لَوۡ كَانَ عَرَضࣰا قَرِيبࣰا وَسَفَرࣰا قَاصِدࣰا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ 42
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: 42-52]
من هنا يبدأ الحديث عن الطوائف التي ظهرت عليها أعراض الضعف في الصف الإسلامي فتخلفوا عن النفير لغزوة تبوك، وهم طوائف متعددة منهم الصادق ومنهم الكاذب، ومنهم المنافقون الذين اندسوا في صفوف المسلمين باسم الإسلام بعد أن غلب وظهر، فرأى هؤلاء أن حب السلامة وحب الكسب يقتضيان أن يحنوا رؤوسهم للإسلام، وأن يكيدوا له داخل الصفوف بعد أن عز عليهم أن يكيدوا له خارج الصفوف.
(1) قوله تعالى: ﴿لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة، وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون﴾. في هذه الآية بيان من الله تعالى لرسوله وللمؤمنين معه عن حقيقة فئة من المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وهذه الفئة تتبع منفعتها من العمل مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فلو كان السفر قريب والغنيمة قريبة لخرجوا مع الرسول ابتغاء الفوز بالمنافع، فهم يريد أكبر ثمرة بأقل جهد وذلك لانتفاء الإيمان من القلب. ثم أخبر الله تعالى رسوله أنه إذا رجع من الجهاد يجدهم يحلفون بالله لو استطاعوا لخرجوا مع المسلمين. ثم بين الله تعالى أنهم يهلكون أنفسهم بسبب ذلك الكذب والنفاق، وهذا يدل على أن الأيمان الكاذبة توجب الهلاك، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «اليمين الغموس الكاذبة تذر الديار بلاقع» (الطبراني في مسند الشاميين). قال صاحب الظلال في المدلول التربوي لهذه الآية: «لو كان الأمر أمر عرض قريب من أعراض هذه الأرض، وأمر سفر قصير الأمد مأمون العاقبة لاتبعوك ولكنها الشقة البعيدة التي تتقاصر دونها الهمم الساقطة والعزائم الضعيفة، ولكنه الجهد الخطر الذي تجزع منه الأرواح الهزيلة والقلوب المنخوبة، ولكنه الأفق العالي الذي تتخاذل دونه النفوس الصغيرة والبنية المهزولة. وإنه لنموذج مكرور في البشرية ذلك الذي ترسمه تلك الكلمات الخالدة، فكثيرون هم أولئك الذين يتهاوون في الطريق الصاعد إلى الآفاق الكريمة، كثيرون أولئك الذين يجهدون لطول الطريق فيتخلفون عن الركب ويميلون إلى عرض تافه أو مطلب رخيص، كثيرون تعرفهم البشرية في كل زمان وفي كل مكان، فما هي قلة عارضة، إنما هي النموذج المكرور. وإنهم ليعيشون على حاشية الحياة، وإن خيل إليهم أنهم بلغوا منافع ونالوا مطالب، واجتنبوا أداء الثمن الغالي، فالثمن القليل لا يشتري سوى التافه الرخيص! ﴿وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم﴾ فهو الكذب المصاحب للضعف أبدا، وما يكذب إلا الضعفاء، أجل ما يكذب إلا ضعيف ولو بدا في صورة الأقوياء الجبارين في بعض الأحايين، فالقوي يواجه والضعيف يداور، وما تتخلف هذه القاعدة في موقف من المواقف ولا في يوم من الأيام. (يهلكون أنفسهم) بهذا الحلف وبهذا الكذب، الذي يخيل إليهم أنه سبيل النجاة عند الناس، والله يعلم الحق ويكشفه للناس، فيهلك الكاذب في الدنيا بكذبه، ويهلك في الآخرة يوم لا يجدي النكران».
(2) قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك، لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾. فيه تربية من الله تعالى لرسوله بالعفو قبل العتاب، وبالعتاب على إذنه لهذه الفئة على التخلف عن غزوة تبوك، فلو أنه لم يأذن لهم لظهروا على حقيقتهم في التخلف، فهو والله أعلم سيتخلفون بعذر أو بغير عذر، ولكن حين حصل لهم العذر كان الأمر أهون عليه، وفيه تربية لهذه الفئة بأنه تعالى لم يكشفهم للناس بأن لا يأذن لهم رسوله بالتخلف، علهم يتوبون إلى رشدهم ويتذوقون رحمة الله بهم فيؤمنون به حقيقة وليس ظاهرا كما هو حالهم. قال القرطبي في تفسير هذه الآية: «قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ قيل: هو افتتاح كلام، كما تقول: أصلحك الله وأعزك ورحمك! كان كذا وكذا. وقيل: المعنى عفا الله عنك ما كان من ذنبك في أن أذنت لهم. ثم قيل: في الإذن قولان: (الأول) لم أذنت لهم في الخروج معك، وفي خروجهم بلا عدة ونية صادقة فساد. (الثاني) لم أذنت لهم في القعود لما اعتلوا بأعذار، ذكرهما القشيري قال: وهذا عتاب تلطف إذ قال: ﴿عفا الله عنك﴾. وكان عليه الصلاة والسلام أذن من غير وحي نزل فيه. قال قتادة وعمرو بن ميمون: ثنتان فعلهما النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما: إذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه ولم يكن له أن يمضي شيئا إلا بوحي، وأخذه من الأسارى الفدية، فعاتبه الله كما تسمعون. قال بعض العلماء: إنما بدر منه ترك الأولى، فقدم الله له العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب. قوله تعالى: ﴿حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾ أي ليتبين لك من صدق ممن نافق. قال ابن عباس: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يومئذ يعرف المنافقين وإنما عرفهم بعد نزول سورة التوبة. وقال مجاهد: هؤلاء قوم قالوا: نستأذن في الجلوس فإن أذن لنا جلسنا وإن لم يؤذن لنا جلسنا. وقال قتادة: نسخ هذه الآية بقوله في سورة النور: ﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم﴾ [النور: 62]، ذكره النحاس في معاني القرآن له».
