إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلࣰا كَرِيمࣰا 31
قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية:
اختلف هل التأويل في الكبائر التي وعد الله تعالى عباده باجتنابها تكفير سيئاتهم؟ فقال بعضهم: هي ما تقدم الله تعالى إلى عباده بالنهي عنه من أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية، وهذا قول ابن مسعود والنخعي.
وقال قوم: الكبائر سبع، وري هذا عن علي وعبيد بن عمير وغيره.
قال عبيد بن عمير: ليس من هذه كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الحج: 31]، و ﴿من يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها﴾ [النساء: 93]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا﴾ [النساء: 10]، و ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 23]، و ((الفرار من الزحف)): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: 15] الآية.
والسابعة: التقرب بعد الهجرة ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم﴾ [محمد: 25] الآية. وفي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا السبع الموبقات: الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات))، وقال قوم: هي تسع وروي هذا عن ابن عمر، وزاد على ما قاله على السحر والإلحاد في المسجد الحرام. وقال قوم: هي أربع/ وروي هذا أيضًا عن ابن مسعود: الإشراك بالله، والقنوت من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله. وروي عن ابن مسعود أيضًا أنها ثلاث: القنوت، والإياس، والأمن من مكر الله. وأحصى بعضهم ما جاء في القرآن والحديث من الكبائر، فكانت إحدى وثلاثين وتضمنت جميع الأقوال المتقدمة: الشرك، وقتل النفس، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وأن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، والزنا، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وقذف المحصنات، والسرقة، وشرب الخمر، والنميمة، والإضرار في الوصية، والقنوط من رحمة الله، ومنع ابن السبيل الماء، والإلحاد في المسجد الحرام، والذي يتسبب لوالديه، ومنعًا وهات، ووأد البنات، والنميمة، وترك التحرز من البول، والغلول، واستطالة الرجل في العرض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه))، والربا من الكبائر، وسرقة الصلاة من الكبائر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أسوأ السرقة الذي يسرق صلاته))، والسرقة من الكبائر والجور في الحكم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]، والأمن من مكر الله والتعرف بعد الهجرة. وهذه الأقوال المتقدمة هي أقوال من ذهب في الكبائر إلى حصرها. والصواب في ذلك قول من ذهب إلى أنها لا تنحصر. قيل لابن عباس: الكبائر سبع، قال: هي إلى السبعين أقرب، وفي رواية أخرى عنه: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى سبع غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار. والذين لم يروا حصرها اختلفوا في رسمها، فروي عن ابن عباس وغيره أنهم قالوا: الكبائر كل ذنب ختمه الله تعالى بنار أو غضب أو لعنة. وقال قوم: كل ما نهى الله تعالى عنه فهو كبيرة. وروي ذلك عن ابن عباس أيضًا، وقالت الأشعرية: كل ما عصى الله تعال فيه كبيرة. وعلى قول غير الأشعرية: من الذنوب كبائر وصغائر، وعلى قول الأشعرية: الذنوب كلها كبائر؛ لأنه ما من ذنب يرتكبه أحد إلى وهو عاص لله تعالى به، فمعاصي الله تعالى كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغائر بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، وحجة القول الأول أن الله تعالى قد ميز بين الكبائر وما سماه سيئات بقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: 31] الآية، فأخبر أن السيئات يكفرها اجتناب الكبائر إذا كانت الذنوب كلها كبائر، فأي شيء كفر بعد اجتنابها، فإذا لا بد أن تكون ثم ذنوب تغفر باجتناب الكبائر ولا تكون تلك إلا الصغائر، فثم إذا كبائر وصغائر. وقد اختلفوا هل تغفر الصغائر باجتناب الكبائر أم لا؟ فذهب عامة الفقهاء وجماعة أهل التأويل إلى أن الصغائر تغفر باجتناب الكبائر قطعًا، وذهب الأشعرية إلى أنه لا ذنب يغفر باجتناب ذنب آخر قطعًا، وهذا مبني على أصله من أن الذنوب كلها كبائر، فسووا بين الذنوب كلها، وجعلوا مرتكب شيء منها في المشيئة إلا الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 42]، واحتجوا بقراءة من قرأ: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ﴾ على التوحيد يعنون الشرك. وقال الفراء: من قرأ كبائر فالمراد به كبير وأكبر الإثم الشرك، وقد يأتي لفظ الجمع يراد به الواحد. قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 105]، ولم يأتهم إلا نوح عليه السلام وحده. وقال بعضهم: الكبائر هنا جاءت على الجمع؛ لأن المراد بها جميع أنواع الشرك التي لا تصلح معها الأعمال. قالوا: لجواز العقاب على الصغيرة كجوازه على الكبيرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظن أن تبلغ حيث بلغت، يكتب الله تعالى له بها سخطه إلى يوم القيامة))، وحجة الفقهاء وأهل التأويل ظاهر قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، قالوا: معناه نكفر عنكم أيها المؤمنون باجتناب الكبائر صغائر سيئاتكم؛ لأن الله تعالى قد وعد مجتنبها تكفير ما عداها من سيئاته، ولا يخلف الميعاد.
- وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ الآية:
للذكر مثل حظ الأنثيين هلا جعلت أنصباؤنا كأنصاب الرجال؟ وقول الرجال: إنا لنرجو أن نفضل بحسناتنا على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث. وقيل: قالت أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله فضل الرجال على النساء في الغزو والميراث، فنزلت الآية. وقيل: قال النساء: للرجال لهم نصيبان من الذنوب كما لهم نصيبان من الميراث، فنزلت الآية. وفي مقتضى ما ذكر من هذه الأسباب حسد النساء للرجال فيما خصهم الله به من زيادة الميراث والغزو.
وقد روي في القول الأول: أنهن تمنين ذلك فنزلت الآية نهيًا عن كل تمن بخلاف حكم شرعي. ويدخل في النهي أن ينتمي الرجال حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر، وهذا هو الحسد. واختلف في تمني الرجل من غير أن يزول حاله وهو الغبطة. هل يدخل في النهي فلا يجوز أم ليس بداخل في النهي فيجوز؟ فكرهه قوم ورأوا النهي مشتملًا عليه وأجازه آخرون؛ واحتجوا لجوازه وخروجه عن النهي بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا حسدت فلا تبغ))، أي لا تتمنى زوال ما بصاحبك من نعمة لتنصرف إليك. قال بعضهم: وهذا في نعم الدنيا. وأما في الأعمال الصالحات، فلذلك من الحسن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله علمًا... )) الحديث. وأما تمني الرجل شيئًا من غير أن يقرن أمنيته بأحد فجائز أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 32]، ومما يدخل تحت المنهي عنه خطبة الرجل على خطبة أخيه؟
اختلف هل التأويل في الكبائر التي وعد الله تعالى عباده باجتنابها تكفير سيئاتهم؟ فقال بعضهم: هي ما تقدم الله تعالى إلى عباده بالنهي عنه من أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية، وهذا قول ابن مسعود والنخعي.
وقال قوم: الكبائر سبع، وري هذا عن علي وعبيد بن عمير وغيره.
قال عبيد بن عمير: ليس من هذه كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الحج: 31]، و ﴿من يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها﴾ [النساء: 93]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا﴾ [النساء: 10]، و ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 23]، و ((الفرار من الزحف)): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: 15] الآية.
والسابعة: التقرب بعد الهجرة ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم﴾ [محمد: 25] الآية. وفي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا السبع الموبقات: الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات))، وقال قوم: هي تسع وروي هذا عن ابن عمر، وزاد على ما قاله على السحر والإلحاد في المسجد الحرام. وقال قوم: هي أربع/ وروي هذا أيضًا عن ابن مسعود: الإشراك بالله، والقنوت من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله. وروي عن ابن مسعود أيضًا أنها ثلاث: القنوت، والإياس، والأمن من مكر الله. وأحصى بعضهم ما جاء في القرآن والحديث من الكبائر، فكانت إحدى وثلاثين وتضمنت جميع الأقوال المتقدمة: الشرك، وقتل النفس، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وأن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، والزنا، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وقذف المحصنات، والسرقة، وشرب الخمر، والنميمة، والإضرار في الوصية، والقنوط من رحمة الله، ومنع ابن السبيل الماء، والإلحاد في المسجد الحرام، والذي يتسبب لوالديه، ومنعًا وهات، ووأد البنات، والنميمة، وترك التحرز من البول، والغلول، واستطالة الرجل في العرض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه))، والربا من الكبائر، وسرقة الصلاة من الكبائر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أسوأ السرقة الذي يسرق صلاته))، والسرقة من الكبائر والجور في الحكم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]، والأمن من مكر الله والتعرف بعد الهجرة. وهذه الأقوال المتقدمة هي أقوال من ذهب في الكبائر إلى حصرها. والصواب في ذلك قول من ذهب إلى أنها لا تنحصر. قيل لابن