۞ هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابࣱ مِّن نَّارࣲ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ 19
شبهة: عودة الجمع على مثنى.
نص الشبهة
جاء في سورة الحج الآية: ﴿هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ والقياس أن يثنى الضمير العائد على المثنى فيقول: خصمان اختصما في ربهما.
وهناك عدة آيات يُظَنُّ أنها خلطت بين المثنى والجمع، فأرجعت حديث الجمع على المثنى؛ منها:
- ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (النساء: 11).
- ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: 38).
- ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ (يوسف: 83).
- ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ (الأنبياء: 78).
- ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ (الشعراء: 15).
- ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ (ص: 21 - 24).
- ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (الحجرات: 9).
- ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (التحريم: 4).
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الرد الإجمالي
أن عامة الآيات التي جاء بها كلام يفيد الجمع وظاهر اللفظ أنه يعود على مثنى، إما أنها تعود بالفِعْلِ عَلَى جَمْعٍ وهذا واضح من سياقها، وقد أيَّدَ ذلك سبب نزول الآية أو ما ورد من الأخبار الصحيحة وغير ذلك، وإما أن اللفظة المستخدمة تقع على المفرد والمثنى والجمع مذكرًا ومؤنثًا سواء بسواء، وإما أن اللفظة وهي مثنى مفردها يفيد الجمع ولذا صح الإخبار عنهما بالجمع.
الوجه الثاني: الرد التفصيلي على كل آية.
وبيان ذلك ما يأتي:
- آية النساء
عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- أنه دخل على عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه- فقال: "إن الأخوين لا يردَّان الأم عن الثلث" قال اللَّه -عز وجل-: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ فالأخوان بلسان قومك ليسا بإخوة! "، فقال عثمان بن عفان: لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي ومضى في الأمصار وتوارث به الناس.
قال ابن العربي: يَنْطَلِقُ لَفْظُ الْإِخْوَةِ عَلَى الْأَخَوَيْنِ؟ بَلْ قَدْ يَنْطَلِقُ لَفْظُ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: نَحْنُ فَعَلْنَا؛ وَتُرِيدُ الْقَائِل لِنَفْسِهِ خَاصَّةً. قَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. وَقَالَ: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾، ثُمَّ قَالَ: ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. وَقَالَ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. وَقَالَ: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾. وَقَالَ: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ وَالرَّسُولُ وَاحِدٌ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي: عَائِشَةَ؛ وَقيلَ: عَائِشَةُ وَصَفْوَانُ. قَالَ: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ وَكَانَا اثْنَيْنِ كَمَا نُقِلَ فِي التَّفْسِيرِ. وَقَالَ: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ وَهُمَا طَرَفَانِ، وَقَالَ: ﴿إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾، وَقَالَ: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ﴾، وَقَالَ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ وَكَانَ وَاحِدًا. وَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ فِي اللُّغَةِ سَائِغٌ.
- آية المائدة، وكذلك آية التحريم
قال سيبويه: باب ما لفظ به مما هو مثنًّى كما لفظ بالجمع.
وهو أن يكون الشيئان كلُّ واحد منهما بعض شيء مفردٍ من صاحبه، وذلك قولك: ما أحسن رءوسهما، وأحسن عواليهما، وقال -عز وجل-: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (التحريم: 4)، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، فرقوا بين المثنى الذي هو شيءٌ على حدةٍ وبين ذا.
وقال الخليل: نظيره قولك: فعلنا، وأنتما اثنان فتكلم به كما تكلم به وأنتم ثلاثة، وقد قالت العرب في الشيئين اللذين كل واحد منهما اسمٌ على حدة وليس واحدٌ منهما بعض شيء كما قالوا في ذا؛ لأن التثنية جمعٌ، فقالوا كما قالوا: فعلنا.
وزعم يونس أنهم يقولون: ضع رحالهما وغلمانهما، وإنما هما اثنان. قال اللَّه عز وجل ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ (ص: 21 - 24)، وقال ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ (الشعراء: 15).