(3) قوله تعالى: ﴿لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين. إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون﴾. فيه تربية على أن المؤمن لا يستأذن في القعود عن القتال ولا في الخروج له بل يبادر إلى الطاعة بمجرد الأمر، لأن الاستئذان في ذلك الوقت لغير أهل الأعذار المذكورين في القرآن مثل العمى والعرج والمرض وعدم وجود المركوب والسلاح كان من علامات النفاق. والمقصود من هاتين الآيتين تمييز المؤمنين عن المنافقين، فإن المؤمنين متى أمروا بالخروج إلى الجهاد تبادروا إليه ولم يتوقفوا، والمنافقون يتوقفون ويتبلدون ويأتون بالعلل والأعذار، وهذا المقصود حاصل سواء عبر عنه بلفظ المستقبل أو الماضي، وقد جعل الله تعالى علامة النفاق في ذلك الوقت الاستئذان. قال الرازي في تفسير هاتين الآيتين: «قال ابن عباس : قوله: (لا يستأذنك) أي بعد غزوة تبوك، وقال الباقون: هذا لا يجوز، لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها وردت في قصة تبوك. وقوله: ﴿لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا﴾ فيه محذوف، والتقدير: في أن يجاهدوا. إلا أنه حسن الحذف لظهوره، ثم هنا قولان: (القول الأول) إجراء هذا الكلام على ظاهره من غير إضمار آخر، وعلى هذا التقدير فالمعنى أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا، وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد أخرى، فأي فائدة في الاستئذان؟ وكانوا بحيث لو أمرهم الرسول بالقعود لشق عليهم ذلك، ألا ترى أن علي بن أبي طالب لما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن قال له الرسول: (أنت مني بمنزلة هرون من موسى). (والقول الثاني) أنه لا بد هنا من إضمار آخر، قالوا لأن ترك استئذان الإمام في الجهاد غير جائز، وهؤلاء ذمهم الله في ترك هذا الاستئذان، فثبت أنه لا بد من الإضمار، والتقدير: لا يستأذنك هؤلاء في أن لا يجاهدوا، إلا أنه حذف حرف النفي، ونظير قوله: ﴿يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: 176]، والذي دل على هذا المحذوف أن ما قبل الآية وما بعدها يدل على أن حصول هذا الذم إنما كان على الاستئذان في القعود، والله أعلم. ثم قال تعالى: ﴿إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون﴾، فبيّن أن هذا الانتقال لا يصدر إلا عند عدم الإيمان بالله واليوم الآخر، ثم لما كان عدم الإيمان قد يكون بسبب الشك فيه، وقد يكون بسبب الجزم والقطع بعدمه، بيّن تعالى أن عدم إيمان هؤلاء إنما كان بسبب الشك والريب، وهذا يدل على أن الشاك المرتاب غير مؤمن بالله. وقوله: (وارتابت قلوبهم) يدل على أن محل الريب هو القلب فقط، ومتى كان محل الريب هو القلب كان محل المعرفة، والإيمان أيضا هو القلب، لأن محل أحد الضدين يجب أن يكون هو محلا للضد الآخر، ولهذا السبب قال تعالى: ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان﴾ [المجادلة: 22] وإذا كان محل المعرفة والكفر القلب، كان المثاب والمعاقب في الحقيقة هو القلب والبواقي تكون تبعا له. وقوله: ﴿فهم في ريبهم يترددون﴾ معناه أن الشاك المرتاب يبقى مترددا بين النفي والإثبات، غير حاكم بأحد القسمين ولا جازم بأحد النقيضين. وتقريره: أن الاعتقاد إما أن يكون جازما أو لا يكون، فالجازم إن كان غير مطابق فهو الجهل، وإن كان مطابقا، فإن كان غير يقين فهو العلم، وإلا فهو اعتقاد المقلد. وإن كان غير جازم، فإن كان أحد الطرفين راجحا فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم. وإن اعتدل الطرفان فهو الريب والشك، وحينئذ يبقى الإنسان مترددا بين الطرفين».
(4) قوله تعالى: ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾. وفي هذه الآية تعليم من الله تعالى للمؤمنين الحجة الكاملة في الرد على المتخلفين عن القتال وبيان بطلان أعذارهم وذلك أنهم لو أرادوا القتال لتأهبوا أهبة السفر، فتركهم الاستعداد دليل على إرادتهم التخلف. ثم إن الأمور وإن كان ظاهرها هكذا فإن لله تعالى حكمة في تثبيط المنافقين عن الخروج مع المؤمنين للقتال وهي أنهم كانوا يقولون: إن لم يؤذن لنا في الجلوس أفسدنا وحرضنا على المؤمنين. ومعنى (مع القاعدين) أي مع أولى الضرر والعميان والمرضى والنسوان والصبيان. قال الطبري في تفسير هذه الآية: «يقول تعالى ذكره: ولو أراد هؤلاء المستأذنوك، يا محمد، في ترك الخروج معك لجهاد عدوّك، الخروجَ معك ﴿لأعدوا له عدة﴾، يقول: لأعدوا للخروج عدة، ولتأهّبوا للسفر والعدوِّ أهْبَتهما ﴿ولكن كره الله انبعاثهم﴾، يعني: خروجهم لذلك (فثبطهم)، يقول: فثقَّل عليهم الخروجَ حتى استخفُّوا القعودَ في منازلهم خِلافك، واستثقلوا السفر والخروج معك، فتركوا لذلك الخروج ﴿وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾، يعني: اقعدوا مع المرضى والضعفاء الذين لا يجدون ما ينفقون، ومع النساء والصبيان، واتركوا الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجاهدين في سبيل الله. وكان تثبيط الله إياهم عن الخروج مع رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، لعلمه بنفاقهم وغشهم للإسلام وأهله، وأنهم لو خرجوا معهم ضرُّوهم ولم ينفعوا. وذكر أن الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود كانوا: عبد الله بن أبيٍّ ابن سلول، والجد بن قيس، ومن كانا على مثل الذي كانا عليه».
