سنن سعيد بن منصورالجزء 2 · ص 564 - 583

بَابُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ (2 من 10)

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾]

192 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ (^1)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَيْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ عز وجل: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾، قَالَ: هِيَ السَّوْدَاءُ شَدِيدَةُ السَّوَادِ.

  • (1) هو نوح بن قيس بن رَبَاح الأَزْدي، أبو رَوْح البصري، روى عن أخيه خالد بن قيس وثمامة بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ وأيوب السختياني وابن عون ومحمد بن سيف وغيرهم، روى عنه يزيد بن هارون وعفان بن مسلم ومسدَّد وسعيد بن منصور وغيرهم، وهو ثقة رمي بالتشيع؛ وثقه أحمد وابن معين والعجلي وأبو داود وقال: ((يتشيع))، وقال النسائي: ((ليس به بأس))، وكانت وفاته سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومائة. اهـ. من "تاريخ الثقات" للعجلي (ص 453 رقم 1706)، و"سؤالات الآجري" لأبي داود (ص 335 رقم 531)، و"تهذيب الكمال" المخطوط (3/ 1426)، و"التهذيب" (10/ 485 - 486 رقم 875).
    [192] سنده صحيح، وأما متنه فسيأتي الكلام عنه.
    وأخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (2/ 199 رقم 1218 و 1219).
    وابن أبي حاتم في "التفسير" (1/ 220 و 221 رقم 714 و 720).
    أما ابن جرير فمن طريق إسماعيل بن مسعود الجَحْدري ومسلم بن إبراهيم، وأما ابن أبي حاتم فمن طريق نصر بن علي ومسلم بن إبراهيم، ثلاثتهم عن نوح بن قيس، به نحوه.
    وذكره السيوطي في "الدر" (1/ 191) وعزاه للمصنف وعبد بن حميد وابن جرير.
    وذكر ابن جرير في "تفسيره" (2/ 199 - 201) هذا القول وقول من قال: صفراء القرن والظَّلْف، ثم قال: (وأحسب أن الذي قال في قوله: ((صفراء))، يعني به سوداء، ذهب إلى قولهم في نعت الإبل السود: ((هذا إبل صفر، وهذه ناقة =
564

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾]

193- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَذُوا أَدْنَى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُمْ، ولكنَّهم شدَّدوا، وَلَوْلَا أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما وجدوها» .

  • = صفراء)) ، يعني بها سوداء، وإنما قيل ذلك في الإبل؛ لأن سوداها يضرب إلى الصفرة … ، وذلك إن وصفت الإبل به فليس مما توصف به البقر، مع أن العرب لا تصف السواد بالفُقُوع، وإنما تصف السواد - إذا وصفته بالشدة - بالحُلُوكَة ونحوها، فتقول: هو أسود حالك....، ولا تقول: هو أسود فاقع، وإنما تقول: هو أصفر فاقع، فوصفه إياه بالفقوع من الدليل البين على خلاف التأويل الذي تأوَّل قوله: ﴿إنها بقرة صفراء فاقع﴾ المتأوِّل بأن معناه: سوداء شديدة السواد)) . اهـ. بتصرف.
    ولما ذكر الحافظ ابن كثير قول الحسن هذا في "تفسيره" (1 / 110) قال: (وهذا غريب، والصحيح الأول؛ ولهذا أكَّد صفرتها بأنه: ((فاقع لونها)) . اهـ.
    والقول الذي صححه ابن كثير هو قول من قال: إنها كانت صفراء.
    [193] سنده ضعيف لإرساله، وهو صحيح إلى عكرمة.
    وذكره السيوطي في "الدر" (1 / 189) وعزاه للمصنف والفريابي وابن المنذر.
    وله شاهد من حديث أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم -: ((لولا أن بني إسرائيل قالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما أعطوا أبدًا، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم)) .
    أخرجه ابن مردويه في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" (1 / 111) .
    والبزار في "مسنده" (3 / 40 رقم 2188 / كشف الأستار) . =
565

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾]

194 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ؛ قَالَ: نا خَالِدُ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، فِي قَوْلِهِ عز وجل: ﴿وَقُولُوا (^1) لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ قَالَ: لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ، لِلْمُشْرِكِ، وَغَيْرِ المشرك.

