وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ 23 وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ 24 وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٖ وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 25 قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ 26 وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ 27 فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيۡدِكُنَّۖ إِنَّ كَيۡدَكُنَّ عَظِيمٞ 28 يُوسُفُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَاۚ وَٱسۡتَغۡفِرِي لِذَنۢبِكِۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔينَ 29 ۞ وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ 30
الصفحة 238

شبهات حول الآية 24 من سورة يوسف والرد عليها

وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ 24

شبهة: أن يوسف همَّ بالفساد.
نص الشبهة
جاء في سورة يوسف: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ أي: قصدت مخالطته وقصد مخالطتها، والهمُّ بالشيء قصده والعزم عليه، ومنه الهَمَام وهو الذي إذا قصد شيئًا أمضاه، وهذا القول يناقض التاريخ المقدس الذي يقول: إنها لما طلبت إليه الشر استنكر طلبها وقال: كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله؟ (ولما أمسكت بثوبه تركه معها وهرب) (تكوين 39: 9)؟
والرد على هذه الفرية من وجوه:
الوجه الأول: منزلة يوسف في القرآن والسنة.
الوجه الثاني: معنى: (هَمَّ بها).
الوجه الثالث: الأدلة على براءة يوسف - عليه السلام -.
الوجه الرابع: مقارنة بين القصة في التوراة والقرآن.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: فضل نبي الله يوسف - عليه السلام - من القرآن والسنة.
فضل يوسف - عليه السلام - في القرآن والسنة:
أولًا: في القرآن الكريم
فقد أنزل الله - عز وجل - في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن العظيم لِيُتَدَبَّرَ ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والأمر الحكيم؛ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ إِذْ قَالَ يُوسُفُ...﴾ [يوسف: 1 - 4].
ثانيًا: في السنة النبوية
1 - فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام"
2 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260]، ويرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبث في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي".
ففي هذا الحديث يبين النبي - صلى الله عليه وسلم - طول صبر يوسف - عليه السلام -، وأنه لو كان مكانه ودعي إلى الخروج من السجن لأجاب على الفور، ولا شك أنه قاله تواضعًا - صلى الله عليه وسلم -.
3 - وفي رحلة المعراج قال - صلى الله عليه وسلم -: "ثم عُرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل. فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد - صلى الله عليه وسلم -. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف - عليه السلام -، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب ودعا لي بخير".
الوجه الثاني: معاني قوله تعالى: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾
المعنى الأول: أن يوسف - عليه السلام - لم يقع منه همٌّ البتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان، كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله، وكأن معنى الآية الكريمة: لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، فكان موجدًّا لهمَّ على انتفاء رؤية البرهان، لكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهم.
وهذا المعنى مبني على قاعدة نحوية وهي: أن جواب (لولا) في الآية الكريمة محذوف يدل عليه ما قبله كما يقول جمهور البصريين في قول العرب: (أنت ظالم إن فعلت) فيقررونه (إن فعلت فأنت ظالم) ولا يدل قوله: (أنت ظالم) على ثبوت الظلم، بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل، وكذلك هنا.
ولهذه القاعدة نظائر في القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ أي: إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه، وكقوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم.
المعنى الثاني: أن معنى: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ المقصود به خطرات النفس فالهم: اسم جنس تحته نوعان؛ كما قال الإمام أحمد: (الهم) همان: هم خطرات، وهم إصرار، وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن العبد إذا هم بسيئة لم تكتب عليه، وإذا تركها لله كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإن تركها من غير أن يتركها لله لم تكتب حسنة ولا تكتب عليه سيئة"، ويوسف - عليه السلام - هم همًّا تركه لله، وكذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء لإخلاصه، وذلك إنما يكون إذا قام المقتضي للذنب وهو الهم، وعارضه الإخلاص الموجب لانصراف القلب عن الذنب لله، فيوسف - عليه السلام - لم يصدر منه إلا حسنة يثاب عليها، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾.
