فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ 82 مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ 83 ۞ وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكُم بِخَيۡرٖ وَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ مُّحِيطٖ 84 وَيَٰقَوۡمِ أَوۡفُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ 85 بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ 86 قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ 87 قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ 88
الصفحة 231

معاني وغريب سورة هود - الآية 82

فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةࣰ مِّن سِجِّيلࣲ مَّنضُودࣲ 82

وَقَوْلُهُ: ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾، يُقالُ: إنَّ جِبْرِيلَ جَعَلَ جَناحَهُ في أسْفَلِها، ثُمَّ رَفَعَها إلى السَّماءِ، حَتى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ، وصِياحَ الدَّجاجِ، ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ، ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [هود: 83]
وَقَدْ قالَ النّاسُ في ”سِجِّيلٍ“، أقْوالًا، فَفي التَّفْسِيرِ أنَّها مِن جِلٍّ، وحِجارَةٍ، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: هو فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، والعَرَبُ لا تَعْرِفُ هَذا، والَّذِي عِنْدِي أنَّهُ إذا كانَ هَذا التَّفْسِيرُ صَحِيحًا فَهو فارِسِيٌّ، أُعْرِبَ لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - قَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الحِجارَةَ في قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ، فَقالَ: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: 33]، فَقَدْ تَبَيَّنَ لِلْعَرَبِ ما عُنِيَ بِـ ”سِجِّيلٍ“ .
وَمِن كَلامِ الفُرْسِ ما لا يُحْصى، مِمّا قَدْ أعْرَبَتْهُ العَرَبُ، نَحْوَ: ”جامُوسٌ“، و”دِيباجٌ“، فَلا أُنْكِرُ أنَّ هَذا مِمّا أُعْرِبَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مُعَمَّرُ بْنُ المُثَنّى: تَأْوِيلُهُ كَسِيرَةٌ شَدِيدَةٌ، وقالَ: إنَّ مِثْلَ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ ص: 71 ]
؎وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ البَيْضَ عَنْ عُرُضٍ ضَرْبًا تَواصَتْ بِهِ الأبْطالُ سِجِّينا
والبَيْتَ لِابْنِ مُقْبِلٍ، و”سِجِّينٌ“، و”سِجِّيلٌ“، بِمَعْنًى واحِدٍ.
وَقالَ بَعْضُهُمْ: ”سِجِّيلٌ“، مِن ”أسْجَلْتُهُ“، أيْ: أرْسَلْتُهُ، فَكَأنَّها مُرْسَلَةٌ عَلَيْهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”مِن سِجِّيلٍ“: مِن ”أسْجَلْتُ“، إذا أعْطَيْتُ، فَجَعَلَهُ مِن ”اَلسَّجْلُ“، وهو الدَّلْوُ، قالَ الفَضْلُ بْنُ عَبّاسٍ:
؎مَن يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجِدًا ∗∗∗ يَمْلَأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ
وَقِيلَ: ”مِن سِجِّيلٍ“: كَقَوْلِكَ: ”مِمّا سُجِّلَ“، أيْ: ”مِمّا كُتِبَ لَهُمْ“، وهَذا القَوْلُ إذا فُسِّرَ، فَهو أثْبَتُها، لِأنَّ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى دَلِيلًا عَلَيْهِ.
قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: 7] ﴿وَما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ [المطففين: 8] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: 9]، [ ص: 72 ] ”سِجِّيلٌ“، في مَعْنى ”سِجِّينٌ“، فالمَعْنى أنَّها حِجارَةٌ مِمّا كَتَبَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أنَّهُ يُعَذِّبُهم بِها، وهَذا أحْسَنُ ما مَرَّ فِيها عِنْدِي.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [هود: 83]، فَمَعْناهُ أنَّ بَعْضَها يَأْتِي مَعَ بَعْضٍ كالمَطَرِ، وأمّا ”مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ“، فَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّها مُعَلَّمَةٌ بِبَياضٍ، وحُمْرَةٍ، وقالَ غَيْرُهُ: ”مُسَوَّمَةً“، بِعَلامَةٍ يُعْلَمُ بِها أنَّها لَيْسَتْ مِن حِجارَةِ أهْلِ الدُّنْيا، وتُعْلَمُ بِسِيماها أنَّها مِمّا عَذَّبَ اللَّهُ بِها، ﴿وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 83]، قِيلَ: إنَّها ما هي مِن ظالِمِي هَذِهِ الأُمَّةِ بِبَعِيدٍ.
فهرس الكتاب