وزعم يونس أنهم يقولون: ضربت رأسيهما. وزعم أنه سمع ذلك من رؤبة أيضًا، أجروه على القياس، قال هميان بن قحافة:
ومهمهين قذفين مرتين... ظهراهما مثل ظهور الترسين
وقال الفرزدق:
هما نفثا في فيَّ من فمويهما... على الناب العاوي أشد رجَامِ
وقال أيضًا:
بما في فؤادَينا الشوق والهوى... فيجبر منهاض الفؤاد المشعف
ومن سنن العرب إذا ذكرت اثنين أن تجريهما مجرى الجمع كما تقول عند ذكر العمرين والحسنين: كرم اللَّه وجوههما.
وقال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ لأنّ كل شيء موحَّد من خَلْق الإنسان إذا ذكر مضافًا إلى اثنين فصاعدًا جمع، فقيل: قد هشمت رءوسهما، وملأت ظهورهما وبطونهما ضربًا، وإنما اختير الجمع على التثنية؛ لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين في الإنسان: اليدين والرجلين والعينين، فلما جرى أكثره على هذا ذُهِبَ بالواحد منه إذا أضيف إلى اثنين مذهب التثنية.
واعلم أن كل ما في الجسم منه شيء واحد لا ينفصل كالرأس، والأنف، والعين، واللسان، والظهر، والبطن، والقلب - فإنك إذا ضممت إليه مثله جاز فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: الجمع؛ وهو الأكثر نحو قولك: ما أحسن رؤوسهما؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، وإنما عبروا بالجمع والمراد التثنية من حيث إن التثنية جمع في الحقيقة، ولأنه مما لا يلبس ولا يشكل؛ لأنه قد علم أن الواحد لا يكون له إلا رأس واحد أو قلب واحد، فأرادوا الفصل بين النوعين فشبهوا هذا النوع بقولهم: نحن فعلنا، وإن كانا اثنين في التعبير عنهما بلفظ الجمع..
والوجه الثاني: التثنية على الأصل وظاهر اللفظ.
والوجه الثالث: الإفراد.
- آية يوسف
يعود الكلام -جميعًا- على ثلاثة هم: يوسف -عليه السلام-، وأخوه الذي اتُّهِمَ بسرقة صواع الملك، وأخوه الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (يوسف: 80).
- آية الأنبياء
حيث أضيف (حكم) إلى ضمير داود وسليمان -عليهما السلام- وهما حاكمان وغيرهما وهم المحكوم عليهم.
﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم الحاكمين، وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين وهو مذهب طائفة من أهل العربية كالزمخشري، والرضي، وتقدمهما إلى القول به الفراء.
وقيل: المراد الحاكمان والمحكوم عليه.
والضمير في (حكمهم) يعود على أقرب مذكور وهو (القوم).
- وفيما يتعلق بآية سورة الحج
أولًا: الخصمان جمعان وهذا واضح في سبب نزول الآية:
عن قيس بن عباد، عن علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- أنه قال: أنا أول من يجثوا بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. قال قيس: وفيهم أنزلت: ﴿هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة (أو أبو عبيدة) بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.
والخصم: صفة وصف بها الفوج أو الفريق، فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان مختصمان، وقوله: (هذان) للفظ، و (اختصموا) للمعنى.
وقوله: (اخْتَصَمُوا) ولم يقل: اختصمَا لأنهما جَمعان ليسَا برجلين، ولو قيل: اختصما كان صَوَابًا، ومثله ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ يذهب إلى الجمع، ولو قيل: اقتتلتا لجاز؛ يذهب إلى الطائفتين.
فالخصمان -مؤمنون هم: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، وكافرون هم: ابنا ربيعة: شيبة، وعتبة، والوليد بن عتبة- كلُّ فريق منهم به أكثر من واحد؛ لذا جاءت (اختصموا) مفيدةً الجمعَ لهذا المعنى.