وهذا مثل الصائم الذي يميل بطبعه إلى الماء البارد مع أن تقواه تمنعه من الشراب وهو صائم.. ونظير هذا في القرآن أيضًا هَمُّ بني حارثة وبني سلمة بالفرار يوم أحد فقال تعالى عنهم: ﴿إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ لأن قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ يدل على أن ذلك الهم ليس معصية؛ لأن اتباع المعصية بولاية الله لذلك العاصي إغراء على المعصية.
والعرب تطلق الهم وتريد به المحبة والشهوة، فيقول الإنسان فيما لا يحبه ولا يشتهيه: (هذا ما يهمني)، ويقول فيما يحبه ويشتهيه: هذا أهم الأشياء إلي، بخلاف هم امرأة العزيز؛ فإنه هَمُّ عزمٍ وتصميم، بدليل أنها شقت قميصه من دبر وهو هارب عنها، ولم يمنعها من الوقوع فيما لا ينبغي إلا عجزها عنه، ومثل هذا التصميم على المعصيةِ معصيةٌ يؤاخذ بها صاحبُها؛ بدليل الحديث الثابت في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي بكرة: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قالوا: يا رسول الله، قد عرفنا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه"، فصرح النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن تصميم عزمه على قتل صاحبه معصيةٌ أدخله الله بسببها النار.
المعنى الثالث: أن المراد بقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ أي: هم بدفعها عن نفسه ومنعها عن ذلك القبيح؛ لأن الهم هو القصد، فوجب أن يحمل في حق كل أحد على القصد الذي يليق به، فاللائق بالمرأة القصد إلى تحصيل اللذة والتنعم والتمتع، ثم إنها أيضًا همت أن تبطش به إذ عصى أمرها وخالف مرادها وهي سيدته وهو عبدها، وقد استذلت له بدعوته إلى نفسها بعد أن احتالت عليه بمراودته عن نفسه وكان الهم منه امتنع عنها واستكبر على أمرها معتزًا عليها بالديانة والأمانة والترفع عن الخيانة وحفظ شرف سيده وهو سيدها...، وهم بها لدفع صيالها عنه وقهرها بالبعد عما أرادته ﴿لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ أي: ولكنه رأى من ربه في سريرة نفسه ما جعله يمتنع من مصاولتها واللجوء إلى الفرار منها. فإن قيل: فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ فائدة؟
قلنا: بل فيه أعظم الفوائد، وبيانه من وجهين:
الأول: أنه سبحانه وتعالى أَعْلَمَ يوسف أنه لو هَمَّ بدفعها لقتلته أو لكانت تأمر الحاضرين بقتله، فأعلمه الله تعالى أن الامتناع من ضربها أولى صونًا للنفس عن الهلاك.
الثاني: أنه - عليه السلام - لو اشتغل بدفعها عن نفسه فربما تعلقت به، فكان تمزيق ثوبه من قدام، وكان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد بأن ثوبه لو تمزق من قدام لكان يوسف هو الخائن، ولو كان ثوبه ممزق من الخلف لكانت المرأة هي الخائنة، فالله تعالى أعلمه بهذا المعنى، فلا جرم لم يشتغل بدفعها عن نفسه بل ولى هاربًا عنها، حتى صارت شهادة الشاهد حجة على براءته عن المعصية.
المعنى الرابع: أن يكون معنى: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ أي: اشتهاها، وهذا مستعمل في اللغة الشائعة، يقول القائل فيما لا يشتهيه: ما يهمني هذا، وفيما يشتهيه: هذا أهم الأشياء إلي، فسمى الله تعالى شهوة يوسف - عليه السلام - همًا. إذن فمعنى الآية الكريمة: ولقد اشتهته واشتهاها لولا أن رأى برهان ربه لدخل ذلك العمل في الوجود.
والشاهد على صحة هذا التأويل قيامُ الدلالة على أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا يعزمون على الفواحش، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ والصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: الدعاء، وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ فالشهادة من الله تعالى إخبار وبيان، ومنهم إقرار.
المعنى الخامس: وإما أن يكون معنى: الهم أنه هم بالإيقاع بها وضربها كما قال تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ وكما يقول القائل: لقد هممت بك. لكنه - عليه السلام - امتنع من ذلك ببرهان أراه الله إياه استغنى به عن ضربها، وعلم أن الفرار أجدى عليه وأظهر لبراءته على مظهر بعد ذلك من حكم الشاهد بقد القميص.
