يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ 38
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 38-41]
(1) قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾. قال الرازي في تفسير هذه الآية: «اعلم أنه تعالى لما شرح معايب هؤلاء الكفار وفضائحهم، عاد إلى الترغيب في مقاتلتهم. وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر في الآيات السابقة أسبابا كثيرة موجبة لقتالهم، وذكر منافع كثيرة تحصل من مقاتلتهم، وذكر أقوالهم المنكرة وأعمالهم القبيحة في الدين والدنيا، وعند هذا لا يبقى للإنسان مانع من قتالهم إلا مجرد أن يخاف القتل ويحب الحياة، فبين تعالى أن هذا المانع خسيس لأن سعادة الدنيا بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة في البحر، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل جهل وسفه. والمروي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام لما رجع من الطائف أقام بالمدينة وأمر بجهاد الروم، وكان ذلك الوقت زمان شدة الحر وطابت ثمار المدينة وأينعت، واستعظموا غزو الروم وهابوه، فنزلت هذه الآية. قال المحققون: وإنما استثقل الناس ذلك لوجوه: (أحدها) شدة الزمان في الصيف والقحط. (وثانيها) بعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الكثير الزائد على ما جرت به العادة في سائر الغزوات. (وثالثها) إدراك الثمار بالمدينة في ذلك الوقت. (ورابعها) شدة الحر في ذلك الوقت. (وخامسها) مهابة عسكر الروم فهذه الجهات الكثيرة اجتمعت فاقتضت تثاقل الناس عن ذلك الغزو، والله أعلم. وأصل النفر الخروج إلى مكان لأمر واجب، واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير، ومنه قولهم: فلان لا في العير ولا في النفير. وقوله: ﴿اثاقلتم إِلَى الأرض﴾ معناه: ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه، وقيل معناه: ملتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها، وقوله: ﴿ما لكم إذا قيل لكم﴾ وإن كان في الظاهر استفهاما إلا أن المراد منه المبالغة في الإنكار. ثم قال تعالى: ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾ والمعنى كأنه قيل: قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال، وقد شرحنا المنافع العظيمة التي تحصل عند القتال، وبينا أنواع فضائحهم وقبائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم، فتركتم جميع هذه الأمور، أليس أن معبودكم يأمركم بمقاتلتهم وتعلمون أن طاعة المعبود توجب الثواب العظيم في الآخرة؟ فهل يليق بالعاقل ترك الثواب العظيم في الآخرة لأجل المنفعة اليسيرة الحاصلة في الدنيا؟ والدليل على أن متاع الدنيا في الآخرة قليل هو أن لذات الدنيا خسيسة في أنفسها ومشوبة بالآفات والبليات ومنقطعة عن قريب لا محالة، ومنافع الآخرة شريفة عالية خالصة عن كل الآفات، ودائمة أبدية سرمدية وذلك يوجب القطع بأن متاع الدنيا قليل حقير خسيس».
(2) قوله تعالى: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما، ويستبدل قوما غيركم، ولا تضروه شيئا، والله على كل شئ قدير﴾. وهذه الآية متتمة للآية السابقة في موضوع النفير للقتال، ففي الآية السابقة رغّب الله تعالى في القتال وفي هذه الآية رهّب من ترك القتال من خلال ثلاثة أمور: (الأول) قوله تعالى: ﴿يعذبكم عذابا أليما﴾، ومعناه الترهيب من العذاب في الدنيا والآخرة. (والثاني) قوله تعالى: ﴿ويستبدل قوما غيركم﴾، والمراد منه الترهيب بالاستبدال، فهم إن لم يبادروا إلى القتال فإن الله تعالى يستبدل بهم قوما يقاتلون ويحصل لهم المجد في الدنيا والآخرة، وهذا كقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾ [المائدة: 54]. (والثالث) قوله تعالى: والثالث : قوله : ﴿ولا تضروه شيئا﴾، لأن الله غني عن العالمين، فطاعة المطيع لا تزيد في ملكه شيئا، ومعصية العاصي لا تنقص من ملكه شيئا، وهذا كقوله تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) (مسلم). ثم قال تعالى: ﴿والله على كل شيء قدير﴾ وفيه تنبيه على شدة الزجر من حيث إنه تعالى قادر على الوفاء بوعيده في كل ما توعد به في هذه الآية وفي غيرها.