  • = وابن أبي حاتم في "تفسيره" (1/ 223 رقم 727).
    ثلاثتهم من طريق أبي عامر سرور بن المغيرة الواسطي ابن أخي منصور بن زاذان، عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، به واللفظ لابن مردويه، وأما البزار فروى شطره الثاني بنحوه، وأما ابن أبي حاتم فروى شطره الأول بنحوه.
    قال البزار عقبه: ((لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد)).
    وقال الحافظ ابن كثير بعد أن ذكره في الموضع السابق: ((وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة)).
    وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (6/ 314): ((رواه البزار، وفيه عباد بن منصور وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات)).
    قلت: والحسن البصري تقدم في الحديث [5] أنه مدلس ولم يصرح بالسماع وعليه فالحديث باقٍ على ضعفه.
  • (1) في الأصل: (وقوا).
    [194] سنده صحيح.
    وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" (2/ 296 - 297 رقم 1455 و 1456 و 1457).
    وابن أبي حاتم (1/ 257 - 258 رقم 848).
    أما ابن جرير فمن طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي والقاسم بن مالك المزني وهشيم بن بشير، وأما ابن أبي حاتم فمن طريق يحيى بن يمان ومحمد بن فضيل ومحمد بن عبيد، جميعهم عن عبد الملك، به مثله دون قوله: =
566

195 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ (أَبِي) (^1) سُلَيْمَانَ قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَقْرَأُ: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: (وَقُولُوا للناس حَسَنًا).

  • = (للمشرك وغير المشرك)، غير أن لفظ المحاربي قال فيه: ((حدثنا عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، قال: سألت عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ قول الله جل ثناؤه: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾، قال: من لقيت من الناس فقل له حسنًا من القول)).
  • (1) ما بين القوسين سقط من الأصل، ولابد منه كما يتضح من الحديث السابق.
    [195] سنده رجاله ثقات، لكنه ضعيف للانقطاع بين عبد الملك وبين زيد وابن مسعود، فعبد الملك لم يذكروا أنه روى عن صحابي غير أنس، ومع ذلك قال أبو حاتم: ((حديثه عن أنس رضي الله عنه مرسل)). انظر "جامع التحصيل" (ص 279 رقم 470)، و"التهذيب" (6/ 396).
    والحديث ذكره السيوطي في "الدر" (1/ 210) وعزاه للمصنف وأبي عبيد وابن المنذر.
    وأما القراءتان، فالأولى بضم الحاء وسكون السين المهملة، وأما الثانية فبفتحهما.
    وبفتحهما قرأ حمزة والكسائي، وبضم الحاء قرأ الباقون كما في "حجة القراءات" لابن زَنْجلة (ص 103).
    وقال ابن جرير في "تفسيره" (2/ 294):
    وأما ((الحسن)) فإن القَرَأة اختلفت في قراءته. فقرأته عامة قَرأة الكوفة غير عاصم: ((وقولوا للناس حَسَنًا))، بفتح الحاء والسين. وقرأته عامة قراء المدينة: ((حُسْنًا)) بضم الحاء وتسكين السين.
    واختلف أهل العربية في فرق ما بين معنى قوله: ((حُسْنًا))، و ((حَسَنًا)). فقال بعض البصريين: هو على أحد وجهين: إما أن يكون يراد بـ ((الحَسن)) ((الحُسن)) وكلاهما لغة، كما يقال: ((البُخْل والبَخَل))، وإما أن يكون جعل ((الحُسن)) هو ((الحَسن)) في التشبيه. وذلك أن الحُسن ((مصدر)) و ((الحَسن))، هو الشيء =
567

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾]

196- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أسْرى) .

197- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (وَإِنْ يأتوكم أسْرى تفدوهم) .