(5) قوله تعالى: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا، ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة، وفيكم سماعون لهم، والله عليم بالظالمين﴾. وفي هذه الآية تعليل للآية السابقة، ولماذا كره الله تعالى خروج المنافقين مع المؤمنين للقتال فثبطهم حتى كانوا مع القاعدين؟ فلو خرج المنافقون مع المؤمنين للقتال لما زادوهم في العدة والعدد بل يزيدونهم في الفساد والنميمة والاختلاف والأراجيف، وهذا معنى الخبال والفتنة في الآية، خاصة وأن بين المؤمنين من هو ضعيف الإيمان يسمع لقول المنافقين وقد يكون لذلك أثر في نفسه. والمقصود من هذه الآية تربية المؤمنين على كيفية بناء الصف الإيماني قبل الخروج للقتال. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «ثم بين الله تعالى وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين فقال: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا﴾ أي: لأنهم جبناء مخذولون، ﴿ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة﴾ أي: ولأسرعوا السير والمشي بينكم بالنميمة والبغضاء والفتنة، ﴿وفيكم سماعون لهم﴾ أي: مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم، فيؤدي هذا إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير. وقال مجاهد، وزيد بن أسلم، وابن جرير: ﴿وفيكم سماعون لهم﴾ أي: عيون يسمعون لهم الأخبار وينقلونها إليهم. وهذا لا يبقى له اختصاص بخروجهم معهم، بل هذا عام في جميع الأحوال، والمعنى الأول أظهر في المناسبة بالسياق، وإليه ذهب قتادة وغيره من المفسرين. وقال محمد بن إسحاق: كان فيما بلغني من استأذن من ذوي الشرف منهم: عبد الله بن أبي ابن سلول والجَدُّ بن قيس، وكانوا أشرافا في قومهم، فثبطهم الله، لعلمه بهم: أن يخرجوا معه صلى الله عليه وسلم فيفسدوا عليه جنده، وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه، لشرفهم فيهم. ثم أخبر تعالى عن تمام علمه فقال: ﴿والله عليم بالظالمين﴾ فأخبر بأنه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، ولهذا أخبر تعالى عن حالهم كيف يكون لو خرجوا ومع هذا ما خرجوا».
(6) قوله تعالى: ﴿لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون﴾. قال ابن جريج: أراد اثني عشر رجلا من المنافقين، وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم. والثنية: الطريقة في الجبل كالنقب، وقيل: الطريق العالي فيه. والوداع، واد بمكة. وثنية الوداع منسوبة إليه. ومعنى الآية أن فئة من هؤلاء المنافقين طلبوا الإفساد والخبال من قبل أن يظهر أمرهم، وينزل الوحي بما أسروه وبما سيفعلونه، فأجالوا الرأي في كيفية اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن الله تعالى أعلمه بذلك وكشف سرهم وهم كارهون لذلك. قال البقاعي في تفسيره (نظم الدرر) في تفسير هذه الآية: «ولما أخبر سبحانه بذلك، وحث على قبول أخبارهم بما وصف به ذاته الأقدس من إحاطة العلم، شرع يقيم الدليل على ما قال بتذكيرهم بأشياء تقدمت مشاهدتها منهم، فقال معللا لما أخبر به: (لقد ابتغوا) أي طلبوا طلبا عظيما كلهم لكم (الفتنة) أي لتشتيتكم (من قبل) أي قبل هذه الغزوة في يوم أحد بكسر قلوب العسكر بالرجوع عنه حتى كاد بعضهم أن يفشل، وفي المريسيع بما قال ابن أبيّ ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقون: 8]، وفي غزوة الخندق بما وقع منهم من التكذيب في أخذ كنوز كسرى وقيصر والإرجاف بكم في نقض بني قريظة، وغير ذلك كما صنعوا قبله في غزوة قينقاع والنضير في قصدهم تقوية كل منهم عليكم، وفي غير ذلك من أيام الله التي عكس فيها قصودهم وأنعس جدودهم (وقلبوا) أي تقليبا كثيرا (لك الأمور) أي التي لك فيها أذى ظهرا لبطن بإحالة الآراء وتدبير المكايد والحيل لعلهم يجدون فرصة في نقض أمرك ينتهزونها أو ثغرة في حالة يوسعونها، وامتد بهم الحال في هذا المحال ﴿حتى جاء الحق﴾ أي الثابت الذي لا مراء في مزاولته مما تقدم به وعده سبحانه من إظهار الدين وقمع المفسدين ﴿وظهر أمر الله﴾ أي المتصف بجميع صفات الكمال من الجلال والجمال حتى لا مطمع لهم في ستره (وهم كارهون) أي لجميع ذلك فلم يبق لهم مطمع في محاولة بمواجهة ولا مخاتلة فصار همهم الآن الاعتزال والمبالغة في إخفاء الأحوال وستر الأفعال والأقوال».
(7) قوله تعالى: ﴿ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين﴾. فيه تربية للمؤمنين على أن الفتنة لا تكون في الخروج للقتال في سبيل الله تعالى بل تكون في القعود عن الجهاد مع القاعدين من المرضى وأصحاب العاهات والنساء والأطفال. قال محمد بن إسحاق: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للجد بن قيس أخي بني سلمة لما أراد الخروج إلى تبوك: (يا جد، هل لك في جلاد بني الأصفر تتخذ منهم سراري ووصفاء) فقال الجد: قد عرف قومي أني مغرم بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بني الأصفر ألا أصبر عنهن، فلا تفتني وأذن لي في القعود، وأعينك بمالي، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (قد أذنت لك) فنزلت هذه الآية». ولما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم لبني سلمة، وكان الجد بن قيس منهم: «من سيدكم يا بني سلمة»؟ قالوا: الجد بن قيس، غير أنه بخيل جبان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأي داء أدوى من البخل، بل سيدكم الفتى الأبيض بشر بن البراء بن معرور» (الحاكم في المستدرك والطبراني في الكبير).