ثانيًا: الاثنان قد يعاملان معاملة الجميع.
فإذا اعتبرنا أن (الخصمان) مثنى لفظًا؛ فإن العرب تجيز أن يصيرا كالجمع.
قال سيبويه: وسألتُ الخليل -رحمه اللَّه- عن: ما أحسنَ وجوهَهما؟ فقال: لأن الاثنين جميعٌ، وهذا بمنزلة قول الاثنين: نحن فعلنا ذاك، ولكنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما يكون منفردًا وبين ما يكون شيئًا من شيء، وقد جعلوا المفردين أيضًا جميعًا.
قول اللَّه -عز وجل- ﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قد جاء بلفظ العدد الذي فوق الاثنين وكان مثل ذلك مما تقوله العرب: التقى العسكران فقتل بعضهم بعضًا.
ثالثًا: لفظة (خصم) هي مصدر يوصف به الجمع والواحد، ويدل على أنه أراد الجمع قوله: (اختصموا) فإنها قراءة الجمهور.
والوصف الذي كان في الأصل مصدرًا نحو: صوم وغور.
فيجوز أن يعتبر الأصل فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث؛ قال اللَّه تعالى: ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (الذاريات: 24)، وقال: ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ (ص: 21).
قال أبو العباس -ثعلب-: ﴿هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، قال: كان الخصمان واسطة القلادة من الفئتين يوم بدر، والخصم يكون واحدًا ويكون جمعًا. سمى المخاصم خصما، واستعمل للواحد والجمع وربما ثني.
وقد يكون الخَصم للاثنين والجمع والمُؤنث.
وقد قيل: اختصموا، وقد قال: خصمان؛ لأنهما جمعان.
فلمراعاة تثنية اللفظ في الآية ﴿هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ أتي باسم الإشارة الموضوع للمثنى، ولمراعاة العدد أتي بضمير الجماعة.
- آية الشعراء
قال: (اذهبا) لأن الأمر بالذهاب لاثنين هما: موسى وهارون -عليهما السلام-، فلما أثبت الاستماع قال: (معكم)؛ لأنهم: موسى، وهارون -عليهما السلام-، وفرعون، ومن كان حاضرًا معه، فصح عودة (معكم) عليهم جميعًا.
يقولون: ذكر (معكم) بلفظ الجمع وهما اثنان؛ أجراهما مجرى الجماعة، وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون.
ولا يخفى ما في الإتيان بـ (معكم) من الإحاطة والشمول.
- آية ص
(خصم) خرج في لفظ الواحد؛ لأنه مصدر مئل: الزور والسفر، لا يثنى ولا يجمع. فالخَصْمُ يكون للاثنين والجمع والمؤنث.
ومنه قول لبيد:
وَخَصْمٍ يَعدوّنَ الدُّخُولَ كَأَنَّهُمْ... قُرُومٌ غَيَارَى كلَّ أزْهَرَ مُصْعَب.
وأما قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ الآية؛ فهذه الآية تدل بظاهرها على أن الخصم مفرد، ولكن الضمائر بعده تدل على خلاف ذلك.
والجواب: أن الخصم في الأصل مصدر: خصمه، والعرب إذا نعتت بالمصدر أفردته وذكّرته، وعليه فالخصم يراد به الجماعة والواحد والاثنان، ويجوز جمعه وتثنيته لتناسي أصله الذي هو المصدر وتنزيله منزلة الوصف، قال ابن مالك:
ونعتوا بمصدر كثيرا... فالتزموا الإفراد والتذكيرا.
وربّما ذهبت العرب بالاثنين إلى الجمع، كما يُذهب بالواحِدِ إلى الجمع.. ومثل ذلكَ قوله في سورة ص: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ ثم أعاد ذكرهَما بالتثنية فقال: ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾.
﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ يعني: الملكين اللذين تصورا في صورة خصمين من بني آدم، (إذ تسوروا المحراب) علوا غرفة داود -عليه السلام-.
قال بعضهم: كانوا اثنين فذكر بلفظ الجماعة فقال: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ﴾، وقال بعضهم: كانوا جماعة، ولكنهم كانوا فريقين فقال: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾.
- آية الحجرات
هذا اللفظ - (طائفتان) - مثنى غير حقيقي فهو مثنى في اللفظ جمع في المعنى.
فالطائفة في الأصل الجماعة التي من شأنها الطوف في البلاد للسفر، ويجوز أن يكون أصلها الجماعة التي تستوي بها حلقة يطاف عليها، ثم كثر ذلك حتى سمي كل جماعة طائفة.
قال: (إن طائفتان) ثم قال: (اقتتلوا) ولم يقل: اقتتلتا -ولو قاله لكان جائزًا- لأن كل طائفة منهما جماعه.
عن مجاهد في هذه الآية: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: الطائفة واحد إلى الألف، ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.
فالعرب تحمل على اللفظ وعلى المعنى كما قال -عز وجل-: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.
ألا ترى أن الطائفتين لما كانتا في المعنى جمعًا لم يرجع الضمير إليهما مثنى، لكنه جمع على المعنى.
ويجوز تثنية اسم الجمع على تأويل: فرقتين وجماعتين... فالمراد من تثنية الجمع تضعيفه بجعله مثلين من نوعين، فلا تدافع بين التثنية والجمع..
كما قال الشاعر:
لنا إبلان فيهما ما علمتم... فعن أيةٍ ما شئتم فتنكبوا
والمشهور في الكتب: فعن أيها بتأنيث الضمير؛ على أنه راجع إلى فرقة وقطعة، وقوله: "فعن أيها" أعاد الضمير على مجموع الإبلين؛ لأنها جماعة.
وإذا قالوا: إبلان فإنما يريدون قطعتين من الإبل.. أرادوا به قطعتين: قطعة في جهة، وقطعة في أخرى، أو قطعتين من الإبل والغنم، أو إبلًا موصوفة بصفة غير الإبل الأخرى لتفيد التثنية معنًى ما، والمعنى: لنا قطيعان من الإبل فيهما ما علمتم من قرى الأضياف وتحمل الغرامات، فخذوا عن أيهما ما شئتم وأردتم، فإنها مباحةٌ غير ممنوعة.
- آية التحريم
قال السيوطي: ومن سنن العرب ذكرُ الجمع والمراد واحد أو اثنان؛ قال تعالى: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ﴾ "والمراد واحد، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ والمنادى واحد، "بِمَ يَرْجِع المُرْسلون" وهو واحد؛ بدليل ارجع إليهم، "فقد صَغَتْ قلوبكما" وهما قلبان.
فالعرب تكره الجمع بين تثنيتين في لفظ واحد.
والأكثر في كلامهم إخراج مثل هذا -أي: المثنى- إلى الجمع كراهةً لاجتماع تثنيتين في اسمٍ واحد؛ لأن المضاف إليه من تمام المضاف، مع ما في التثنية من معنى الجمع، وأن المعنى لا يشكل، ولذلك قال: مثل ظهور الترسين، فجمع الظهر.
ويمكن أن يجاب عنه -أي: الجمع (قلوب) المسند إلى المثنى (هما) - بأن الخطاب وإن كان مع اثنين وأنه ليس لكل واحد منهما في الحقيقة سوى قلب واحد غير أنه قد يطلق اسم القلوب على ما يوجد للقلب الواحد من الترددات المختلفة إلى الجهات المختلفة مجازًا، ومن ذلك قولهم لمن مال قلبه إلى جهتين أو تردد بينهما: إنه ذو قلبين، وعند ذلك فيجب حمل قوله: (قلوبكما) على جهة لفظ الجمع على الاثنين حقيقة ويمكن أن يقال: إنما قال: (قلوبكما) تجوزًا حذرًا من استثقال الجمع بين تثنيتين.
