي السورة مع هذا ثروة ضخمة من المشاهد الرائعة، سواء في هذا الكون الرائع الذي نراه، أو في ذلك اليوم الآخر الذي ينقلب فيه الكون بكل ما نعهده فيه من أوضاع، وثروة كذلك من التعبيرات الأنيقة! المنتقاة لتلوين المشاهد والإيقاعات. وتلتقي هذه وتلك في حيز السورة الضيق، فتضغط على الحس وتنفذ إليه في قوة وإيحاء. ولولا أن في التعبير ألفاظا وعبارات لم تعد مألوفة ولا واضحة للقارئ في هذا الزمان، لآثرت ترك السورة تؤدي بإيقاعها وصورها وظلالها وحقائقها ومشاهدها ما لا تؤديه أية ترجمة لها في لغة البشر، وتصل بذاتها إلى أوتار القلوب فتهزها من الأعماق. ولكن لا بد مما ليس منه بد، وقد بعدنا في زماننا هذا عن مألوف لغة القرآن!».
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ [التكوير: 1-29]
(1ـ 14) قوله تعالى: (إذا الشمس كورت. وإذا النجوم انكدرت. وإذا الجبال سيرت. وإذا العشار عطلت. وإذا الوحوش حشرت. وإذا البحار سجرت. وإذا النفوس زوجت. وإذا الموؤدة سئلت. بأي ذنب قتلت. وإذا الصحف نشرت. وإذا السماء كشطت. وإذا الجحيم سعرت. وإذا الجنة أزلفت. علمت نفس ما أحضرت). هذا هو مشهد الانقلاب التام لكل معهود، والثورة الشاملة لكل موجود، الانقلاب الذي يشمل الأجرام السماوية والأرضية، والوحوش النافرة، والأنعام الأليفة، ونفوس البشر، وأوضاع الأمور. حيث ينكشف كل مستور، ويظهر كل مجهول، وتقف النفس أمام ما أحضرت من الرصيد والزاد في موقف الفصل والحساب، وكل شيء من حولها عاصف، وكل شيء من حولها مقلوب! وهذه الأحداث الكونية الضخام تشير بجملتها إلى أن هذا الكون الذي نعرفه، الكون المنسق الجميل، الموزون الحركة، المضبوط النسبة، المتين الصنعة، سينفرط عقد نظامه، وتتناثر أجزاؤه، وينتهي إلى أجله المقدر، حيث تنتهي الخلائق إلى صورة أخرى من الكون ومن الحياة ومن الحقائق غير معهودة ولا معروفة. وخوطب العرب بأمر العشار لأن أكثر مالهم وعيشهم من الإبل، والغرض من ذلك ذهاب الأموال وبطلان الأملاك واشتغال الناس بأنفسهم. وأما سؤال الموؤدة فهو تبكيت وتوبيخ لقاتلها. واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأمور الاثني عشر ذكر الجزاء المترتب عليها وهو الحساب على العمل واستحقاق الجنة أو النار بناء على الأعمال. فقوله تعالى: ﴿إذا الشمس كورت﴾ يعني: لففت وذهب ضوءها، وأصل التكوير: الجمع، مأخوذ من كار العمامة على رأسه يكورها أي جمعها فهي تكور ويمحى ضوءها. ﴿وإذا النجوم انكدرت﴾ يعني: تساقطت وتناثرت، وقيل: طمست آثارها، وسميت النجوم نجوما لظهورها في السماء بضوئها. ﴿وإذا الجبال سيرت﴾ يعني: قلعت من الأرض وسيرت في الهواء، وقيل: سيرها تحولها عن منزلة الحجارة، فتكون كثيبا مهيلا أي رملا سائلا، وتكون كالعهن، وتكون هباء منثورا، وتكون سرابا. ﴿وإذا العشار عطلت﴾ يعني: النوق الحوامل التي في بطونها أولادها، وسميت عشارا لأنها تحمل لعشرة أشهر، ومعنى: عطلت أي عطلها أهلها لاشتغالهم بأنفسهم. وإنما خص العشار بالذكر لأنها أعز ما تكون على العرب، وليس يعطلها أهلها إلا حال القيامة. وقيل: هذا على وجه المثل، والمراد أن هول يوم القيامة بحال لو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه. وقيل: العشار: السحاب يعطل مما يكون فيه وهو الماء فلا يمطر، والعرب تشبه السحاب بالحامل. ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ يعني: جمعت، والحشر: الجمع، وقيل: حشرها: موتها. ﴿وإذا البحار سجرت﴾ يعني: ملئت بالماء، وقيل: أوقدت بالنار، وقيل: قد تكون الأقوال متفقة، فيكون تيبس من الماء بعد أن يفيض بعضها إلى بعض، فتقلب نارا. ﴿وإذا النفوس زوجت﴾ يعني: يقرن الفاجر مع الفاجر ويقرن الصالح مع الصالح، وقيل: ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة: السابقون وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، وقيل: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين وقرن الكافر بالشياطين وكذلك المنافقون، وقيل: قرنت الأرواح بالأجساد فردت إليها. (وإذا الموءودة سئلت. بأي ذنب قتلت) الموءودة: المقتولة، وهي الجارية تدفن وهي حية، سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب، فيؤودها أي يثقلها حتى تموت. وكانوا يدفنون بناتهم أحياء لخصلتين: (إحداهما) كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به (والثانية) إما مخافة الحاجة والإملاق، وإما خوفا من السبي والاسترقاق. قال القرطبي: «وقال عمر في قوله تعالى: ﴿وإذا الموءودة سئلت﴾ قال: جاء قيس بن عاصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني وأدت ثمان بنات كن لي في الجاهلية، قال: (فأعتق عن كل واحدة منهن رقبة) قال: يا رسول الله، إني صاحب إبل، قال: (فأهد عن كل واحدة منهن بدنه إن شئت». والسؤال سؤال توبيخ لقاتلها. ﴿وإذا الصحف نشرت﴾ يعني: فتحت بعد أن كانت مطوية، والمراد صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير وشر، تطوى بالموت، وتنشر يوم القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته، فيعلم ما فيها. ﴿وإذا السماء كشطت﴾ يعني: قلعت عن شدة التصاق، فالسماء تكشط كما يكشط الجلد عن الكبش وغيره. ﴿وإذا الجحيم سعرت﴾ يعني: أوقدت فأضرمت للكفار وزيد في إحمائها. وفي الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى أسودت، فهي سوداء مظلمة». وقوله تعالى: ﴿وإذا الجنة أزلفت﴾ يعني: دنت وقربت من المتقين، وقيل: إنهم يقربون منها، لا أنها تزول عن موضعها. ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ يعني: ما عملت من خير وشر، وهو جواب لما تقدم من السورة. وقال ابن زيد عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إذا الشمس كورت﴾ إلى قوله: ﴿وإذا الجنة أزلفت﴾ اثنتا عشرة خصلة: ستة في الدنيا، وستة في الآخرة.
(15ـ 26) قوله تعالى: (فلا أقسم بالخنس. الجوار الكنس. والليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس. إنه لقول رسول كريم. ذي قوة عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين. وما صاحبكم بمجنون. ولقد رآه بالأفق المبين. وما هو على الغيب بضنين. وما هو بقول شيطان رجيم. فأين تذهبون). ثم يأتي المقطع الثاني في هذه السورة فيبدأ بالتلويح بالقسم بمشاهد كونية جميلة، يختار لها تعبيرات أنيقة، القسم على طبيعة الوحي، وصفة الرسول الذي يحمله، والرسول الذي يتلقاه، وموقف الناس حياله وفق مشيئة الله. فقوله تعالى: (فلا أقسم) يعني: أقسم، وقد ذكرنا أن النفي يسبق المقسم به إذا كان المقسم عليه منفي من الطرف الآخر. (بالخنس) هي النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل، والخنس تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة، والرجل أخنس، والمرأة خنساء. (الجوار) يعني: المتحركة السيارة منها (الكنس) يعني: تكنس وقت غروبها أي تتأخر عن البصر لخفائها فلا ترى. ﴿والليل إذا عسعس﴾ يعني: أدبر بظلامه، وقيل: أقبل وأظلم، وقيل: هي من الأضداد تأتي بمعنى أقبل وتأتي بمعنى أدبر. ﴿والصبح إذا تنفس﴾ يعني: امتد حتى يصير نهارا واضحا، يقال للنهار إذا زاد: تنفس، ومعنى التنفس: خروج النسيم من الجوف. ﴿إنه لقول رسول كريم﴾ هذا جواب القسم، والرسول الكريم: جبريل عليه السلام، والمعنى: ﴿إنه لقول رسول﴾ عن