(8) قوله تعالى: ﴿إن تصبك حسنة تسؤهم، وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل، ويتولوا وهم فرحون﴾. فيه بيان من الله تعالى للمؤمنين على نوع آخر من كيد المنافقين وخبث طويتهم وسوء باطنهم وذلك أنهم: إن أصاب الرسول والمؤمنين النصر في بعض الغزوات كما في بدر ساءهم ذلك، وإن أصابهم نكبة وشدة كما في أحد سرهم ذلك وقالوا قد أخذنا حذرنا وحيطتنا فلم نقع في نفس الأمر، وتولوا وهم فرحون مسرورون. وهذه الآية محمولة على كل حسنة تصيب المؤمنين وعلى كل مصيبة تصيب المؤمنين لأن موقف المنافقين هو ديدن وعادة وترقب ومتابعة للأمور. قال الألوسي في تفسيره (روح المعاني) في تفسير هذه الآية: «إن تصبك) في بعض مغازيك (حسنة) من الظفر والغنيمة (تسؤهم) تلك الحسنة، أي تورثهم مساءة وحزنا لفرط حسدهم لعنهم الله تعالى وعداوتهم (وإن تصبك) في بعضها (مصيبة) كانكسار جيش وشدة (يقولوا) متبجحين بما صنعوا حامدين لآرائهم ﴿قد أخذنا أمرنا﴾ أي تلافينا ما يهمنا من الأمر يعنون به التخلف والقعود عن الحرب والمداراة مع الكفرة وغير ذلك من أمور الكفر والنفاق قولا وفعلا (من قبل) أي من قبل إصابة المصيبة حيث ينفع التدارك، يشيرون بذلك إلى أن نحو ما صنعوه إنما يروج عند الكفرة بوقوعه حال قوة الإسلام لا بعد إصابة المصيبة (ويتولوا) أي وينصرفوا عن متحدثهم ومحل اجتماعهم إلى أهليهم وخاصتهم أو يتفرقوا وينصرفوا عنك يا رسول الله (وهم فرحون) بما صنعوا وبما أصابك من السيئة، والجملة في موضع الحال من الضمير في (يقولوا * يتولوا) فإن الفرح مقارن للأمرين معا، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على دوام السرور، وإنما لم يؤت بالشرطية الثانية على طرز الأولى بأن يقال: وإن تصبك مصيبة تسرهم بل أقيم ما يدل على ذلك مقامه مبالغة في فرط سرورهم مع الإيذان بأنهم في معزل عن إدراك سوء صنيعهم لاقتضاء المقام ذلك، وقل: إن إسناد المساءة إلى الحسنة والمسرة إلى أنفسهم للايذان باختلاف حالهم حالتي عروض المساءة والمسرة، بأنهم في الأولى مضطرون وفي الثانية مختارون. وقوبل هنا الحسنة بالمصيبة ولم تقابل بالسيئة كما قال سبحانه في سورة آل عمران: ﴿وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها﴾ [آل عمران: 120] لأن الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو هناك للمؤمنين وفرق بين المخاطبين، فإن الشدة لا تزيده صلى الله عليه وسلم إلا ثوابا فإنه المعصوم في جميع أحواله عليه الصلاة والسلام. وتقييد الإصابة في بعض الغزوات لدلالة السياق عليه، وليس المراد به بعضا معينا هو هذه الغزوة التي استأذنوا في التخلف عنها وهو ظاهر. نعم سبب النزول يوهم ذلك، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: جعل المنافقون الذين تخلفوا في المدينة يخبرون عن النبي أخبار السوء يقولون: إن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا فبلغهم تكذيب حديثهم وعافية النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه فأنزل الله تعالى الآية فتأمل».
(9) قوله تعالى: ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾. فيه تربية على الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى، والمعنى أنه لن يصيبنا خير ولا شر، ولا خوف ولا رجاء، ولا شدة ولا رخاء، إلا وهو مقدر علينا مكتوب عند الله تعالى في اللوح المحفوظ. وقيل: لن يصيبنا إلا ما أخبرنا به في كتابه من أنا إما أن نظفر فيكون الظفر حسنى لنا، وإما أن نقتل فتكون الشهادة أعظم حسنى لنا. والمعنى كل شئ بقضاء وقدر. قال الشوكاني في كتابه (فتح القدير) في تفسير هذه الآية: «ثم لما قالوا هذا القول أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب عليهم بقوله: ﴿لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾ أي: في اللوح المحفوظ، أو في كتابه المنزّل علينا، وفائدة هذا الجواب أن الإنسان إذا علم أن ما قدّره الله كائن، وأن كل ما ناله من خير أو شرّ إنما هو بقدر الله وقضائه، هانت عليه المصائب، ولم يجد مرارة شماتة الأعداء وتشفي الحسدة. (هو مولانا) أي: ناصرنا وجاعل العاقبة لنا، ومظهر دينه على جميع الأديان، والتوكل على الله تفويض الأمور إليه، والمعنى: أن من حق المؤمنين أن يجعلوا توكلهم مختصا بالله سبحانه، لا يتوكلون على غيره. وقال الزجاج: معناه لا يصيبنا إلا ما اختصنا الله من النصرة عليكم أو الشهادة».
(10) قوله تعالى: ﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، فتربصوا إنا معكم متربصون﴾. فيه تربية للمنافقين من خلال خطابهم بأسلوب الاستفهام الذي يحمل معنى التوبيخ ﴿قل هل تربصون بنا﴾، والمراد بالحسنيين الغنيمة والشهادة. وأما قوله: ﴿ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده﴾ أي عقوبة تهلككم كما أصاب الأمم الخالية من قبلكم، (أو بأيدينا) أي يؤذن لنا في قتالكم، (فتربصوا) أمر ويحمل معنى التهديد والوعيد. أي انتظروا مواعد الشيطان إنا منتظرون مواعد الرحمن. قال الخازن في كتابه (لباب التأويل) في تفسير هذه الآية: «قل هل تربصون بنا) يعني : قل يا محمد لهؤلاء المنافقين هل تنتظرون بنا أيها المنافقون ﴿إلا إحدى الحسنيين﴾ يعني: إما النصر والغنيمة وإما الشهادة والمغفرة، وذلك أن المسلم إذا ذهب إلى الغزو والجهاد في سبيل الله إما أن يغلب عدوه فيفوز بالنصر والغنيمة والأجر العظيم في الآخرة وإما أن يقتل في سبيل الله فتحصل له الشهادة وهي الغاية القصوى، ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تكفل الله) وفي رواية (تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة) أخرجاه في الصحيحين. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ونحن نتربص بكم﴾ يعني ونحن ننتظر بكم إحدى السوأيين ﴿أن يصيبكم الله بعذاب من عنده﴾ يعني فيهلككم كما أهلك من كان قبلكم من الأمم الخالية (أو بأيدينا) يعني أو يصيبكم بأيدي المؤمنين بأن يظفرنا بكم ويظهرنا عليكم ﴿فتربصوا إنا معكم متربصون﴾ قال الحسن: فتربصوا مواعيد الشيطان إنا متربصون مواعيد الله من إظهار دينه واستئصال من خالفه».