  • = الحسن.
    وقال آخر: ((الحُسْن)) هو الاسم العام الجامع جميع معاني الحسن. و ((الحَسَن)) هو البعض من معاني ((الحُسن)) . قال: ولذلك قال جل ثناؤه، إذ أوصى بالوالدين: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [سورة العنكبوت: 8] ، يعني بذلك أنه وصاه فيهما بجميع معاني الحُسن، وأمر في سائر الناس ببعض الذي أمره به في والديه، فقال: ((وقولوا للناس حَسَنًا)) ، يعني بذلك بعضَ معاني الحُسن.
    قال أبو جعفر: والذي قاله هذا القائل في معنى ((الحسن)) بضم الحاء وسكون السين، غيرُ بعيد من الصواب، وأنه اسم لنوعه الذي سُمِّي به. وأما ((الحَسَن)) فإنه صفة وقعت لما وصف به، وذلك يقع بخاص. وإذا كان الأمر كذلك، فالصواب من القراءة في قوله: ﴿وقُولُوا للنَّاسِ حَسَنًا﴾ ، لأن القوم إنما أمروا في هذا العهد الذي قيل لهم: ((وقولوا للناس)) باستعمال الحَسَن من القول، دون سائر معاني الحسن الذي يكون بغير القول، وذلك نعتٌ لخاص من معاني الحُسن، وهو القول.
    فلذلك اخترت قراءته بفتح الحاء والسين، على قراءته بضم الحاء وسكون السين. اهـ.
    [196 و 197] سندهما ضعيف، مدارهما على مغيرة بن مقسم الضَّبِّي، وهو ثقة متقن، إلا أنه كان يدلس ولا سيّما عن إبراهيم النخعي كما سبق في الحديث [54] ، وهذا من روايته عنه ولم يصرح فيه بالسماع. =
568

صفحة بلا نص.

  • = والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (1 / 212) وعزاه للمصنف فقط، لكن وقع هناك: ﴿وإن يأتوكم أسارى تفدوهم﴾ .
    قال أبو جعفر ابن جرير في "تفسيره" (2 / 310 - 312) : (واختلف القَرَأَةُ في قراءة قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تفدوهم﴾ ، فقرأه بعضهم: ((أسرى تَفْدُوهم)) ، وبعضهم ((أَسَارى تُفادُهم)) ، وبعضهم ((أَسَارى تَفدوُهم)) ، وبعضهم ((أسْرى تُفادوهم)) .
    قال أبو جعفر: فمن قرأ ذلك: ((وإِنْ يَأتوكم أسْرَى)) ، فإنه أراد جمع ((الأسير)) ، إذ كان على ((فعيل)) ، على مثال جَمْع أسماء ذوي العاهات التي يأتي واحدُها على تقدير ((فعيل)) ، إذ كان ((الأسر)) شبيهَ المعنى - في الأذى والمكروه الداخل على الأسير - ببعض معاني العاهات، وألحق جَمْع المستلحَق به بجمع ما وصفنا، فقيل: ((أسير وأسْرى)) ، كما قيل: ((مريض ومَرْضى)) ، وكسير وكَسرى، وجَريح وجَرحْى)) .
    وقال أبو جعفر: وأما الذين قرأوا ذلك ((أسَارى)) ، فإنهم أخرجوه على مخرج جمع ((فَعلان)) ، إذ كان جمع ((فَعلان)) الذي له ((فَعْلى)) قد يشارك جمع ((فعيل)) كما قالوا: ((سَكارى وسَكْرَى، وكَسالى وكَسلى)) ، فشبهوا ((أسيرًا)) - وجمعوه مرة ((أَسَارى)) ، وأخرى ((أَسْرى)) - بذلك.
    وكان بعضهم يزعم أن معنى ((الأسرى)) مخالف معنى ((الأسارى)) ، ويزعم أن معنى ((الأسرى)) : استشار القوم بغير أسر من المستأسِر لهم، وأن معنى ((الأسارى)) معنى مصير القوم المأسورين في أيدي الآسرين بِأَسَرْهم وأخْذهم قهرًا وغلبةً.
    قال أبو جعفر: وذلك ما لا وجه له يفهم في لغة أحد من العرب. ولكن ذلك على ما وصفتُ من جمع ((الأسير)) مرة على ((فَعلى)) لما بينت من العلة، ومرة على ((فَعَالى)) ، لما ذكرت من تشبيههم جمعه بجمع ((سكران وكسلان)) وما أشبه ذلك.
    وأولى بالصواب في ذلك قراءةُ من قرأ: (وإنْ يَأتوكم أسْرى) ، لأن ((فعالى)) =
569

198 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ حُميد (^1)، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (أسْرى).

199 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشيم، قَالَ: نا عَبَّاد بْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّهُ كَانَ يقرأ: (أسَارى تُفَادُوهم).