المعنى السادس: أن معنى: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ (هم بها) ما نقل عن ابن عباس وهو ما قاله الطبري: [حدثنا أبو كريب وسفيان بن وكيع وسهل بن موسى الرازي قالوا: ثنا ابن عيينة، عن عثمان بن أبي سليمان عن ابن أبي مليكة] عن ابن عباس أنه سُئل عن هم يوسف ما بلغ؟ قال: حل الهميان، وجلس منها مجلس الخاتن.
وكذا نُقِلَ نفسُ المعنى عن تلاميذ ابن عباس: مجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، والقاسم بن أبي بزة بأسانيد صحيحة أو حسنة عنهم: (فكان همه من جنس همها، فلولا أن الله تعالى عصمه لفعل، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن وغيره...).
وقال ابن قتيبة: لا يجوز في اللغة: هممت بفلان، وهم بي، وأنت تريد اختلاف الهمين... قالوا: ورجوعه عما هم به من ذلك خوفًا من الله تعالى يمحو عنه سيء الهم، ويوجب له علو المنزلة، ويدل على هذا الحديث الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أن ثلاثة خرجوا فلجئوا إلى غار، فانطبق عليهم صخرة، فقالوا: ليذكر كل واحد منكم أفضل عمله، فقال أحدهم: اللهم، إنك تعلم أنه كانت لي ابنة عم فراودتها عن نفسها فأبت إلا بمائة دينار، فلما أتيتها بها، وجلست منها مجلس الرجل من المرأة، أرعدت، وقالت: إن هذا العمل ما عملته قط، فقمت عنها وأعطيتها المائة الدينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا، فزال ثلث الحجر". وقد رَدَّ على هذا القول أئمة العلماء المحققين وضعفوه وإليك أقوالهم:
قال ابن تيمية: وأما ما ينقل من أنه حل سراويله، وجلس مجلس الرجل من المرأة، وأنه رأى صورة يعقوب عاضًا على يديه، وأمثال ذلك، فكله مما لم يخبر الله به ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما لم يكن كذلك فإنما هو مأخوذ عن اليهود الذين هم من أعظم الناس كذبًا على الأنبياء وقدحًا فيهم، وكل من نقله من المسلمين فعنهم نقله، لم ينقل من ذلك أحدٌ عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - حرفًا واحدًا.
وقال ابن حزم: وقال بعض المتأخرين: إنه قعد منها مقعد الرجل من المرأة، ومعاذ الله أن يظن هذا برجل من صالحي السلمين أو مستوريهم! فكيف برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فإن قيل: إن هذا قد روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - من طرق جيدة الإسناد؟ قلنا: نعم، ولا حجة في قول أحد إلا فيما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقط، والوهم في تلك الرواية إنما هي بلا شك عمن دون ابن عباس، أو لعل ابن عباس لم يقطع بذلك؛ إذ إنما أخذه عمن لا يدري من هو ولا شك في أنه شيء سمعه فذكره لأنه - رضي الله عنه - لم يحضر ذلك، ولا ذكره عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومحال أن يقطع ابن عباس بما لا علم له به.
وقال الشنقيطي: وهذه الأقوال التي رأيت نسبتها إلى هؤلاء العلماء منقسمة إلى قسمين:
- قسم لم يثبت نقله عنه بسند صحيح، وهذا لا إشكال في سقوطه.
- وقسم ثبت عن بعض من ذكر، ومن ثبت عنه منهم شيء من ذلك.
فالظاهر الغالب على الظن المزاحم لليقين أنه إنما تلقاه عن الإسرائيليات؛ لأنه لا مجال للرأي فيه، ولم يُرفع منه قليلٌ ولا كثيرٌ إليه - صلى الله عليه وسلم -، وبهذا تعلم أنه لا ينبغي التجرؤ على القول في نبي الله يوسف بأنه جلس بين رجلي كافرة أجنبية، يريد أن يزني بها، اعتمادًا على مثل هذه الروايات، مع أن في الروايات المذكورة ما تلوح عليه لوائح الكذب كقصة الكف التي خرجت له أربع مرات، وفي ثلاث منهن لا يبالي بها؛ لأن ذلك على فرض صحته فيه أكبر زاجر لعوام الفساق فما ظنك بخيار الأنبياء!.