من هنا يبدأ الحديث عن الطوائف التي ظهرت عليها أعراض الضعف في الصف الإسلامي فتخلفوا عن النفير لغزوة تبوك، وهم طوائف متعددة منهم الصادق ومنهم الكاذب، ومنهم المنافقون الذين اندسوا في صفوف المسلمين باسم الإسلام بعد أن غلب وظهر، فرأى هؤلاء أن حب السلامة وحب الكسب يقتضيان أن يحنوا رؤوسهم للإسلام، وأن يكيدوا له داخل الصفوف بعد أن عز عليهم أن يكيدوا له خارج الصفوف.
(1) قوله تعالى: ﴿لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة، وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون﴾. في هذه الآية بيان من الله تعالى لرسوله وللمؤمنين معه عن حقيقة فئة من المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وهذه الفئة تتبع منفعتها من العمل مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فلو كان السفر قريب والغنيمة قريبة لخرجوا مع الرسول ابتغاء الفوز بالمنافع، فهم يريد أكبر ثمرة بأقل جهد وذلك لانتفاء الإيمان من القلب. ثم أخبر الله تعالى رسوله أنه إذا رجع من الجهاد يجدهم يحلفون بالله لو استطاعوا لخرجوا مع المسلمين. ثم بين الله تعالى أنهم يهلكون أنفسهم بسبب ذلك الكذب والنفاق، وهذا يدل على أن الأيمان الكاذبة توجب الهلاك، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «اليمين الغموس الكاذبة تذر الديار بلاقع» (الطبراني في مسند الشاميين). قال صاحب الظلال في المدلول التربوي لهذه الآية: «لو كان الأمر أمر عرض قريب من أعراض هذه الأرض، وأمر سفر قصير الأمد مأمون العاقبة لاتبعوك ولكنها الشقة البعيدة التي تتقاصر دونها الهمم الساقطة والعزائم الضعيفة، ولكنه الجهد الخطر الذي تجزع منه الأرواح الهزيلة والقلوب المنخوبة، ولكنه الأفق العالي الذي تتخاذل دونه النفوس الصغيرة والبنية المهزولة. وإنه لنموذج مكرور في البشرية ذلك الذي ترسمه تلك الكلمات الخالدة، فكثيرون هم أولئك الذين يتهاوون في الطريق الصاعد إلى الآفاق الكريمة، كثيرون أولئك الذين يجهدون لطول الطريق فيتخلفون عن الركب ويميلون إلى عرض تافه أو مطلب رخيص، كثيرون تعرفهم البشرية في كل زمان وفي كل مكان، فما هي قلة عارضة، إنما هي النموذج المكرور. وإنهم ليعيشون على حاشية الحياة، وإن خيل إليهم أنهم بلغوا منافع ونالوا مطالب، واجتنبوا أداء الثمن الغالي، فالثمن القليل لا يشتري سوى التافه الرخيص! ﴿وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم﴾ فهو الكذب المصاحب للضعف أبدا، وما يكذب إلا الضعفاء، أجل ما يكذب إلا ضعيف ولو بدا في صورة الأقوياء الجبارين في بعض الأحايين، فالقوي يواجه والضعيف يداور، وما تتخلف هذه القاعدة في موقف من المواقف ولا في يوم من الأيام. (يهلكون أنفسهم) بهذا الحلف وبهذا الكذب، الذي يخيل إليهم أنه سبيل النجاة عند الناس، والله يعلم الحق ويكشفه للناس، فيهلك الكاذب في الدنيا بكذبه، ويهلك في الآخرة يوم لا يجدي النكران».
(2) قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك، لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾. فيه تربية من الله تعالى لرسوله بالعفو قبل العتاب، وبالعتاب على إذنه لهذه الفئة على التخلف عن غزوة تبوك، فلو أنه لم يأذن لهم لظهروا على حقيقتهم في التخلف، فهو والله أعلم سيتخلفون بعذر أو بغير عذر، ولكن حين حصل لهم العذر كان الأمر أهون عليه، وفيه تربية لهذه الفئة بأنه تعالى لم يكشفهم للناس بأن لا يأذن لهم رسوله بالتخلف، علهم يتوبون إلى رشدهم ويتذوقون رحمة الله بهم فيؤمنون به حقيقة وليس ظاهرا كما هو حالهم. قال القرطبي في تفسير هذه الآية: «قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ قيل: هو افتتاح كلام، كما تقول: أصلحك الله وأعزك ورحمك! كان كذا وكذا. وقيل: المعنى عفا الله عنك ما كان من ذنبك في أن أذنت لهم. ثم قيل: في الإذن قولان: (الأول) لم أذنت لهم في الخروج معك، وفي خروجهم بلا عدة ونية صادقة فساد. (الثاني) لم أذنت لهم في القعود لما اعتلوا بأعذار، ذكرهما القشيري قال: وهذا عتاب تلطف إذ قال: ﴿عفا الله عنك﴾. وكان عليه الصلاة والسلام أذن من غير وحي نزل فيه. قال قتادة وعمرو بن ميمون: ثنتان فعلهما النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما: إذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه ولم يكن له أن يمضي شيئا إلا بوحي، وأخذه من الأسارى الفدية، فعاتبه الله كما تسمعون. قال بعض العلماء: إنما بدر منه ترك الأولى، فقدم الله له العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب. قوله تعالى: ﴿حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾ أي ليتبين لك من صدق ممن نافق. قال ابن عباس: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يومئذ يعرف المنافقين وإنما عرفهم بعد نزول سورة التوبة. وقال مجاهد: هؤلاء قوم قالوا: نستأذن في الجلوس فإن أذن لنا جلسنا وإن لم يؤذن لنا جلسنا. وقال قتادة: نسخ هذه الآية بقوله في سورة النور: ﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم﴾ [النور: 62]، ذكره النحاس في معاني القرآن له».