  • = في جمع ((فعيل)) غيرُ مستفيض في كلام العرب، فإذْ كان ذلك غير مستفيض في كلامهم، وكان مستفيضًا فاشيًا فيهم جمعُ ما كان من الصفات - التي بمعنى الآلام والزمانة - وواحدُه على تقدير ((فعيل))، على ((فعلى))، كالذي وصفنا قبل، وكانَ أحد ذلك ((الأسير))، كان الواجب أن يُلحق بنظائره وأشكاله، فيجمع جَمعَها دون غيرها ممن خالفها.
    وأما من قرأ ((تُفادُوهم))، فإنه أراد: إنكم تفدُونهم من أسْرهم، ويفدِي منكم - الذين أسروهم ففادوكم بهم - أسْراكم منهم.
    وأما من قرأ ذلك ((تَفدوهم))، فإذا أراد: إنكم يا معشَر اليهود، إن أتاكم الذين أخرجتموهم منكم من ديارهم أسْرى فدَيْتموهم فاستنقذتموهم.
    وهذه القراءةُ أعجب إليّ من الأولى - أعني: ((أسرى تُفادُوهم)) - لأن الذي على اليهود في دينهم فداء أسراهم بكل حال، فَدَى الآسرون أسْراهم منهم أم لم يفدوهم). اهـ.
    قلت: والقراءة بغير ألف: (أَسْرى) هي قراءة حمزة، وسيأتي في الحديث الآتي أنها قراءة حميد الطويل. وبإثباتها: (أسارى) هي قراءة الباقين، ومنهم الحسن البصري، كما سيأتي في الحديث [199].
    وقرأ نافع وعاصم والكسائي: (تُفَادوهم) بالألف، وهي قراءة الحسن البصري كما سيأتي في الحديث [199]، وقرأ الباقون: (تَفْدوهم). انظر "حجة القراءات" (ص 104 - 105).
  • (1) هو حُميد بن أبي حُميد الطَّويل.
    [198] سنده صحيح، وانظر التعليق على الحديث السابق.
    [199] سنده حسن لذاته. =
570

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾]

200 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ الحدَّاد (^1)، عَنْ أَبِيهِ (^2)، (عَنْ) (^3) سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ عز وجل: (وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس) قَالَ: (إِنَّهُ) (^4) كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى.

  • = وذكره السيوطي في "الدر" (1/ 212) وعزاه للمصنف فقط.
    وانظر التعليق على الحديث رقم [197].
  • (1) تقدم في الحديث [179] أنه متروك رافضي.
  • (2) هو ثابت هُرْمُز الكوفي، مولى بكر بن وَائِل، أبو المِقْدام الحدّاد، مشهور بكنيته، يروي عن أبي وائل شقيق بن سلمة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وغيرهم، روى عنه ابنه عمرو وسفيان الثوري وشعبة وغيرهم، وهو ثقة، وثقه أحمد وابن معين وابن المديني وأبو داود ويعقوب بن سفيان والنسائي وأحمد بن صالح وزاد: ((كان شيخًا عاليًا صاحب سنة))، وقال أبو حاتم ((صالح))، وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان حديثه في الحيض في "صحيحهما" وصححه ابن القطان، وقال عقبه: ((لا أعلم له علة، وثابت ثقة، ولا أعلم أحدًا ضعفه غير الدارقطني))، وقال الأزدي: ((يتكلمون فيه)). اهـ. من "الجرح والتعديل" (2/ 459 رقم 1854)، و"التهذيب" (2/ 16 - 17 رقم 25).
    قلت: أما تضعيف الدارقطني فلم أجده في شيء من المطبوع من كلامه في الرجال، ولا في كتاب الحيض من "سننه" الذي هو مظنّة وجوده فيه، ولم أجد من ذكره عن الدارقطني سوى ابن القطان، وإن ثبت عنه فنهو جرح مجمل معارض بتوثيق الأئمة الذين تقدم النقل عنهم، ولذا فإن الذهبي لم يورد ثابتًا هذا في الميزان بناءً على أنه متكلم فيه، وإنما أورده بناءً على أن ابن الجوزي أخطأ - فيما يظهر - في اسم رجل لعله ثابت هذا، قال الذهبي (1/ 368 رقم 1377): ((ثابت بن أبي المقدام، عن بعض التابعين، مجهول؛ كذا أورده ابن الجوزي، وما أبعد أن يكون ثابتًا أبا المقدام، وهو ثابت بن هُرمز، يروي =
571

صفحة بلا نص.