وقال ابن الجوزي: ولا يصح مما يروى عن المفسرين أنه حل السراويل وقعد منها مقعد الرجل، فإنه لو كان هذا دل على العزم والأنبياء معصومون من العزم على الزنا.
وقال ابن عطية: ولا يصح عليه شيء مما ذكر من حل تكة ونحو ذلك؛ لأن العصمة مع النبوة.
وقال القاسمي: هذا وقد ألصق هنا بعض المفسرين الولعين بسرد الروايات ما تلقفوه من أهل الكتاب ومن المتصولحين من تلك الأقاصيص المختلفة على يوسف - عليه السلام - في همه التي أنزه تأليفي عن نقلها بردها....
وقال ابن كثير: وأكثر أقوال المفسرين ها هنا مُتَلَقًّى من كتب أهل الكتاب فالإعراض عنه أولى بنا، والذي يجب أن يعتقد أن الله تعالى عصمه، وبرأه، ونزهه عن الفاحشة، وحماه عنها، وصانه منها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾.
وقال ابو السعود: فُسّر همُّه - عليه السلام - بأنه - عليه السلام - حلَّ الهَمَيان وجلس مجلسَ الخِتان...، وقيل: رؤيتُه للبرهان بأنه سمع صوتًا: إياك وإياها فلم يكترثْ...، وقيل: إنْ كلَّ ذلك إلا خرافاتٌ وأباطيلُ تمجُّها الآذانُ، وتردُّها العقول والأذهانُ، ويلٌ لمن لاكها ولفّقها أو سمعها وصدّقها.
الوجه الثالث: الأدلة على براءة يوسف - عليه السلام -.
الدليل الأول: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [يوسف: 53] فمن كلام امرأة العزيز كما يدل القرآن على ذلك دلالة بينة لا يرتاب فيها من تدبر القرآن، حيث قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: 50 - 53].
فهذا كله كلام امرأة العزيز، ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر بعد إلى الملك ولا سمع كلامه ولا رآه، ولكن لما ظهرت براءته في غيبته كما قالت امرأة العزيز: ﴿ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ أي: لم أخنه في حال مغيبه عني، وإن كنت في حال شهوده راودته فحينئذ: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ وقد قال كثير من المفسرين: إن هذا كلام يوسف، ومنهم من لم يذكر إلا هذا القول. وهو قول في غاية الفساد، ولا دليل عليه، بل الأدلة تدل على نقيضه.
الدليل الثاني: وكذلك قوله تعالى عنه أنه قال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فصح عنه أنه قط لم يصبُ إليها.
الدليل الثالث: أن الله تعالى لم يذكر عنه ذنبًا، فلم يذكر ما يناسب الذنب من الاستغفار، بل إن من الباطل الممتنع أن يظن ظانٌّ أن يوسف - عليه السلام - هَمَّ بالزنا وهو يسمع قول الله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فنسأل من خالفنا: الهم بالزنا بسوء هو أم غير سوء؟ لا بد أنه سوء، وقد صرف الله عنه السوء، ولو قال: إنه ليس بسوء لعاند الإجماع، فإذًا هو سوء فقد صرف عنه الهم بيقين.
الدليل الرابع: شهادة الجميع له ببراءته: شهد بذلك رب العالمين - عز وجل -، وشهد يوسف - عليه السلام -، وتلك المرأة، وزوجها، والنسوة، والشهود، وإبليس اللعين؛ أقروا ببراءة يوسف من المعصية، فليس للمسلم توقف في هذا الباب.
- أما بيان أن يوسف - عليه السلام - ادعى البراءة عن الذنب فهو قوله - عليه السلام -: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾، وقوله - عليه السلام -: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾.
- أما بيان أن المرأة اعترفت بذلك فلأنها قالت للنسوة: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾، وأيضًا قالت: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: 51].
- وأما بيان أن زوج المرأة أقرَّ بذلك فهو قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾.
- وأما الشهود فقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ الآيات.
