وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ 154 وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ 155 ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ 156 أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ 157 ۞ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ 158 إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ 159 إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ 160 إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ 161 خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ 162 وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ 163
الصفحة 24

أحكام الآية 158 من سورة البقرة

۞ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرࣰا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ 158

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: 158].
وذهب بعضهم إلى أن معنى هذه الآية النهي عن الطواف بين الصفا والمروة وأنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130] وهذا قول من لا تحقيق عنده. وقال اللخمي: ورد القرآن بإباحة السعي بين الصفا والمروة لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158] وتضمنت الآية الندب لقوله: ﴿مِن شَعَائِرِ﴾ [البقرة: 158] وجاءت السنة بإيجابه؛ قالت عائشة -رضي الله عنها-: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بين الصفا والمروة وليس لأحد أن يدع ذلك. وثبت الأمر به. قال ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لم يكن معه هذي فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج)) والحديثان في ((البخاري))، و ((مسلم)) وفي كلام اللخمي نظر؛ لأنه جعل السعي مباحًا مندوبًا بآية واحدة. وقال قوم من الشيوخ المتأخرين: قوله فيهما إنهما من شعائر الله دليل على الوجوب لأنه خبر في معنى الأمر، ولا دليل على سقوط السعي بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ لأنه تعالى لم يرد بالآية الطوافا لم شاء؛ لأن ذلك بعد الأمر لا يستقيم، إنما المراد رفع ما وقع في نفوس قوم من العرب أن الطواف بينهما حرج. واختلف في سبب ذلك الحرج، فروي أن الجن كانت تعزف وتطوف في الجاهلية لذلك، فلما جاء الإسلام تحرجوا عن الطواف. وروي عن الشعبي: أن العرب كانت تطوف هنالك، وكانت تعتقد ذلك السعي إجلالًا لإساف ونائلة، وكان الساعي يتمسح بإساف، فإذا بلغ المروة تمسح بنائلة وكذلك حتى تتم أشواطه، فلما جاء الإسلام كرهوا السعي هناك إذ كان بسبب الصنمين. وروي عن عائشة: أن ذلك في الأنصار، وذلك أنهم كانوا يهلون لمناة التي كانت بالمشلل حذو قديد ويعظمونها، فكانوا لا يطوفون بين إساف ونائلة إجلالًا لتلك، فلما جاء الإسلام تحرجوا فنزلت الآية. وما روي عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وشهر بن حوشب، من أنهم يرون ألا يطوفوا بهما وكذلك في مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب: ((ألا يطوف)) وقيل: ((لا يطوف)) فهي قراءة خالفت مصاحف الإسلام، وقد أنكرت عائشة في قولها لعروة حين قال لها: أرأيت قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فما ترين على أحد شيئًا ألا يطوف بهما؟ قالت: كلا لو كان كما قلت لقال: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما. مع أن هذه القراءة تحتمل أن تكون ((لا)) فيها زائدة كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: 12] وكقول الشاعر:
وما ألوم البيض ألا تسخرا..................
والذي يأتي على ظاهر هذه القراءة، تأويل عروة أن السعي تطوع وأنه دون الندب. ولأجل هذه التأويلات وقع الاختلاف في السعي بين الصفا والمروة. فذهب مالك وأصحابه إلى أنه واجب في الحج والعمرة وعلى من تركه حتى يرجع إلى بلده العودة حتى يأتي به. وبه قال الشافعي، وذهب الثوري وإسحاق إلى أنه ندب، وأن على من تركه الدم وإن عاد فحسن. وذكر مثله عن أبي حنيفة، وذكر عنه أنه إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم، وإن ترك ثلاثة فأقل فعليه بكل شوط إطعام مسكين. وذهب طاووس إلى أن على تاركه عمرة. وذكر ابن القصار عن إسماعيل القاضي أنه ذكر عن مالك فيمن ترك السعي بين الصفا والمروة حتى تباعد وتطاول الأمر وأصاب النساء أنه يهدي ويجزيه، قال: وأحسبه ذهب في ذلك إلى ما وصفنا للاختلاف، ولقول بعضهم إنه ليس بواجب. وقال بعضهم إنه تطوع. وهذا هو قول الثوري، وإسحاق، وذهب عطاء في إحدى الروايتين عنه إلى أنه ليس على تاركه شيء، لا دم ولا غيره، واحتج بما في مصحف ابن مسعود. وظاهر هذا أنه تطوع لا ندب. ويدل على وجوب السعي، ويؤيد تأويل الآية عليه قوله -عليه السلام-: ((اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي)).

