حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ 31 ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ 32 لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ 33 وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ 34 ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ 35 وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 36 لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 37 ۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ 38
الصفحة 336

أحكام الآية 36 من سورة الحج

وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرࣱۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 36

قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ الزور لفظ عام في كل باطن من كذب وكفر وغيرهما. وروي عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((عدلت شهادة الزور بالشرك)) ثم تلا هذه الآية وهذا يرد على طائفة من أهل الظاهر يقال لهم الخطابية يجيزون شهادة الزور.
[ - - قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾]
الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء أشعر الله به تعالى وأعلم. وقد اختلف ما المراد بها في الآية. فقيل الهدي والأنعام المشعرة. ومعنى تعظيمها التسمين والاهتبال بها والمغالاة في ثمنها، وإليه ذهب ابن عباس وغيره وقد أنكر القاضي أبو إسحاق هذا القول وإنما هي جميع الشعائر. قال: ومما يبين ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: 36] فأخبر الله تعالى أن البدن من الشعائر. ومن قال بالقول الأول يريد أن يجعل البدن جميع الشعائر، قال ومما يبين ذلك قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وذلك يقتضي أن يكون أجلًا مؤقتًا كالوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة ورمي الجمار. وقيل الشعائر مواضع الحج ومعالمه كالبيت والصفا والمروة ومنى وعرفة والمزدلفة وغير ذلك، وإليه ذهب ابن عمر وغيره. وقد روي عن زيد بن أسلم أنه قال: الشعائر ست: الصفا والمروة والجمار والمشعر الحرام وعرفة والركن. والحرمات خمس: الكعبة الحرام والبيت الحرام والشهر والحرام والمسجد الحرام والمحرم حتى يحل. واختلف الذين ذهبوا إلى القول الأول في المنافع المذكورة في الآية ما هي، فقال مجاهد وغيره: أراد أن للناس في أنعامهم منافع من الصوف واللبن وغير ذلك ما لم يبعثها ربها هديًا، وإذا بعثها لم يحل له شيء من ذلك. وبعثها هو الأجل المسمى. وقال عطاء وغيره: لكم في الهدي المبعوث منافع من الركوب والاحتلاب لمن اضطر، والأجل نحرها. ولأجل هذا الخلاف في التفسير يختلف الفقهاء في مسائل. فمن ذلك ركوب الهدي، أجازه مالك من غير فدح ولم يجزه أبو حنيفة إلا عند الضرورة. قال: فإن نقصها للركوب تصدق بمقدار ما نقصها. فأجازه أهل الظاهر جملة من غير تفصيل وبه يقول أحمد وإسحاق. وأوجب بعضهم ركوبها لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور لسائق البدنة: ((اركبها)). ومن ذلك لبن الهدي، كرهه مالك ولا يعذر في فعيلها، وأجازه بعضهم عند الضرورة وأجازه بعضهم من غير تفصيل. وقال أبو حنيفة إن نقصها الشرب فعليه قيمة ذلك، وقد نسبه بعضهم للشافعي. والآية على هذا التأويل الواحد حجة أيضًا لمن أجاز شيئًا من ذلك. واختلف الذين ذهبوا إلى القول الثاني في المنافع أيضًا ما هي، فقالت فرقة: المنافع التجارة وطلب الرزق. وقالت فرقة المنافع كسب الأجر والمغفرة، والأجل على هذا القول الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة.