- وأما شهادة الله تعالى بذلك فقوله: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فقد شهد الله تعالى في هذه الآية على طهارته أربع مرات:
أولها: قوله: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ واللام للتأكيد والمبالغة.
ثانيها: قوله: ﴿وَالْفَحْشَاءَ﴾ أي: كذلك نصرف عنه السوء والفحشاء.
ثالثها: قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ مع أنه تعالى قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.
ورابعها: قوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ وفيه قراءتان: تارة باسم الفاعل [المُخْلِصِين] وأخرى باسم المفعول [المُخْلَصِين]، فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتيًا بالطاعات والقربات مع صفة الإخلاص، ووروده باسم المفعول يدل على أنه تعالى استخلصه لنفسه واصطفاه لحضرته، وعلى كلا الوجهين فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزهًا عما أضافوه إليه.
- وأما بيان أن إبليس أقر بطهارته، فلأنه قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82، 83] فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فكان هذا إقرارًا من إبليس بأنه ما أغواه وما أضله عن طريقة الهدى، وعند هذا نقول لهؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف - عليه السلام - هذه الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله تعالى: فليتقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته، ولعلهم يقولون: كنا في أول الأمر تلامذة إبليس إلى أن تخرجنا عليه فزدنا عليه في السفاهة.
كما قال الخوارزمي:
وكنت امرءًا من جند إبليس فارتقى... بي الدهر حتى صار إبليس من جندي
فلو مات قبلي كنت أُحْسِنُ بعده... طرائقَ فسق ليس يحسنها بعد
فثبتت بهذه الدلائل أن يوسف - عليه السلام - برئ عما يقوله الجهال.
الدليل الخامس: أن الله تعالى لم يذكر عنه توبة:
أن يقال إن الله تعالى لم يذكر عن نبي من الأنبياء ذنبًا إلا ذكر توبته منه... كما ذكر قصة آدم، وموسى، وداود، وغيرهم من الأنبياء... ويوسف - عليه السلام - لم يذكر الله تعالى عنه في القرآن أنه فعل مع الرأة ما يتوب منه، أو يستغفر منه أصلًا، وقد اتفق الناس على أنه لم تقع منه الفاحشة، ولكن بعض الناس يذكر أنه وقع منه بعض مقدماتها، مثل ما يقولون أنه حل السراويل وقعد منها مقعد الخاتن ونحو هذا، وما ينقلونه في ذلك ليس هو عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا مستندَ لهم فيه إلا النقلُ عن بعض أهل الكتاب، وقد عرف كلام اليهود في الأنبياء وغضهم منهم كما قالوا في سليمان ما قالوا، وفي داود ما قالوا، فلو لم يكن معنا ما يرد نقلهم لم نصدقهم فيما لم نعلم صدقهم فيه، فكيف نصدقهم فيما قد دل القرآن على خلافه؟!
والقرآن قد أخبر عن يوسف من الاستعصام والتقوى والصبر في هذه القضية ما لم يذكر عن أحد نظيره، فلو كان يوسف قد أذنب لكان إما مصرًّا وإما تائبًا، والإصرار ممتنع، فتعين أن يكون تائبًا، والله لم يذكر عنه توبة في هذا ولا استغفارًا كما ذكر عن غيره من الأنبياء، فدلك ذلك على أن ما فعله يوسف كان من الحسنات المبرورة، والمساعي المشكورة، كما أخبر الله عنه بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
الدليل السادس: أن الزنا من منكرات الكبائر، والخيانة في معرض الأمانة أيضًا من منكرات الذنوب، وأيضًا مقابلة الإحسان العظيم بالإساءة الموجبة للفضيحة التامة والعار الشديد أيضًا من منكرات الذنوب، وأيضا الصبي إذا تربى في حضن إنسان وبقي مكفيَ المؤنة مصون العرض من أول صباه إلى زمان شبابه وكمال قوته - فإقدام هذا الصبي على إيصال أقبح أنواع الإساءة إلى ذلك المنعم المعظم من منكرات الأعمال، إذا ثبت هذا فنقول: إن هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف - عليه السلام - كانت موصوفة بجميع هذه الجهات الأربع، ومثل هذه المعصية لو نسبت إلى أفسق خلق الله تعالى وأبعدهم عن كل خير لاستنكف منه، فكيف يجوز إسنادها إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة؟!!!