(3) قوله تعالى: ﴿لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين. إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون﴾. فيه تربية على أن المؤمن لا يستأذن في القعود عن القتال ولا في الخروج له بل يبادر إلى الطاعة بمجرد الأمر، لأن الاستئذان في ذلك الوقت لغير أهل الأعذار المذكورين في القرآن مثل العمى والعرج والمرض وعدم وجود المركوب والسلاح كان من علامات النفاق. والمقصود من هاتين الآيتين تمييز المؤمنين عن المنافقين، فإن المؤمنين متى أمروا بالخروج إلى الجهاد تبادروا إليه ولم يتوقفوا، والمنافقون يتوقفون ويتبلدون ويأتون بالعلل والأعذار، وهذا المقصود حاصل سواء عبر عنه بلفظ المستقبل أو الماضي، وقد جعل الله تعالى علامة النفاق في ذلك الوقت الاستئذان. قال الرازي في تفسير هاتين الآيتين: «قال ابن عباس : قوله: (لا يستأذنك) أي بعد غزوة تبوك، وقال الباقون: هذا لا يجوز، لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها وردت في قصة تبوك. وقوله: ﴿لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا﴾ فيه محذوف، والتقدير: في أن يجاهدوا. إلا أنه حسن الحذف لظهوره، ثم هنا قولان: (القول الأول) إجراء هذا الكلام على ظاهره من غير إضمار آخر، وعلى هذا التقدير فالمعنى أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا، وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد أخرى، فأي فائدة في الاستئذان؟ وكانوا بحيث لو أمرهم الرسول بالقعود لشق عليهم ذلك، ألا ترى أن علي بن أبي طالب لما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن قال له الرسول: (أنت مني بمنزلة هرون من موسى). (والقول الثاني) أنه لا بد هنا من إضمار آخر، قالوا لأن ترك استئذان الإمام في الجهاد غير جائز، وهؤلاء ذمهم الله في ترك هذا الاستئذان، فثبت أنه لا بد من الإضمار، والتقدير: لا يستأذنك هؤلاء في أن لا يجاهدوا، إلا أنه حذف حرف النفي، ونظير قوله: ﴿يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: 176]، والذي دل على هذا المحذوف أن ما قبل الآية وما بعدها يدل على أن حصول هذا الذم إنما كان على الاستئذان في القعود، والله أعلم. ثم قال تعالى: ﴿إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون﴾، فبيّن أن هذا الانتقال لا يصدر إلا عند عدم الإيمان بالله واليوم الآخر، ثم لما كان عدم الإيمان قد يكون بسبب الشك فيه، وقد يكون بسبب الجزم والقطع بعدمه، بيّن تعالى أن عدم إيمان هؤلاء إنما كان بسبب الشك والريب، وهذا يدل على أن الشاك المرتاب غير مؤمن بالله. وقوله: (وارتابت قلوبهم) يدل على أن محل الريب هو القلب فقط، ومتى كان محل الريب هو القلب كان محل المعرفة، والإيمان أيضا هو القلب، لأن محل أحد الضدين يجب أن يكون هو محلا للضد الآخر، ولهذا السبب قال تعالى: ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان﴾ [المجادلة: 22] وإذا كان محل المعرفة والكفر القلب، كان المثاب والمعاقب في الحقيقة هو القلب والبواقي تكون تبعا له. وقوله: ﴿فهم في ريبهم يترددون﴾ معناه أن الشاك المرتاب يبقى مترددا بين النفي والإثبات، غير حاكم بأحد القسمين ولا جازم بأحد النقيضين. وتقريره: أن الاعتقاد إما أن يكون جازما أو لا يكون، فالجازم إن كان غير مطابق فهو الجهل، وإن كان مطابقا، فإن كان غير يقين فهو العلم، وإلا فهو اعتقاد المقلد. وإن كان غير جازم، فإن كان أحد الطرفين راجحا فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم. وإن اعتدل الطرفان فهو الريب والشك، وحينئذ يبقى الإنسان مترددا بين الطرفين».
(4) قوله تعالى: ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾. وفي هذه الآية تعليم من الله تعالى للمؤمنين الحجة الكاملة في الرد على المتخلفين عن القتال وبيان بطلان أعذارهم وذلك أنهم لو أرادوا القتال لتأهبوا أهبة السفر، فتركهم الاستعداد دليل على إرادتهم التخلف. ثم إن الأمور وإن كان ظاهرها هكذا فإن لله تعالى حكمة في تثبيط المنافقين عن الخروج مع المؤمنين للقتال وهي أنهم كانوا يقولون: إن لم يؤذن لنا في الجلوس أفسدنا وحرضنا على المؤمنين. ومعنى (مع القاعدين) أي مع أولى الضرر والعميان والمرضى والنسوان والصبيان. قال الطبري في تفسير هذه الآية: «يقول تعالى ذكره: ولو أراد هؤلاء المستأذنوك، يا محمد، في ترك الخروج معك لجهاد عدوّك، الخروجَ معك ﴿لأعدوا له عدة﴾، يقول: لأعدوا للخروج عدة، ولتأهّبوا للسفر والعدوِّ أهْبَتهما ﴿ولكن كره الله انبعاثهم﴾، يعني: خروجهم لذلك (فثبطهم)، يقول: فثقَّل عليهم الخروجَ حتى استخفُّوا القعودَ في منازلهم خِلافك، واستثقلوا السفر والخروج معك، فتركوا لذلك الخروج ﴿وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾، يعني: اقعدوا مع المرضى والضعفاء الذين لا يجدون ما ينفقون، ومع النساء والصبيان، واتركوا الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجاهدين في سبيل الله. وكان تثبيط الله إياهم عن الخروج مع رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، لعلمه بنفاقهم وغشهم للإسلام وأهله، وأنهم لو خرجوا معهم ضرُّوهم ولم ينفعوا. وذكر أن الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود كانوا: عبد الله بن أبيٍّ ابن سلول، والجد بن قيس، ومن كانا على مثل الذي كانا عليه».