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾ معناه ثم أخر هذا كله إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق. فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه فاقتضى هذا أن الحاج بعد هذا الطواف قد حل له كل شيء من ممنوعات الحج. وقد اختلف فيما أبيح للحاج بعد رمي جمرة العقبة قبل طواف الإفاضة. فقال الشعبي وأبو حنيفة يحل له كل شيء إلا النساء. وقال إسحاق في أحد قوليه يحل له كل شيء إلا النساء والصيد. وقال مالك يحل له كل شيء إلا النساء والصيد والطيب، وهذا أليق بظاهر الآية لأنها تقتضي أن الذي يتم به الحج الطواف وتلك الأشياء لا تجوز قبل تمام الحج فينبغي أن لا تحل إلا بعد الطواف. واحتج مالك رحمه الله تعالى في الموطأ بهذه الآية على صحة قول عمر رضي الله تعالى عنه في طواف الوداع: لا يصدرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت فإن آخر النسك الطواف بالبيت. قال القاضي أبو إسحاق وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فإذا طاف الحاج بعد هذه المشاعر فقد حل بالبيت. قال الباجي: وهذا الذي قاله يحتاج إلى تأمل لأنه يحتمل أن يريد به حل من الإحلال، ويحتمل أن يريد حل من الحلول وهو الوصول. وظاهر اللفظ إنما يقتضي أن الشعائر تنتهي إلى البيت العتيق، إما أن يكون الطواف به أحد الشعائر وإما أن يكون نهايتها وتمامها فثبت بهذا أن طواف الوداع مستحب خلافًا لأبي حنيفة أنه واجب.
[ - قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾]
اختلف في البدن ما هي، فقيل هي ما أشعر من إبل وبقر، قاله عطاء وغيره، سميت بذلك لأنها تبدن أي تسمن. وقيل بل هذا اسم خاص بالإبل ولا تكون البدن إلا منها وهو قول مالك، وهو أظهر لأن عرف هذا اللفظ أن يكون للإبل. واختلف هل تقع على الإناث منها خاصة أو على الذكور والإناث، فذهب مالك إلى أنه يقع على الذكور والإناث واحتج بعموم الآية. وذهب غيره إلى أنها لا تكون إلى في الإناث، وتعجب مالك منه.

وقوله تعالى: ﴿صَوَافَّ﴾ جمع صافة أي قيامًا مصطفة. وقرئ صوافي جمع صافية أي خالصة لوجه الله تعالى. وقرئ صوافن جمع صافنة وهي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب. والصوافن من الخيل الرافع أحد يديه فراهية، وقيل أحد رجليه. واختلف في البدن كيف تنجر. فقيل تنحر قيامًا وهو قول مالك، قال إلا أن تصعب. وروي عن ابن عمر أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته قال: ابعثها قيامًا مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم، ويشهد لهذا القول دليل الآية لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ أي سقطت إلى الأرض، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم. وقيل تنحر قائمة وباركة وهو قول أبي حنيفة والثوري. وقيل تنحر باركة وهو الذي استحب عطاء. واختلف هل تعقل أيضًا عند النحر أم لا؟ فذهب ابن عمر وغيره إلى أنها تعقل يدها الواحدة وتقوم على الثلاث. وذهب عطاء إلى أنها تنحر معقولة وهي باركة. وذهب مالك إلى أنها ال تعقل إلا أن تمتنع، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما. ومن حجة من يرى العقل قراءة من قرأ صوافن بالنون ومن حجة من لا يراه القراءة المشهورة صواف أي قيامًا. والذين رأوا العقل اختلفوا أي يد تعقل فقال قتادة: معقولة اليد اليمنى، وقال مجاهد اليسرى وحجة هذا القول ما جاء عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليد اليسرى قائمة على ما بقي من قوامها.

وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قد مر الكلام على معناه. واختلف في القانع والمعتر، فقال ابن عباس القانع الذي يقنع لما أعطيه وهو في بيته، والمعتر هو الذي يعترض لك أن تطعمه شيئًا ولا يسألك. وقال أيضًا القانع الذي يقنع بما أعطيه والمعتر الذي يعتر بك فيسألك. وقيل القانع السائل والمعتر المعترض من غير سؤال. وقيل بعكس هذا القول. وقيل القانع الجار وإن كان غنيًا والمعتر الي يعترض ولا يسألك. وقيل القانع الفقير والمعتر الزائر. قال مالك وهو أحسن ما سمعت. وفيها أقوال غير هذه وأكثرها تتداخل فلذلك أعرضت عن جلبها. وقد أقام بعضهم من هذه الآية ومن الآية التي قبلها: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ أن الهدي أثلاث. وقال جعفر بن محمد عن أبيه أطعم القانع والمعتر ثلثًا وأهلي ثلثًا والبائس والفقير ثلثًا. وأقام بعضهم منها أن الهدي أرباع. قال ابن المسيب: ليس لصاحب الهدي منه إلا الربع. وهو والله تعالى أعلم ممن يقول ذلك على جهة الاستحسان.
[ - قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾]
هذه الآية ناسخة للمنع من القتال. وروي عن ابن عباس أنه قال: هي أول آية نزلت في القتال وروي عنه أنها نزلت عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وقال أبو بكر الصديق: لما سمعتها علمت أنه سيكون قتال. واختلف في الآية هل هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: 180] أم لا؟ قال ابن يزد هي ناسخة لها. وأنكر ذلك غيره. وقال إنها تهديد ووعيد بمنزلة قوله عز وجل: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ [الحجر: 3] وقوله: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: 91] وليس فيه نسخ، وهذا قول حسن.
[ - قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾]
استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن العقل في القلب وردوا بذلك قول من زعم أنه في الدماغ، وهو قول مالك وليس في الآية حجة واضحة لأنه لا ينكر أن يكون العقل لا يدرك شيئًا إلا بسلامة القلب. فمن شروط إدراكه صحته. فعلى ذلك يكون إضافة العقل إليه مع أن هذه المسألة مما يصعب الاحتجاج على تصحيحها بالسمع لأنها معقولة.
[ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾]
استدل بعض الناس بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ على أن كل نبي رسول وكل رسول نبي لأنه تعالى أطلق الرسالة عليهم جميعًا. فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ والذي عليه الجمهور أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسول ورأوا أن الرسالة فيهما تختلف وأنها جاءت في الآية مبهمة. ورسالة الرسول الوحي ورسالة النبي إيقاع الشيء في نفسه دون وحي. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ اختلف في معنى تمنى فقيل أراد والأمنية إرادة، والمعنى أن الشيطان ألقى ألفاظه بسبب ما تمناه رسول الله صلى الله عليه وسلم من معاينة قومه وكونهم متبعين له. قالوا فلما تمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ما لم يقضه الله تعالى وجد الشيطان السبيل فألقى ما ألقى من اللفظ. وسيأتي تفسيره. وقيل تمنى: تلا، والأمنية التلاوة. وقال تمنى كتاب الله تعالى أول ليلة وآخره لاقى حمام المقدر. وقيل تمنى والأمنية الحديث. ومعنى ألقى في حديثه أي في تطوره وخاطره ما توهمه أنه صواب ثم نبهه الله تعالى على ذلك. والذي ألقاه الشيطان في أمنيته صلى الله عليه وسلم أنه حين قرأ: ﴿والنجم﴾ [النجم: 1] في مسجد مكة قد حضر المسلمون والمشركون حتى بلغ إلى قوله: ﴿أفرأيت اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: 19، 20] فألقى الشيطان: تلك الغرانقة الأولى وأن شفاعتهم لترتجى. فقال الكفار هذا محمد قد ذكر آلهتها بما يزيد وفرحوا بذلك فلما انتهى إلى السجدة سجد الناس أجمعون إلا أمية بن خلف فإنه أخذ قبضة من تراب فرفعها إلى جبهته وقال: يكفيني هذا. وقيل هو الوليد بن المغيرة وقيل هو أبو أحيحة سعيد بن العاص. ثم اتصل الخبر بمهاجرة الحبشة أن أهل مكة اتبعوا محمدًا ففرجوا بذلك. فأقبل بعضهم فوجد ألقية الشيطان قد نسخت وأهل مكة قد وقعوا في فتنة. واختلف في صورة الإلقاء، فالذي عليه الأكثر أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بتلك الألفاظ وأن الشيطان أوهمه حتى خرجت على لسانه. وروي أن جبريل عليه السلام نزل بعد ذلك فدارسه ﴿والنجم﴾ فلما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له جبريل: لم آتك بهذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((افتريت على الله وقلت ما لم يقل)) فتفجع واغتم، فنزلت الآية. وذهب قوم إلى أن هذا لا يجوز عليه صلى الله عليه وسلم قالوا: وإنما الأمر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قوله: ﴿أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى﴾ وقرب صوته من صوت النبي صلى الله عليه وسلم حتى التبس الأمر على المشركين وقالوا قرأها محمد، ونحو هذا قد روي عن أبي المعالي. وقال ابن حزم: الحديث الذي فيه: ((وأنهن لهن الغرانيق العلا وأن شفاعتهم لترتجى)) كذب بحت لم يصح نقله فلا معنى للاشتغال به. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية، فإن المراد به الأماني الواقعة في النفس. وقد تمنى النبي صلى الله عليه وسلم إسلام عمه أبي طالب ولم يرد الله عز وجل أن يسلم. وتمنى غلبة العد يوم أحد ولم يرد الله تعالى ذلك. فهذه هي الأماني التي ذكرها الله تعالى.
قلت وقد احتج بالآية والحديث من يجيز وقوع المعاصي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا حجة فيه لضعفه وما تحمل الآية من التأويل، والنسخ في هذا الموضع الإزالة.
فهرس الكتاب