نص الشبهة
جاء في سورة الحج الآية: ﴿هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ والقياس أن يثنى الضمير العائد على المثنى فيقول: خصمان اختصما في ربهما.
وهناك عدة آيات يُظَنُّ أنها خلطت بين المثنى والجمع، فأرجعت حديث الجمع على المثنى؛ منها:
- ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (النساء: 11).
- ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: 38).
- ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ (يوسف: 83).
- ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ (الأنبياء: 78).
- ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ (الشعراء: 15).
- ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ (ص: 21 - 24).
- ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (الحجرات: 9).
- ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (التحريم: 4).
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الرد الإجمالي
أن عامة الآيات التي جاء بها كلام يفيد الجمع وظاهر اللفظ أنه يعود على مثنى، إما أنها تعود بالفِعْلِ عَلَى جَمْعٍ وهذا واضح من سياقها، وقد أيَّدَ ذلك سبب نزول الآية أو ما ورد من الأخبار الصحيحة وغير ذلك، وإما أن اللفظة المستخدمة تقع على المفرد والمثنى والجمع مذكرًا ومؤنثًا سواء بسواء، وإما أن اللفظة وهي مثنى مفردها يفيد الجمع ولذا صح الإخبار عنهما بالجمع.
الوجه الثاني: الرد التفصيلي على كل آية.
وبيان ذلك ما يأتي:
- آية النساء
عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- أنه دخل على عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه- فقال: "إن الأخوين لا يردَّان الأم عن الثلث" قال اللَّه -عز وجل-: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ فالأخوان بلسان قومك ليسا بإخوة! "، فقال عثمان بن عفان: لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي ومضى في الأمصار وتوارث به الناس.
قال ابن العربي: يَنْطَلِقُ لَفْظُ الْإِخْوَةِ عَلَى الْأَخَوَيْنِ؟ بَلْ قَدْ يَنْطَلِقُ لَفْظُ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: نَحْنُ فَعَلْنَا؛ وَتُرِيدُ الْقَائِل لِنَفْسِهِ خَاصَّةً. قَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. وَقَالَ: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾، ثُمَّ قَالَ: ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. وَقَالَ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. وَقَالَ: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾. وَقَالَ: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ وَالرَّسُولُ وَاحِدٌ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي: عَائِشَةَ؛ وَقيلَ: عَائِشَةُ وَصَفْوَانُ. قَالَ: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ وَكَانَا اثْنَيْنِ كَمَا نُقِلَ فِي التَّفْسِيرِ. وَقَالَ: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ وَهُمَا طَرَفَانِ، وَقَالَ: ﴿إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾، وَقَالَ: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ﴾، وَقَالَ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ وَكَانَ وَاحِدًا. وَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ فِي اللُّغَةِ سَائِغٌ.
- آية المائدة، وكذلك آية التحريم
قال سيبويه: باب ما لفظ به مما هو مثنًّى كما لفظ بالجمع.
وهو أن يكون الشيئان كلُّ واحد منهما بعض شيء مفردٍ من صاحبه، وذلك قولك: ما أحسن رءوسهما، وأحسن عواليهما، وقال -عز وجل-: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (التحريم: 4)، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، فرقوا بين المثنى الذي هو شيءٌ على حدةٍ وبين ذا.
وقال الخليل: نظيره قولك: فعلنا، وأنتما اثنان فتكلم به كما تكلم به وأنتم ثلاثة، وقد قالت العرب في الشيئين اللذين كل واحد منهما اسمٌ على حدة وليس واحدٌ منهما بعض شيء كما قالوا في ذا؛ لأن التثنية جمعٌ، فقالوا كما قالوا: فعلنا.
وزعم يونس أنهم يقولون: ضع رحالهما وغلمانهما، وإنما هما اثنان. قال اللَّه عز وجل ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ (ص: 21 - 24)، وقال ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ (الشعراء: 15).