(5) قوله تعالى: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا، ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة، وفيكم سماعون لهم، والله عليم بالظالمين﴾. وفي هذه الآية تعليل للآية السابقة، ولماذا كره الله تعالى خروج المنافقين مع المؤمنين للقتال فثبطهم حتى كانوا مع القاعدين؟ فلو خرج المنافقون مع المؤمنين للقتال لما زادوهم في العدة والعدد بل يزيدونهم في الفساد والنميمة والاختلاف والأراجيف، وهذا معنى الخبال والفتنة في الآية، خاصة وأن بين المؤمنين من هو ضعيف الإيمان يسمع لقول المنافقين وقد يكون لذلك أثر في نفسه. والمقصود من هذه الآية تربية المؤمنين على كيفية بناء الصف الإيماني قبل الخروج للقتال. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «ثم بين الله تعالى وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين فقال: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا﴾ أي: لأنهم جبناء مخذولون، ﴿ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة﴾ أي: ولأسرعوا السير والمشي بينكم بالنميمة والبغضاء والفتنة، ﴿وفيكم سماعون لهم﴾ أي: مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم، فيؤدي هذا إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير. وقال مجاهد، وزيد بن أسلم، وابن جرير: ﴿وفيكم سماعون لهم﴾ أي: عيون يسمعون لهم الأخبار وينقلونها إليهم. وهذا لا يبقى له اختصاص بخروجهم معهم، بل هذا عام في جميع الأحوال، والمعنى الأول أظهر في المناسبة بالسياق، وإليه ذهب قتادة وغيره من المفسرين. وقال محمد بن إسحاق: كان فيما بلغني من استأذن من ذوي الشرف منهم: عبد الله بن أبي ابن سلول والجَدُّ بن قيس، وكانوا أشرافا في قومهم، فثبطهم الله، لعلمه بهم: أن يخرجوا معه صلى الله عليه وسلم فيفسدوا عليه جنده، وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه، لشرفهم فيهم. ثم أخبر تعالى عن تمام علمه فقال: ﴿والله عليم بالظالمين﴾ فأخبر بأنه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، ولهذا أخبر تعالى عن حالهم كيف يكون لو خرجوا ومع هذا ما خرجوا».
(6) قوله تعالى: ﴿لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون﴾. قال ابن جريج: أراد اثني عشر رجلا من المنافقين، وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم. والثنية: الطريقة في الجبل كالنقب، وقيل: الطريق العالي فيه. والوداع، واد بمكة. وثنية الوداع منسوبة إليه. ومعنى الآية أن فئة من هؤلاء المنافقين طلبوا الإفساد والخبال من قبل أن يظهر أمرهم، وينزل الوحي بما أسروه وبما سيفعلونه، فأجالوا الرأي في كيفية اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن الله تعالى أعلمه بذلك وكشف سرهم وهم كارهون لذلك. قال البقاعي في تفسيره (نظم الدرر) في تفسير هذه الآية: «ولما أخبر سبحانه بذلك، وحث على قبول أخبارهم بما وصف به ذاته الأقدس من إحاطة العلم، شرع يقيم الدليل على ما قال بتذكيرهم بأشياء تقدمت مشاهدتها منهم، فقال معللا لما أخبر به: (لقد ابتغوا) أي طلبوا طلبا عظيما كلهم لكم (الفتنة) أي لتشتيتكم (من قبل) أي قبل هذه الغزوة في يوم أحد بكسر قلوب العسكر بالرجوع عنه حتى كاد بعضهم أن يفشل، وفي المريسيع بما قال ابن أبيّ ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقون: 8]، وفي غزوة الخندق بما وقع منهم من التكذيب في أخذ كنوز كسرى وقيصر والإرجاف بكم في نقض بني قريظة، وغير ذلك كما صنعوا قبله في غزوة قينقاع والنضير في قصدهم تقوية كل منهم عليكم، وفي غير ذلك من أيام الله التي عكس فيها قصودهم وأنعس جدودهم (وقلبوا) أي تقليبا كثيرا (لك الأمور) أي التي لك فيها أذى ظهرا لبطن بإحالة الآراء وتدبير المكايد والحيل لعلهم يجدون فرصة في نقض أمرك ينتهزونها أو ثغرة في حالة يوسعونها، وامتد بهم الحال في هذا المحال ﴿حتى جاء الحق﴾ أي الثابت الذي لا مراء في مزاولته مما تقدم به وعده سبحانه من إظهار الدين وقمع المفسدين ﴿وظهر أمر الله﴾ أي المتصف بجميع صفات الكمال من الجلال والجمال حتى لا مطمع لهم في ستره (وهم كارهون) أي لجميع ذلك فلم يبق لهم مطمع في محاولة بمواجهة ولا مخاتلة فصار همهم الآن الاعتزال والمبالغة في إخفاء الأحوال وستر الأفعال والأقوال».
(7) قوله تعالى: ﴿ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين﴾. فيه تربية للمؤمنين على أن الفتنة لا تكون في الخروج للقتال في سبيل الله تعالى بل تكون في القعود عن الجهاد مع القاعدين من المرضى وأصحاب العاهات والنساء والأطفال. قال محمد بن إسحاق: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للجد بن قيس أخي بني سلمة لما أراد الخروج إلى تبوك: (يا جد، هل لك في جلاد بني الأصفر تتخذ منهم سراري ووصفاء) فقال الجد: قد عرف قومي أني مغرم بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بني الأصفر ألا أصبر عنهن، فلا تفتني وأذن لي في القعود، وأعينك بمالي، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (قد أذنت لك) فنزلت هذه الآية». ولما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم لبني سلمة، وكان الجد بن قيس منهم: «من سيدكم يا بني سلمة»؟ قالوا: الجد بن قيس، غير أنه بخيل جبان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأي داء أدوى من البخل، بل سيدكم الفتى الأبيض بشر بن البراء بن معرور» (الحاكم في المستدرك والطبراني في الكبير).