الله (كريم) على الله، وقيل: هو محمد عليه الصلاة والسلام. (ذي قوة) من جعله جبريل فقوته ظاهرة، فقد روى الضحاك عن ابن عباس قال: من قوته قلعه مدائن قوم لوط بقوادم جناحه ﴿عند ذي العرش﴾ يعني: عند الله جل ثناؤه (مكين) يعني: ذي منزلة ومكانة. (مطاع ثم) يعني: مطاع هناك في السماوات، قال ابن عباس: من طاعة الملائكة جبريل، أنه لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم قال جبريل عليه السلام لرضوان خازن الجنان: افتح له، ففتح، فدخل ورأى ما فيها، وقال لمالك خازن النار: أفتح له جهنم حتى ينظر إليها، فأطاعه وفتح له (أمين) يعني: مؤتمن على الوحي الذي يجيء به. ومن قال: إن المراد محمد صلى الله عليه وسلم فالمعنى: (ذي قوة) على تبليغ الرسالة (مطاع) يعني: يطيعه من أطاع الله عز وجل. (وما بصاحبكم بمجنون) يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم ليس به جنون حتى يتهم في قوله. ﴿ولقد رآه بالأفق المبين﴾ يعني: رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام في صورته، له ستمائة جناح، وقد سد الأفق. ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ بالضاد، يعني: ببخيل، فلا يضن عليكم بما يعلم، بل يعلم الخلق كلام الله وخبر السماء. ومن قرأ (بظنين) بالظاء، فمعناه: بمتهم، أي ما هو بمتهم في تعليم القرآن وخبر السماء. (وما هو) يعني: القرآن ﴿بقول شيطان رجيم﴾ يعني: مرجوم ملعون. (فأين تذهبون) يعني: فإلى أين تعدلون عن هذا القول وعن طاعته، وقيل: أين تذهبون عن كتابي وطاعتي، وقيل: فأي طريقة تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم.
(27) و (28) و (29) قوله تعالى: ﴿إن هو إلا ذكر للعالمين. لمن شاء منكم أن يستقيم. وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾. ولأن هذه الآيات من الآيات الجامعة في مسألة القدر والجبر فإني نقول: القائل بالقدر أعور ينظر إلى النصوص بعين واحدة, والقائل بالجبر أعور ينظر إلى النصوص بالعين الأخرى, والقول بالقدر إفراط كما إنّ القول بالجبر تفريط, والقائل بالقدر ظالم لله بالانتقاص من مشيئة الله أو نفيها, كما إنّ القائل بالجبر ظالم للإنسان بالانتقاص من مشيئة الإنسان أو نفيها. والقول الصحيح في مسألة القدر والجبر هو ما نص الله عليه في كتابه بالنصوص الجامعة فقال في هذه السورة: ﴿إن هو إلا ذكر للعالمين. لمن شاء منكم أن يستقيم. وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾، وقال في سورة المدثر: ﴿كلا إنه تذكرة. فمن شاء ذكره. وما يذكرون إلا أن يشاء الله﴾ [المدثر: 54-56]، وقال في سورة الإنسان: ﴿إن هذه تذكره فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا. وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾ [الإنسان: 30-31]. ومن خلال قراءة هذه النصوص نخلص إلى القاعدة الصحيحة في مسألة القدر والجبر وهي: إنّ الله تعالى أثبت للإنسان مشيئة وأثبت لنفسه مشيئة وجعل مشيئة الإنسان لا تخرج عن مشيئة الله. وفيه تربية على أن الذي ينتفع بالقرآن هو من شاء الاستقامة، ثم بين أن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله. فقوله تعالى: (إن هو) يعني: ما القرآن ﴿إلا ذكر للعالمين﴾ يعني: موعظة وزجر للإنس والجن. ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ يعني: يتبع الحق ويقيم عليه. ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ يعني: لا يعمل العبد خيرا إلا بتوفيق الله، ولا يعمل العبد شرا إلا بخذلانه. وقال الحسن البصري: والله ما شاءت العرب الإسلام حتى شاءه الله لها. والحمد لله رب العالمين.
فهرس الكتاب