  • = عن ابن المسيب، وهو ثقة احتجّ به النسائي))، وذكره أيضًا في "الكاشف" (1/ 172 رقم 707) وقال: ((ثقة))، وعليه فقول الحافظ ابن حجر في "التقريب" (ص 133 رقم 832) عن ثابت هذا: ((صدوق يهم)) غير وجيه لما تقدم.
    وأما قول الأزدي: ((يتكلمون فيه)) فلا يلتفت إليه؛ بقول الحافظ ابن حجر في "التهذيب" (4/ 399): ((وقول الأزدي لا عبرة به إذا انفرد))، ويقول في "هدي الساري" (ص 386): ((لا عبرة بقول الأزدي؛ لأنه ضعيف، فكيف يعتمد في تضعيف الثقات)) ويقول الذهبي في "الميزان" (3/ 523) بعد أن ذكر الأزدي: ((له كتاب كبير في الجرح والضعفاء عليه فيه مؤخذات))، ويقول في المرجع نفسه (1/ 5): ((وأبو الفتح - يعني الأزدي - يُسْرف في الجرح، وله مصنف كبير إلى الغاية في المجروحين، جمع فأَوْعى، وجرح خلقًا بنفسه لم يسبقه أحد إلى التكلم فيهم، وهو المتكلَّم فيه))، ويقول أيضًا (ص 61): ((لا يتلفت إلى قول الأزدي، فإن في لسانه في الجرح رَهَقًا)). اهـ.
  • (3) ما بين القوسين سقط من الأصل، وهي زيادة يتقضيها السياق.
  • (4) في الأصل: (نه).
    [200] سنده ضعيف جدًّا لشدة ضعف عمرو بن ثابت، والصواب أن قوله تعالى: ﴿روح القدس﴾ المراد به جبريل، ويدل عليه ما أخرجه البخاري في "صحيحه" (10/ 546 رقم 6152) في الأدب، باب هجاء المشركين، ومسلم (4/ 1933 رقم 152) في فضائل حسان بن ثابت - رضي الله عنه - من كتاب فضائل الصحابة، كلاهما من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة فيقول: يا أبا هريرة، نشدتك الله، هل سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم - يقول: ((يا حسان، أجب عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم -، اللهم أيده بروح القدس))؟ قال أبو هريرة: نعم.
    وأخرجه مسلم أيضًا برقم (151) من طريق سعيد بن المسيب متابعًا لأبي سلمة. =
572

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾]

201 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ عز وجل: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، قَالَ: هُوَ قَوْلُ الْأَعَاجِمِ إِذَا عَطِسَ أَحَدُهُمْ يُقَالُ لَهُ: زه هزار سال (^1) - يَعْنِي: أَلْفَ سَنَةٍ -.

  • = وأخرج البخاري في الموضع نفسه برقم (6153)، ومسلم أيضًا برقم (153) كلاهما عن البراء بن عازب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - يقول لحسان بن ثابت: ((اهجهم - أو: هاجهم - وجبريل معك)).
    وهذا المعنى الذي ذكرت هو ما رجحه ابن جرير (2/ 321 - 322) ابن كثير (1/ 122 - 123)، واستدلا على ذلك ببعض الأدلة، ذكر ابن كثير منها ما ذكرت آنفًا، وأما ابن جرير فقال: (وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: ((الروح)) في هذا الموضع: جبريل؛ لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيّد عيسى به كما أخبر في قوله: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: 110] …) إلخ.
  • (1) جاء في تعليق الشيخ محمود شاكر على "تفسير الطبري" (2/ 372) أنه سأل أحد أصحابه ممن يعرف الفارسية، فأفاد بأن معنى ((زه)): عش، و ((هزار)): ألف، و ((سال)): سنة، فيكون المعنى: عش ألف سنة.
    [201] سنده رجاله ثقات، لكنه ضعيف لتدليس الأعمش، فإنه دلّس هذا الخبر عن سعيد بن جبير كما سيأتي.
    والحديث ذكر السيوطي في "الدر" (1/ 221) وعزاه للمصنف وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم.
    وابن جرير الطبري أخرجه في "تفسيره" (2/ 273 رقم 1596) فقال: وحُدِّثت =
573

صفحة بلا نص.