عباس: الكبائر سبع، قال: هي إلى السبعين أقرب، وفي رواية أخرى عنه: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى سبع غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار. والذين لم يروا حصرها اختلفوا في رسمها، فروي عن ابن عباس وغيره أنهم قالوا: الكبائر كل ذنب ختمه الله تعالى بنار أو غضب أو لعنة. وقال قوم: كل ما نهى الله تعالى عنه فهو كبيرة. وروي ذلك عن ابن عباس أيضًا، وقالت الأشعرية: كل ما عصى الله تعال فيه كبيرة. وعلى قول غير الأشعرية: من الذنوب كبائر وصغائر، وعلى قول الأشعرية: الذنوب كلها كبائر؛ لأنه ما من ذنب يرتكبه أحد إلى وهو عاص لله تعالى به، فمعاصي الله تعالى كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغائر بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، وحجة القول الأول أن الله تعالى قد ميز بين الكبائر وما سماه سيئات بقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: 31] الآية، فأخبر أن السيئات يكفرها اجتناب الكبائر إذا كانت الذنوب كلها كبائر، فأي شيء كفر بعد اجتنابها، فإذا لا بد أن تكون ثم ذنوب تغفر باجتناب الكبائر ولا تكون تلك إلا الصغائر، فثم إذا كبائر وصغائر. وقد اختلفوا هل تغفر الصغائر باجتناب الكبائر أم لا؟ فذهب عامة الفقهاء وجماعة أهل التأويل إلى أن الصغائر تغفر باجتناب الكبائر قطعًا، وذهب الأشعرية إلى أنه لا ذنب يغفر باجتناب ذنب آخر قطعًا، وهذا مبني على أصله من أن الذنوب كلها كبائر، فسووا بين الذنوب كلها، وجعلوا مرتكب شيء منها في المشيئة إلا الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 42]، واحتجوا بقراءة من قرأ: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ﴾ على التوحيد يعنون الشرك. وقال الفراء: من قرأ كبائر فالمراد به كبير وأكبر الإثم الشرك، وقد يأتي لفظ الجمع يراد به الواحد. قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 105]، ولم يأتهم إلا نوح عليه السلام وحده. وقال بعضهم: الكبائر هنا جاءت على الجمع؛ لأن المراد بها جميع أنواع الشرك التي لا تصلح معها الأعمال. قالوا: لجواز العقاب على الصغيرة كجوازه على الكبيرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظن أن تبلغ حيث بلغت، يكتب الله تعالى له بها سخطه إلى يوم القيامة))، وحجة الفقهاء وأهل التأويل ظاهر قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، قالوا: معناه نكفر عنكم أيها المؤمنون باجتناب الكبائر صغائر سيئاتكم؛ لأن الله تعالى قد وعد مجتنبها تكفير ما عداها من سيئاته، ولا يخلف الميعاد.
- وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ الآية:
للذكر مثل حظ الأنثيين هلا جعلت أنصباؤنا كأنصاب الرجال؟ وقول الرجال: إنا لنرجو أن نفضل بحسناتنا على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث. وقيل: قالت أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله فضل الرجال على النساء في الغزو والميراث، فنزلت الآية. وقيل: قال النساء: للرجال لهم نصيبان من الذنوب كما لهم نصيبان من الميراث، فنزلت الآية. وفي مقتضى ما ذكر من هذه الأسباب حسد النساء للرجال فيما خصهم الله به من زيادة الميراث والغزو.
وقد روي في القول الأول: أنهن تمنين ذلك فنزلت الآية نهيًا عن كل تمن بخلاف حكم شرعي. ويدخل في النهي أن ينتمي الرجال حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر، وهذا هو الحسد. واختلف في تمني الرجل من غير أن يزول حاله وهو الغبطة. هل يدخل في النهي فلا يجوز أم ليس بداخل في النهي فيجوز؟ فكرهه قوم ورأوا النهي مشتملًا عليه وأجازه آخرون؛ واحتجوا لجوازه وخروجه عن النهي بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا حسدت فلا تبغ))، أي لا تتمنى زوال ما بصاحبك من نعمة لتنصرف إليك. قال بعضهم: وهذا في نعم الدنيا. وأما في الأعمال الصالحات، فلذلك من الحسن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله علمًا... )) الحديث. وأما تمني الرجل شيئًا من غير أن يقرن أمنيته بأحد فجائز أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 32]، ومما يدخل تحت المنهي عنه خطبة الرجل على خطبة أخيه؟