الدليل السابع: ونقول: هب ان هذه الآية وهي قوله: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ لا تدل على نفي هذه المعصية عنه، إلا أنه لا شك أنها تفيد المدح العظيم والثناء البالغ، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي عن إنسان إقدامه على معصية عظيمة، ثم إنه يمدحه ويثني عليه بأعظم المدائح والأثنية عقيب أن حكي عنه ذلك الذنب العظيم، فإنه مثاله ما إذا حكى السلطان عن بعض عبيده أقبح الذنوب وأفحش الأعمال ثم إنه يذكره بالمدح العظيم والثناء البالغ عقيبه، فإن ذلك يستنكر جدًّا، فكذا ها هنا، والله أعلم.
الوجه الرابع: مقارنة بين نص القصة في التوراة والقرآن.
أولًا: نص القصة في التوراة
(وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ امْرَأَةَ سَيِّدِهِ رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا إِلَى يُوسُفَ وَقَالَتِ: "اضْطَجعْ مَعِي". 8 فَأَبَى وَقَالَ لامْرَأَةِ سَيِّدِهِ: "هُوَ ذَا سَيِّدِي لَا يَعْرِفُ مَعِي مَا فِي الْبَيْتِ، وَكُلُّ مَا لَهُ قَدْ دَفَعَهُ إِلَى يَدِي. 9 لَيْسَ هُوَ فِي هذَا الْبَيْتِ أَعْظَمَ مِنِّي. وَلَمْ يُمْسِكْ عَنِّي شَيْئًا غَيْرَكِ، لأَنَّكِ امْرَأَتُهُ. فكَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى الله؟ ". 10 وَكَانَ إِذْ كَلَّمَتْ يُوسُفَ يَوْمًا فَيَوْمًا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ لَهَا أَنْ يَضْطَجعَ بِجَانِبِهَا لِيَكُونَ مَعَهَا. 11 ثُمَّ حَدَثَ نَحْوَ هذَا الْوَقْتِ أَنَّهُ دَخَلَ الْبَيْتَ لِيَعْمَلَ عَمَلَهُ، وَلَمْ يَكُنْ إِنْسَانٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ هُنَاكَ فِي الْبَيْتِ. 12 فَأَمْسَكَتْهُ بِثَوْبِهِ قَائِلَةً: "اضْطَجعْ مَعِي! ". فَتَرَكَ ثَوْبَهُ فِي يَدِهَا وَهَرَبَ وَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ. 13 وَكَانَ لمَّا رَأَتْ أَنَّهُ تَرَكَ ثَوْبَهُ فِي يَدِهَا وَهَرَبَ إِلَى خَارِجٍ، 14 أَنَّهَا نَادَتْ أَهْلَ بَيْتِهَا، وَكَلَّمَتهُمْ قَائِلةً: "انْظُرُوا! قَدْ جَاءَ إِلَيْنَا بِرَجُل عِبْرَانِيٍّ لِيُدَاعِبَنَا! دَخَلَ إِلَيَّ لِيَضْطَجعَ مَعِي، فَصَرَخْتُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ. 15 وَكَانَ لمَّا سَمِعَ أَنِّي رَفَعْتُ صَوْتِي وَصَرَخْتُ، أَنَّهُ تَرَكَ ثَوْبَهُ بِجَانِبِي وَهَرَبَ وَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ". 16 فَوَضَعَتْ ثَوْبَهُ بِجَانِبِهَا حَتَّى جَاءَ سَيِّدُهُ إِلَى بَيْتِهِ. 17 فَكَلَّمَتْهُ بِمِثْلِ هذَا الْكَلَامِ قَائِلَةً: "دَخَلَ إِلَيَّ الْعَبْدُ الْعِبْرَانِيُّ الَّذِي جِئْتَ بِهِ إِلَيْنَا لِيُدَاعِبَنِي. 18 وَكَانَ لمَّا رَفَعْتُ صَوْتِي وَصَرَخْتُ، أَنَّهُ تَرَكَ ثَوْبَهُ بِجَانِبِي وَهَرَبَ إِلَى خَارِجٍ". 19 فَكَانَ لمَّا سَمِعَ سَيِّدُهُ كَلَامَ امْرَأَتِهِ الَّذِي كَلَّمَتْهُ بِهِ قَائِلَةً: "بِحَسَبِ هذَا الْكَلَامِ صَنَعَ بِي عَبْدُكَ"، أَنَّ غَضَبَهُ حَمِيَ. 20 فَأَخَذَ يُوسُفَ سَيِّدُهُ وَوَضَعَهُ فِي بَيْتِ السِّجْنِ، الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ أَسْرَى الْمَلِكِ مَحْبُوسِينَ فِيهِ. وَكَانَ هُنَاكَ فِي بَيْتِ السِّجْنِ) (سفر التكوين 39/ 7: 20).