قوله: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: 158].
معناه على قول من لا يوجب السعي فمن تطوع بالسعي بينهما، واختلف من أوجبه في معناه من أوجه؛ فقال بعضهم: زاد برًا بعد الواجب فجعلوه عامًا في الأعمال. وقال بعضهم: معناه من تطوع بحج أو عمرة بعد حجة الفريضة. وقد اختلف في السعي لمن هو راكب فكرهته عائشة وعروة بن الزبير، وأحمد، وإسحاق، ومنعه أبو ثور وقال: يجزيه. وقال أصحاب الرأي: إن كان بمكة أعاد ولا دم وإن رجع إلى الكوفة فعليه الدم، ورخصت فيه طائفة، وري عن أنس بن مالك أنه طاف على حمار، وعن عطاء ومجاهد مثله. وقال الشافعي يجزي ذلك من فعله. ومن حجة من رخص فيه أو رآه مجزيًا عموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ولم يخص راكبًا من غيره. واختلف في السعي بغير طهارة والجمهور على أنه يجزي لعموم الآية. وكان الحسن البصري لا يرى الوضوء له. وقال: إن ذكر قبل أن يحل فليعد الطواف، وإن ذكر بعدما حل فلا شيء عليه.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: 158].
ليس فيها ما يستدل به على أن البداءة من الصفا دون المروة ولا عكسه، سوى التقديم اللفظي، ولم يعتبره أكثر الفقهاء في مسألة الوصية ولم يروا للتقديم اللفظي حكمًا، ولكنهم قد راعوه في هذا الآية فرأوا البداية بالصفا. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حين خرج من المسجد، وهو يريد الطواف: ((نبدأ بما بدأ الله به)) فبدأ بالصفا. فهذا يدل على اعتباره التقديم اللفظي ما لم يعارضه معنى آخر يقتضي التقديم, هذا كله على المشهور من أن الواو لا تقتضي ترتيبًا. وقد ذهب قوم إلى أنها مرتبة، ولأجل هذا اختلفوا في وجوب الترتيب في الوضوء. فإن بدأ بالمروة قبل الصفا زاد شوطًا ثامنًا ليتم به سبعًا أولها الوقوف بالصفا. وقال عطاء في أحد قوليه: إن ذلك يجزي الجاهل. وحكم هذا السعي أن يكون مرة واحدة بإثر طواف القدوم كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم، والطواف المذكور في الآية هو السعي. والسعي المذكور هو الاشتداد في المشي والهرولة. ولا خلاف في السعي في المسافة كلها بين الصفا والمروة، منهم الزبير بن العوام، وابنه عبد الله، وكان عروة لا يصنع ذلك، كان يسعى في بطن المسيل ثم يمشي، وفي حديث ((الموطأ)): نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة، فلما تصوبت أقدامه في بطن الوادي سعى حتى خرج منه. وقال سعيد بن جبير: رأيت ابن عمر يمشي بين الصفا والمروة. وقال: إن مشيت منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى. والعمل عند جمهور العلماء على ما في الحديث المتقدم، والحديث مفسر، فالجمع بين الحديث والآية أولى. واختلف في أصل السعي، فقيل:
إن هاجر لما تركها إبراهيم -عليه السلام- هناك مع ابنه إسماعيل -عليه السلام- وهو رضيع نفد درها، فعطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه. وقيل لتنظر هل بالموضع ماء فوجدت الصفا أقرب جبل بها فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا فهبطت من الصفا حتى بلغت المروة رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي. ثم أتت المروة، فقامت عليها ونظرت فلم تر أحدًا فعلت كذلك سبع مرات.
وقيل: إنه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر الترمذي عن ابن عباس أن ذلك ليرى المشركون قوته.
فهرس الكتاب