وزعم يونس أنهم يقولون: ضربت رأسيهما. وزعم أنه سمع ذلك من رؤبة أيضًا، أجروه على القياس، قال هميان بن قحافة:
ومهمهين قذفين مرتين... ظهراهما مثل ظهور الترسين
وقال الفرزدق:
هما نفثا في فيَّ من فمويهما... على الناب العاوي أشد رجَامِ
وقال أيضًا:
بما في فؤادَينا الشوق والهوى... فيجبر منهاض الفؤاد المشعف
ومن سنن العرب إذا ذكرت اثنين أن تجريهما مجرى الجمع كما تقول عند ذكر العمرين والحسنين: كرم اللَّه وجوههما.
وقال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ لأنّ كل شيء موحَّد من خَلْق الإنسان إذا ذكر مضافًا إلى اثنين فصاعدًا جمع، فقيل: قد هشمت رءوسهما، وملأت ظهورهما وبطونهما ضربًا، وإنما اختير الجمع على التثنية؛ لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين في الإنسان: اليدين والرجلين والعينين، فلما جرى أكثره على هذا ذُهِبَ بالواحد منه إذا أضيف إلى اثنين مذهب التثنية.
واعلم أن كل ما في الجسم منه شيء واحد لا ينفصل كالرأس، والأنف، والعين، واللسان، والظهر، والبطن، والقلب - فإنك إذا ضممت إليه مثله جاز فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: الجمع؛ وهو الأكثر نحو قولك: ما أحسن رؤوسهما؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، وإنما عبروا بالجمع والمراد التثنية من حيث إن التثنية جمع في الحقيقة، ولأنه مما لا يلبس ولا يشكل؛ لأنه قد علم أن الواحد لا يكون له إلا رأس واحد أو قلب واحد، فأرادوا الفصل بين النوعين فشبهوا هذا النوع بقولهم: نحن فعلنا، وإن كانا اثنين في التعبير عنهما بلفظ الجمع..
والوجه الثاني: التثنية على الأصل وظاهر اللفظ.
والوجه الثالث: الإفراد.
- آية يوسف
يعود الكلام -جميعًا- على ثلاثة هم: يوسف -عليه السلام-، وأخوه الذي اتُّهِمَ بسرقة صواع الملك، وأخوه الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (يوسف: 80).
- آية الأنبياء
حيث أضيف (حكم) إلى ضمير داود وسليمان -عليهما السلام- وهما حاكمان وغيرهما وهم المحكوم عليهم.
﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم الحاكمين، وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين وهو مذهب طائفة من أهل العربية كالزمخشري، والرضي، وتقدمهما إلى القول به الفراء.
وقيل: المراد الحاكمان والمحكوم عليه.
والضمير في (حكمهم) يعود على أقرب مذكور وهو (القوم).
- وفيما يتعلق بآية سورة الحج
أولًا: الخصمان جمعان وهذا واضح في سبب نزول الآية:
عن قيس بن عباد، عن علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- أنه قال: أنا أول من يجثوا بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. قال قيس: وفيهم أنزلت: ﴿هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة (أو أبو عبيدة) بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.
والخصم: صفة وصف بها الفوج أو الفريق، فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان مختصمان، وقوله: (هذان) للفظ، و (اختصموا) للمعنى.
وقوله: (اخْتَصَمُوا) ولم يقل: اختصمَا لأنهما جَمعان ليسَا برجلين، ولو قيل: اختصما كان صَوَابًا، ومثله ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ يذهب إلى الجمع، ولو قيل: اقتتلتا لجاز؛ يذهب إلى الطائفتين.
فالخصمان -مؤمنون هم: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، وكافرون هم: ابنا ربيعة: شيبة، وعتبة، والوليد بن عتبة- كلُّ فريق منهم به أكثر من واحد؛ لذا جاءت (اختصموا) مفيدةً الجمعَ لهذا المعنى.