(8) قوله تعالى: ﴿إن تصبك حسنة تسؤهم، وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل، ويتولوا وهم فرحون﴾. فيه بيان من الله تعالى للمؤمنين على نوع آخر من كيد المنافقين وخبث طويتهم وسوء باطنهم وذلك أنهم: إن أصاب الرسول والمؤمنين النصر في بعض الغزوات كما في بدر ساءهم ذلك، وإن أصابهم نكبة وشدة كما في أحد سرهم ذلك وقالوا قد أخذنا حذرنا وحيطتنا فلم نقع في نفس الأمر، وتولوا وهم فرحون مسرورون. وهذه الآية محمولة على كل حسنة تصيب المؤمنين وعلى كل مصيبة تصيب المؤمنين لأن موقف المنافقين هو ديدن وعادة وترقب ومتابعة للأمور. قال الألوسي في تفسيره (روح المعاني) في تفسير هذه الآية: «إن تصبك) في بعض مغازيك (حسنة) من الظفر والغنيمة (تسؤهم) تلك الحسنة، أي تورثهم مساءة وحزنا لفرط حسدهم لعنهم الله تعالى وعداوتهم (وإن تصبك) في بعضها (مصيبة) كانكسار جيش وشدة (يقولوا) متبجحين بما صنعوا حامدين لآرائهم ﴿قد أخذنا أمرنا﴾ أي تلافينا ما يهمنا من الأمر يعنون به التخلف والقعود عن الحرب والمداراة مع الكفرة وغير ذلك من أمور الكفر والنفاق قولا وفعلا (من قبل) أي من قبل إصابة المصيبة حيث ينفع التدارك، يشيرون بذلك إلى أن نحو ما صنعوه إنما يروج عند الكفرة بوقوعه حال قوة الإسلام لا بعد إصابة المصيبة (ويتولوا) أي وينصرفوا عن متحدثهم ومحل اجتماعهم إلى أهليهم وخاصتهم أو يتفرقوا وينصرفوا عنك يا رسول الله (وهم فرحون) بما صنعوا وبما أصابك من السيئة، والجملة في موضع الحال من الضمير في (يقولوا * يتولوا) فإن الفرح مقارن للأمرين معا، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على دوام السرور، وإنما لم يؤت بالشرطية الثانية على طرز الأولى بأن يقال: وإن تصبك مصيبة تسرهم بل أقيم ما يدل على ذلك مقامه مبالغة في فرط سرورهم مع الإيذان بأنهم في معزل عن إدراك سوء صنيعهم لاقتضاء المقام ذلك، وقل: إن إسناد المساءة إلى الحسنة والمسرة إلى أنفسهم للايذان باختلاف حالهم حالتي عروض المساءة والمسرة، بأنهم في الأولى مضطرون وفي الثانية مختارون. وقوبل هنا الحسنة بالمصيبة ولم تقابل بالسيئة كما قال سبحانه في سورة آل عمران: ﴿وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها﴾ [آل عمران: 120] لأن الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو هناك للمؤمنين وفرق بين المخاطبين، فإن الشدة لا تزيده صلى الله عليه وسلم إلا ثوابا فإنه المعصوم في جميع أحواله عليه الصلاة والسلام. وتقييد الإصابة في بعض الغزوات لدلالة السياق عليه، وليس المراد به بعضا معينا هو هذه الغزوة التي استأذنوا في التخلف عنها وهو ظاهر. نعم سبب النزول يوهم ذلك، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: جعل المنافقون الذين تخلفوا في المدينة يخبرون عن النبي أخبار السوء يقولون: إن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا فبلغهم تكذيب حديثهم وعافية النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه فأنزل الله تعالى الآية فتأمل».
(9) قوله تعالى: ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾. فيه تربية على الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى، والمعنى أنه لن يصيبنا خير ولا شر، ولا خوف ولا رجاء، ولا شدة ولا رخاء، إلا وهو مقدر علينا مكتوب عند الله تعالى في اللوح المحفوظ. وقيل: لن يصيبنا إلا ما أخبرنا به في كتابه من أنا إما أن نظفر فيكون الظفر حسنى لنا، وإما أن نقتل فتكون الشهادة أعظم حسنى لنا. والمعنى كل شئ بقضاء وقدر. قال الشوكاني في كتابه (فتح القدير) في تفسير هذه الآية: «ثم لما قالوا هذا القول أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب عليهم بقوله: ﴿لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾ أي: في اللوح المحفوظ، أو في كتابه المنزّل علينا، وفائدة هذا الجواب أن الإنسان إذا علم أن ما قدّره الله كائن، وأن كل ما ناله من خير أو شرّ إنما هو بقدر الله وقضائه، هانت عليه المصائب، ولم يجد مرارة شماتة الأعداء وتشفي الحسدة. (هو مولانا) أي: ناصرنا وجاعل العاقبة لنا، ومظهر دينه على جميع الأديان، والتوكل على الله تفويض الأمور إليه، والمعنى: أن من حق المؤمنين أن يجعلوا توكلهم مختصا بالله سبحانه، لا يتوكلون على غيره. وقال الزجاج: معناه لا يصيبنا إلا ما اختصنا الله من النصرة عليكم أو الشهادة».
(10) قوله تعالى: ﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، فتربصوا إنا معكم متربصون﴾. فيه تربية للمنافقين من خلال خطابهم بأسلوب الاستفهام الذي يحمل معنى التوبيخ ﴿قل هل تربصون بنا﴾، والمراد بالحسنيين الغنيمة والشهادة. وأما قوله: ﴿ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده﴾ أي عقوبة تهلككم كما أصاب الأمم الخالية من قبلكم، (أو بأيدينا) أي يؤذن لنا في قتالكم، (فتربصوا) أمر ويحمل معنى التهديد والوعيد. أي انتظروا مواعد الشيطان إنا منتظرون مواعد الرحمن. قال الخازن في كتابه (لباب التأويل) في تفسير هذه الآية: «قل هل تربصون بنا) يعني : قل يا محمد لهؤلاء المنافقين هل تنتظرون بنا أيها المنافقون ﴿إلا إحدى الحسنيين﴾ يعني: إما النصر والغنيمة وإما الشهادة والمغفرة، وذلك أن المسلم إذا ذهب إلى الغزو والجهاد في سبيل الله إما أن يغلب عدوه فيفوز بالنصر والغنيمة والأجر العظيم في الآخرة وإما أن يقتل في سبيل الله فتحصل له الشهادة وهي الغاية القصوى، ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تكفل الله) وفي رواية (تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة) أخرجاه في الصحيحين. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ونحن نتربص بكم﴾ يعني ونحن ننتظر بكم إحدى السوأيين ﴿أن يصيبكم الله بعذاب من عنده﴾ يعني فيهلككم كما أهلك من كان قبلكم من الأمم الخالية (أو بأيدينا) يعني أو يصيبكم بأيدي المؤمنين بأن يظفرنا بكم ويظهرنا عليكم ﴿فتربصوا إنا معكم متربصون﴾ قال الحسن: فتربصوا مواعيد الشيطان إنا متربصون مواعيد الله من إظهار دينه واستئصال من خالفه».