ثانيًا: الفروق بين نص القصة في التوراة والقرآن
- في التوراة:
فالمراودة حدثت مرارًا ونصحُ يوسف لامرأة سيده كان قبل المرة الأخيرة.
أما في القرآن:
المراودة حدثت مرة واحدة اقترنت بعزم المرأة على يوسف لينفذ رغبتها.
- في التوراة:
تخلو من الإشارة على تغليق الأبواب، وتقول: إن يوسف ترك ثوبه بجانبها وهرب، وانتظرت هي قدوم زوجها، وقصت عليه القصة بعد أن أعلمت بها أهل بيتها.
أما في القرآن:
يشير إلى تغليق الأبواب، وأن يوسف هم بالخروج فقدَّت ثوبه من الخلف، وحين وصلا على الباب فوجئا بالعزيز يدخل عليهما فبادرت المرأة بالشكوى في الحال.
- في التوراة:
لم يكن يوسف موجودًا حين دخل العزيز، ولم يدافع يوسف عن نفسه لدى العزيز.
أما في القرآن:
يوسف كان موجودًا حين قدم العزيز، وقد دافع عن نفسه بعد وشاية المرأة، وقال: هي راودتني عن نفسي.
- في التوراة:
تخلو من حديث الشاهد، وتقول: إن العزيز حمى غضبه على يوسف بعد سماع المرأة.
أما في القرآن:
يذكر تفصيلًا شهادة الشاهد، كما يذكر اقتناع العزيز بتلك الشهادة، ولومه لامرأته، وتذكيرها بخطئها، وتثبيت يوسف على العفة والطهارة.
- في التوراة:
تقول: إن العزيز في الحال أمر بوضع يوسف في السجن، ولم يعرض أمره على رجال حاشيته.
أما في القرآن:
يشير إلى أن القرار بسجن يوسف كان بعد مداولة بين العزيز وحاشيته.
- في التوراة:
تخلو من حديث النسوة اللاتي لُمْنَ المرأة على مراودتها فتاها عن نفسه، وهي فجوة هائلة في نص التوراة.
أما في القرآن:
يذكر حديث النسوة بالتفصيل، كما يذكر موقف امرأة العزيز منهن، ودعوتها إياهن ملتمسة أعذارها لديهن، ومصرة على أن ينفذ رغبتها.
هذه الستة فروق بارزة بين ما يورده القرآن الأمين، وما ذكرته التوراة - التي كانت أمينة قبل أن تعيث أيديهم فيها بالتحريف -.
والنظر الفاحص في المصدرين يرينا أنهما لم يتفقا إلا في أصل الواقعة من حيث هي واقعة وكفى، ويختلفان بعد هذا في كل شيء، على أن القرآن قام هنا بعملين جليلي الشأن:
أولهما: أنه أورد جديدًا لم تعرفه التوراة ومن أبرزه:
1 - حديث النسوة، وموقف المرأة منهن.
2 - شهادة الشاهد الذي هو من أهل امرأة العزيز.
ثانيهما: تصحيح أخطاء وقعت فيها التوراة ومن أبرزها:
1 - لم يترك يوسف ثوبه لدى المرأة بل كان لابسًا إياه ولكن قُطع من الخلف.
2 - غياب يوسف حين حضر العزيز، وإسقاطها - أي: التوراة - دفاعه عن نفسه.