(3) قوله تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثان اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾. وهذه الآية أيضا متتمة للآيتين السابقتين في ترغيب المؤمنين في نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم والقتال معه، وذلك أنه تعالى يقول لهم هنا: إن لم تشتغلوا بنصرته فإني سوف أنصره الآن وفي المستقبل كما نصرته في الماضي مرات عديدة، ومن تلك المرات حين نصرته في هجرته من مكة إلى المدينة، حيث أنزلت عليه سكينتي وأيدته بالملائكة فلم يصل إليه شيء من أذى الكفار الذين كانوا يطاردونه بهدف قتله والتخلص منه. وقد لخص القرطبي قصة الهجرة المذكورة في هذه الآية فقال: «ولما رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة قالوا: هذا شر شاغل لا يطاق، فأجمعوا أمرهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبيتوه ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله أن يعمي عليهم أثره، فطمس الله على أبصارهم فخرج وقد غشيهم النوم، فوضع على رؤوسهم ترابا ونهض فلما أصبحوا خرج عليهم علي رضي الله عنه وأخبرهم أن ليس في الدار أحد فعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فات ونجا. وتواعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق للهجرة، فدفعا راحلتيهما إلى عبد الله بن أرقط. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خوخة في ظهر دار أبي بكر التي في بني جمح ونهضا نحو الغار في جبل ثور. فلما فقدته قريش جعلت تطلبه بقائف معروف بقفاء الأثر، حتى وقف على الغار فقال: هنا انقطع الأثر. فنظروا فإذا بالعنكبوت قد نسج على فم الغار من ساعته، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله فلما رأوا نسج العنكبوت أيقنوا أن لا أحد فيه فرجعوا وجعلوا في النبي صلى الله عليه وسلم مائة ناقة لمن رده عليهم. وقد روي من حديث أبي الدرداء وثوبان: أن الله عز وجل أمر حمامة فباضت على نسج العنكبوت، وجعلت ترقد على بيضها، فلما نظر الكفار إليها ردهم ذلك عن الغار. وقوله تعالى: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ هذه الآية تضمنت فضائل الصديق رضي الله عنه. قال مالك: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ هو الصديق. فحقق الله تعالى قوله له بكلامه ووصف الصحبة في كتابه. قال بعض العلماء: من أنكر أن يكون عمر أو عثمان أو أحد من الصحابة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كذاب مبتدع. ومن أنكر أن يكون أبو بكر رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر، لأنه رد نص القرآن. ومعنى ﴿إن الله معنا﴾ أي بالنصر والرعاية والحفظ والكلاءة. روى الترمذي عن أنس بن مالك أن أبا بكر حدثه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، فقال: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما».
(4) قوله تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾. وهذه هي الآية الرابعة على التوالي في نفس الأمر وهو الترغيب في النفير للقتال والتضحية بالمال والنفس في سبيل الله تعالى، وفيها أمر جازم بالنفير على أي صفة كان عليها المؤمن من حيث الخفة أو الثقل، كما فيها أمر جازم بالجهاد بالمال والنفس في سبيل الله تعالى على أية حال كان فيها المؤمن. وفي قوله تعالى: ﴿ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ ترغيب في النفير من حيث ثواب الآخرة لأن ما يستفاد بالجهاد من نعيم الآخرة خير مما يستفيده القاعد عنه من الراحة والدعة والتنعم بهما، وما يحصل من الخيرات في الآخرة على الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل، ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن القول بالقيامة حق، وأن القول بالثواب والعقاب حق وصدق. وقد ذكر عدد من المفسرين أن هذه الآية أول ما نزل من سورة براءة من حيث ترتيب النزول، والله أعلم.