ثانيًا: الاثنان قد يعاملان معاملة الجميع.
فإذا اعتبرنا أن (الخصمان) مثنى لفظًا؛ فإن العرب تجيز أن يصيرا كالجمع.
قال سيبويه: وسألتُ الخليل -رحمه اللَّه- عن: ما أحسنَ وجوهَهما؟ فقال: لأن الاثنين جميعٌ، وهذا بمنزلة قول الاثنين: نحن فعلنا ذاك، ولكنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما يكون منفردًا وبين ما يكون شيئًا من شيء، وقد جعلوا المفردين أيضًا جميعًا.
قول اللَّه -عز وجل- ﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قد جاء بلفظ العدد الذي فوق الاثنين وكان مثل ذلك مما تقوله العرب: التقى العسكران فقتل بعضهم بعضًا.
ثالثًا: لفظة (خصم) هي مصدر يوصف به الجمع والواحد، ويدل على أنه أراد الجمع قوله: (اختصموا) فإنها قراءة الجمهور.
والوصف الذي كان في الأصل مصدرًا نحو: صوم وغور.
فيجوز أن يعتبر الأصل فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث؛ قال اللَّه تعالى: ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (الذاريات: 24)، وقال: ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ (ص: 21).
قال أبو العباس -ثعلب-: ﴿هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، قال: كان الخصمان واسطة القلادة من الفئتين يوم بدر، والخصم يكون واحدًا ويكون جمعًا. سمى المخاصم خصما، واستعمل للواحد والجمع وربما ثني.
وقد يكون الخَصم للاثنين والجمع والمُؤنث.
وقد قيل: اختصموا، وقد قال: خصمان؛ لأنهما جمعان.
فلمراعاة تثنية اللفظ في الآية ﴿هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ أتي باسم الإشارة الموضوع للمثنى، ولمراعاة العدد أتي بضمير الجماعة.
- آية الشعراء
قال: (اذهبا) لأن الأمر بالذهاب لاثنين هما: موسى وهارون -عليهما السلام-، فلما أثبت الاستماع قال: (معكم)؛ لأنهم: موسى، وهارون -عليهما السلام-، وفرعون، ومن كان حاضرًا معه، فصح عودة (معكم) عليهم جميعًا.
يقولون: ذكر (معكم) بلفظ الجمع وهما اثنان؛ أجراهما مجرى الجماعة، وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون.
ولا يخفى ما في الإتيان بـ (معكم) من الإحاطة والشمول.
- آية ص
(خصم) خرج في لفظ الواحد؛ لأنه مصدر مئل: الزور والسفر، لا يثنى ولا يجمع. فالخَصْمُ يكون للاثنين والجمع والمؤنث.
ومنه قول لبيد:
وَخَصْمٍ يَعدوّنَ الدُّخُولَ كَأَنَّهُمْ... قُرُومٌ غَيَارَى كلَّ أزْهَرَ مُصْعَب.
وأما قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ الآية؛ فهذه الآية تدل بظاهرها على أن الخصم مفرد، ولكن الضمائر بعده تدل على خلاف ذلك.
والجواب: أن الخصم في الأصل مصدر: خصمه، والعرب إذا نعتت بالمصدر أفردته وذكّرته، وعليه فالخصم يراد به الجماعة والواحد والاثنان، ويجوز جمعه وتثنيته لتناسي أصله الذي هو المصدر وتنزيله منزلة الوصف، قال ابن مالك:
ونعتوا بمصدر كثيرا... فالتزموا الإفراد والتذكيرا.
وربّما ذهبت العرب بالاثنين إلى الجمع، كما يُذهب بالواحِدِ إلى الجمع.. ومثل ذلكَ قوله في سورة ص: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ ثم أعاد ذكرهَما بالتثنية فقال: ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾.
﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ يعني: الملكين اللذين تصورا في صورة خصمين من بني آدم، (إذ تسوروا المحراب) علوا غرفة داود -عليه السلام-.