اعتراض وجوابه: قد يقول قائل: لماذا تفترض أن الخطأ هو ما في التوراة، وأن الصواب هو ما في القرآن؟ أليس ذلك تحيزًا منك للقرآن؛ لأنه كتاب المسلمين وأنت مسلم؟ ولماذا لا تفترض العكس؟! وإذا لم تفترض أنت العكس، فقد يقول به غيرك، وما تراه أنت لا يطابق ما يراه الآخرون؟!!! هذا الاعتراض وارد في مجال البحث، إذن فلا بد من الإيضاح.
والجواب: لم نتحيز للقرآن لأنه قرآن، ولأنه كتابنا نحن المسلمين، ولنا في هذا الحكم داعيان:
(الأول) لم يرد في القرآن قط ما هو خلاف الحق؛ لأنه ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، وقد ثبتت هذه الحقيقة في كل مجالات البحوث التي أجريت على مفاهيم القرآن العظيم في كل العصور، وهذا الداعي وحده كافٍ في تأييد ما ذهبنا إليه.
(الثاني) وهو منتزع من الواقعة نفسها موضوع المقارنة وإليك البيان:
كل من التوراة والقرآن متفقان على (عفة يوسف) وإعراضه عن الفحشاء، ثم اختلفا بعد ذلك، فالتوراة تقول: إن يوسف ترك ثوبه كله لدى المرأة وهرب.
والقرآن يقول: إنه لم يترك الثوب بل أمسكته المرأة من الخلف، ولما لم يتوقف يوسف - عليه السلام - اقتطعت قطعة منه وبقيت ظاهرة في ثوبة.
فأيُّ الروايتين أليق بعفة يوسف المتفق عليها بين المصدرين؟! أن يترك ثوبه كله؟ أم أن يُخرق ثوبه من الخلف؟!
إذا سلمنا برواية التوراة أنه ليس (عفيفًا) والمرأة على حق في دعواها؛ لأن يوسف لا يخلع ثوبه هكذا سليمًا إلا إذا كان هو الراغب وهي الآتية، ولا يقال: إن المرأة هي التي أخلعته ثوبه لأن يوسف رجل وهي امرأة، فكيف تتغلب عليه وتخلع ثوبه بكل سهولة؟ ثم لما يمتنع تحتفظ هي بالثوب كدليل ماديٍّ على جنايته المشينة؟! وهل خرج يوسف (عريانًا) وترك ثوبه لدى غريمته...؟!
والخلاصة: أن رواية التوراة فيها إدانة صريحة ليوسف - عليه السلام - وهذا ينافي مع العفة التي وافقت فيها القرآن الأمين.
أما رواية القرآن فهي إدانة صريحة لامرأة العزيز، وبراءة كاملة ليوسف - عليه السلام -.
لقد دعته المرأة إلى نفسها ففر منها، فأدركته وأمسكته من الخلف بفعل المرأة، والثانية إلى الأمام بحركة يوسف فانقطع ثوبه من الخلف، وهذا يتفق تمامًا مع العفة المشهود بها ليوسف في المصدرين ولهذا قلنا: إن القرآن صحح هذا الخطأ الوارد في التوراة.
فهل القرآن مقتبس من التوراة؟
وهل تنطبق على القرآن أسس الاقتباس أم هو ذو سلطان خاص به فيما يقول ويقرر؟ المقتبس لا بد من أن ينقل الفكرة كلها أو بعضها، وها نحن قد رأينا القرآن يتجاوز هذه الأسس؛ فيأتي بجديد لم يذكر فيما سواه، ولم يذكر فيما زعموا أنه نقل منه، ويصحح خطأً وقع فيه ما سواه.
فليس الاختلاف فيها اختلاف حبكٍ وصياغة، وإنما هو اختلاف يشمل الأصول والفروع، هذا بالإضافة إلى إحكام البناء وعفة الألفاظ وشرف المعاني.
إن الذي روته التوراة هنا لا يصلح ولن يصلح أن يكون أساسًا للذي ذكره القرآن، وإنما أساس القرآن هو الوحي الصادق الأمين، ذلك هو مصدر القرآن "الوضيء" وسيظل ذلك هو مصدره، تتساقط بين يديه دعاوى الباطل ومفتريات المفترين في كل عصر ومصر.
فهرس الكتاب