(1) قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾. قال الرازي في تفسير هذه الآية: «اعلم أنه تعالى لما شرح معايب هؤلاء الكفار وفضائحهم، عاد إلى الترغيب في مقاتلتهم. وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر في الآيات السابقة أسبابا كثيرة موجبة لقتالهم، وذكر منافع كثيرة تحصل من مقاتلتهم، وذكر أقوالهم المنكرة وأعمالهم القبيحة في الدين والدنيا، وعند هذا لا يبقى للإنسان مانع من قتالهم إلا مجرد أن يخاف القتل ويحب الحياة، فبين تعالى أن هذا المانع خسيس لأن سعادة الدنيا بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة في البحر، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل جهل وسفه. والمروي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام لما رجع من الطائف أقام بالمدينة وأمر بجهاد الروم، وكان ذلك الوقت زمان شدة الحر وطابت ثمار المدينة وأينعت، واستعظموا غزو الروم وهابوه، فنزلت هذه الآية. قال المحققون: وإنما استثقل الناس ذلك لوجوه: (أحدها) شدة الزمان في الصيف والقحط. (وثانيها) بعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الكثير الزائد على ما جرت به العادة في سائر الغزوات. (وثالثها) إدراك الثمار بالمدينة في ذلك الوقت. (ورابعها) شدة الحر في ذلك الوقت. (وخامسها) مهابة عسكر الروم فهذه الجهات الكثيرة اجتمعت فاقتضت تثاقل الناس عن ذلك الغزو، والله أعلم. وأصل النفر الخروج إلى مكان لأمر واجب، واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير، ومنه قولهم: فلان لا في العير ولا في النفير. وقوله: ﴿اثاقلتم إِلَى الأرض﴾ معناه: ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه، وقيل معناه: ملتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها، وقوله: ﴿ما لكم إذا قيل لكم﴾ وإن كان في الظاهر استفهاما إلا أن المراد منه المبالغة في الإنكار. ثم قال تعالى: ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾ والمعنى كأنه قيل: قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال، وقد شرحنا المنافع العظيمة التي تحصل عند القتال، وبينا أنواع فضائحهم وقبائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم، فتركتم جميع هذه الأمور، أليس أن معبودكم يأمركم بمقاتلتهم وتعلمون أن طاعة المعبود توجب الثواب العظيم في الآخرة؟ فهل يليق بالعاقل ترك الثواب العظيم في الآخرة لأجل المنفعة اليسيرة الحاصلة في الدنيا؟ والدليل على أن متاع الدنيا في الآخرة قليل هو أن لذات الدنيا خسيسة في أنفسها ومشوبة بالآفات والبليات ومنقطعة عن قريب لا محالة، ومنافع الآخرة شريفة عالية خالصة عن كل الآفات، ودائمة أبدية سرمدية وذلك يوجب القطع بأن متاع الدنيا قليل حقير خسيس».
(2) قوله تعالى: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما، ويستبدل قوما غيركم، ولا تضروه شيئا، والله على كل شئ قدير﴾. وهذه الآية متتمة للآية السابقة في موضوع النفير للقتال، ففي الآية السابقة رغّب الله تعالى في القتال وفي هذه الآية رهّب من ترك القتال من خلال ثلاثة أمور: (الأول) قوله تعالى: ﴿يعذبكم عذابا أليما﴾، ومعناه الترهيب من العذاب في الدنيا والآخرة. (والثاني) قوله تعالى: ﴿ويستبدل قوما غيركم﴾، والمراد منه الترهيب بالاستبدال، فهم إن لم يبادروا إلى القتال فإن الله تعالى يستبدل بهم قوما يقاتلون ويحصل لهم المجد في الدنيا والآخرة، وهذا كقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾ [المائدة: 54]. (والثالث) قوله تعالى: والثالث : قوله : ﴿ولا تضروه شيئا﴾، لأن الله غني عن العالمين، فطاعة المطيع لا تزيد في ملكه شيئا، ومعصية العاصي لا تنقص من ملكه شيئا، وهذا كقوله تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) (مسلم). ثم قال تعالى: ﴿والله على كل شيء قدير﴾ وفيه تنبيه على شدة الزجر من حيث إنه تعالى قادر على الوفاء بوعيده في كل ما توعد به في هذه الآية وفي غيرها.