قال بعضهم: كانوا اثنين فذكر بلفظ الجماعة فقال: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ﴾، وقال بعضهم: كانوا جماعة، ولكنهم كانوا فريقين فقال: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾.
- آية الحجرات
هذا اللفظ - (طائفتان) - مثنى غير حقيقي فهو مثنى في اللفظ جمع في المعنى.
فالطائفة في الأصل الجماعة التي من شأنها الطوف في البلاد للسفر، ويجوز أن يكون أصلها الجماعة التي تستوي بها حلقة يطاف عليها، ثم كثر ذلك حتى سمي كل جماعة طائفة.
قال: (إن طائفتان) ثم قال: (اقتتلوا) ولم يقل: اقتتلتا -ولو قاله لكان جائزًا- لأن كل طائفة منهما جماعه.
عن مجاهد في هذه الآية: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: الطائفة واحد إلى الألف، ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.
فالعرب تحمل على اللفظ وعلى المعنى كما قال -عز وجل-: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.
ألا ترى أن الطائفتين لما كانتا في المعنى جمعًا لم يرجع الضمير إليهما مثنى، لكنه جمع على المعنى.
ويجوز تثنية اسم الجمع على تأويل: فرقتين وجماعتين... فالمراد من تثنية الجمع تضعيفه بجعله مثلين من نوعين، فلا تدافع بين التثنية والجمع..
كما قال الشاعر:
لنا إبلان فيهما ما علمتم... فعن أيةٍ ما شئتم فتنكبوا
والمشهور في الكتب: فعن أيها بتأنيث الضمير؛ على أنه راجع إلى فرقة وقطعة، وقوله: "فعن أيها" أعاد الضمير على مجموع الإبلين؛ لأنها جماعة.
وإذا قالوا: إبلان فإنما يريدون قطعتين من الإبل.. أرادوا به قطعتين: قطعة في جهة، وقطعة في أخرى، أو قطعتين من الإبل والغنم، أو إبلًا موصوفة بصفة غير الإبل الأخرى لتفيد التثنية معنًى ما، والمعنى: لنا قطيعان من الإبل فيهما ما علمتم من قرى الأضياف وتحمل الغرامات، فخذوا عن أيهما ما شئتم وأردتم، فإنها مباحةٌ غير ممنوعة.
- آية التحريم
قال السيوطي: ومن سنن العرب ذكرُ الجمع والمراد واحد أو اثنان؛ قال تعالى: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ﴾ "والمراد واحد، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ والمنادى واحد، "بِمَ يَرْجِع المُرْسلون" وهو واحد؛ بدليل ارجع إليهم، "فقد صَغَتْ قلوبكما" وهما قلبان.
فالعرب تكره الجمع بين تثنيتين في لفظ واحد.
والأكثر في كلامهم إخراج مثل هذا -أي: المثنى- إلى الجمع كراهةً لاجتماع تثنيتين في اسمٍ واحد؛ لأن المضاف إليه من تمام المضاف، مع ما في التثنية من معنى الجمع، وأن المعنى لا يشكل، ولذلك قال: مثل ظهور الترسين، فجمع الظهر.
ويمكن أن يجاب عنه -أي: الجمع (قلوب) المسند إلى المثنى (هما) - بأن الخطاب وإن كان مع اثنين وأنه ليس لكل واحد منهما في الحقيقة سوى قلب واحد غير أنه قد يطلق اسم القلوب على ما يوجد للقلب الواحد من الترددات المختلفة إلى الجهات المختلفة مجازًا، ومن ذلك قولهم لمن مال قلبه إلى جهتين أو تردد بينهما: إنه ذو قلبين، وعند ذلك فيجب حمل قوله: (قلوبكما) على جهة لفظ الجمع على الاثنين حقيقة ويمكن أن يقال: إنما قال: (قلوبكما) تجوزًا حذرًا من استثقال الجمع بين تثنيتين.