(3) قوله تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثان اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾. وهذه الآية أيضا متتمة للآيتين السابقتين في ترغيب المؤمنين في نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم والقتال معه، وذلك أنه تعالى يقول لهم هنا: إن لم تشتغلوا بنصرته فإني سوف أنصره الآن وفي المستقبل كما نصرته في الماضي مرات عديدة، ومن تلك المرات حين نصرته في هجرته من مكة إلى المدينة، حيث أنزلت عليه سكينتي وأيدته بالملائكة فلم يصل إليه شيء من أذى الكفار الذين كانوا يطاردونه بهدف قتله والتخلص منه. وقد لخص القرطبي قصة الهجرة المذكورة في هذه الآية فقال: «ولما رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة قالوا: هذا شر شاغل لا يطاق، فأجمعوا أمرهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبيتوه ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله أن يعمي عليهم أثره، فطمس الله على أبصارهم فخرج وقد غشيهم النوم، فوضع على رؤوسهم ترابا ونهض فلما أصبحوا خرج عليهم علي رضي الله عنه وأخبرهم أن ليس في الدار أحد فعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فات ونجا. وتواعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق للهجرة، فدفعا راحلتيهما إلى عبد الله بن أرقط. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خوخة في ظهر دار أبي بكر التي في بني جمح ونهضا نحو الغار في جبل ثور. فلما فقدته قريش جعلت تطلبه بقائف معروف بقفاء الأثر، حتى وقف على الغار فقال: هنا انقطع الأثر. فنظروا فإذا بالعنكبوت قد نسج على فم الغار من ساعته، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله فلما رأوا نسج العنكبوت أيقنوا أن لا أحد فيه فرجعوا وجعلوا في النبي صلى الله عليه وسلم مائة ناقة لمن رده عليهم. وقد روي من حديث أبي الدرداء وثوبان: أن الله عز وجل أمر حمامة فباضت على نسج العنكبوت، وجعلت ترقد على بيضها، فلما نظر الكفار إليها ردهم ذلك عن الغار. وقوله تعالى: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ هذه الآية تضمنت فضائل الصديق رضي الله عنه. قال مالك: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ هو الصديق. فحقق الله تعالى قوله له بكلامه ووصف الصحبة في كتابه. قال بعض العلماء: من أنكر أن يكون عمر أو عثمان أو أحد من الصحابة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كذاب مبتدع. ومن أنكر أن يكون أبو بكر رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر، لأنه رد نص القرآن. ومعنى ﴿إن الله معنا﴾ أي بالنصر والرعاية والحفظ والكلاءة. روى الترمذي عن أنس بن مالك أن أبا بكر حدثه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، فقال: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما».
(4) قوله تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾. وهذه هي الآية الرابعة على التوالي في نفس الأمر وهو الترغيب في النفير للقتال والتضحية بالمال والنفس في سبيل الله تعالى، وفيها أمر جازم بالنفير على أي صفة كان عليها المؤمن من حيث الخفة أو الثقل، كما فيها أمر جازم بالجهاد بالمال والنفس في سبيل الله تعالى على أية حال كان فيها المؤمن. وفي قوله تعالى: ﴿ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ ترغيب في النفير من حيث ثواب الآخرة لأن ما يستفاد بالجهاد من نعيم الآخرة خير مما يستفيده القاعد عنه من الراحة والدعة والتنعم بهما، وما يحصل من الخيرات في الآخرة على الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل، ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن القول بالقيامة حق، وأن القول بالثواب والعقاب حق وصدق. وقد ذكر عدد من المفسرين أن هذه الآية أول ما نزل من سورة براءة من حيث ترتيب النزول، والله أعلم.