  • = عن أبي معاوية، عن الأعمش … ، فذكره، إلا أنه جاء عنده: (عشرة آلاف سنة) بدلاًَ من قوله: (يعني ألف سنة) .
    وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (2 / 263) من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن أبي معاوية، به مثله، وعنده: (ده) بدلاً من قوله: (زه) .
    وهذا الحديث مما لم يسمعه الأعمش من سعيد بن جبير، لكن اختلف في الواسطة بينهما.
    فأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (10 / 473 رقم 10029) .
    وابن أبي حاتم في "تفسيره" (1 / 287 رقم 953) .
    أما ابن أبي شيبة فعن عبد الله بن نمير مباشرة، وأما ابن أبي حاتم فمن طريق أبي سعيد الأشج وأحمد بن سنان وأبي سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، ثلاثتهم عن ابن نمير، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عباس، به نحوه، إلا أن ابن أبي شيبة لم يذكر قوله: (زه) ، ووقع عند ابن أبي حاتم: (عشرة آلاف سنة) .
    وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (2 / 263 - 264) من طريق قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا في قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ ، قال: هم هؤلاء أهل الكتاب، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ ، قال: هو قول أحدهم لصاحبه: هزار سال سرور مهرجان بخور.
    وعلق مصحح "المستدرك" على هذه العبارة بقوله: ((يعني تمتع ألف سنة كمثل عيد مهرجان، هو يوم عيد لهم)) .
    ورواية ابن نمير أرجح من رواية قيس بن الربيع.
    فقيس تقدم في الحديث [54] أنه صدوق تغير لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به.
    وأما عبد الله بن نمير، فتقدم في الحديث [97] أنه ثقة صاحب حديث، روى له الجماعة، ومع أن رواية ابن نمير أرجح، إلا أنها ضعيفة؛ لأن الأعمش لم يصرح بالسماع فيما بينه وبين مسلم البطين، وليس هذا الموضع من المواضع التي تحمل فيها روايته على السماع وإن لم يصرح به، على ما سبق بيانه في الحديث رقم [3] ، على أن هناك اختلافًا آخر على الأعمش.
574

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾]

202- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وثَّاب: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (وَجِبْرِيلَ وَمِيكَايِيلَ) .

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾]

203- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: كَيْفَ نَقْرَأُ: ﴿واتَّبِعُوا﴾، أو: (اتَّبَعُوا)؟ قَالَ: هُمَا سَوَاءٌ، اقْرَأْ قِرَاءَتَكَ الأولى.

  • = فالحديث أخرجه ابن جرير الطبري (2 / 372 رقم 1591) من طريق أبي حمزة السُّكَّري، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابن عباس، به.
    وهذا لو صح عن الأعمش فهو ضعيف أيضًا؛ لأن الأعمش قد يحدث عن مجاهد تدليسًا ويسقط ثلاثة فيما بينه وبينه، وأحدهم متروك وهو الحسن بن عمارة. انظر تفصيل ذلك في ترجمة الأعمش في الحديث رقم [3] .
    وعليه فالحديث باق على ضعفه، والله أعلم.
    [202] سنده صحيح، والأعمش وإن لم يصرح بالسماع، إلا أنه ممن أخذ القراءة عن يحيى بن وثاب كما بينته في الحديث رقم [173] . ولم أجد من عزا هذه القراءة ليحيى بن وثاب.
    وقد قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص: (جِبْريلَ) بكسر الجيم والراء. وقرأ حمزة والكسائي: (جَبْرَئيلَ) بفتح الجيم والراء مهموزًا. وقرأ ابن كثير: (جَبْريل) بفتح الجيم وكسر الراء. وقرأ يحيى عن أبي بكر: (جَبْرئِل) ، وهذه لغة تميم وقيس. وقرأ أبو عمرو وحفص: (ميكال) بغير همز. وقرأ نافع: (ميكائِل) بهمزة مُخْتَلَسَة ليس بعدها ياء، كأنَّه كَسْرةُ الإشباع. وقرأ الباقون: (ميكائيل) ممدودًا. انظر "حجة القراءات" لابن زَنْجَلة =
575

204 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا عَتَّاب بْنُ بَشير (^1)، قَالَ: نا خُصَيْف (^2)، فِي قَوْلِهِ عز وجل: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾، قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ إِذَا نَبَتَتِ الشَّجَرَةُ قَالَ: لأيِّ داءٍ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: لِكَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا نَبَتَتْ شَجَرَةُ الحُرْنُوبَة الشَّامي (^3)، قَالَ: لِأَيِّ شَيْءٍ أَنْتِ؟ قَالَتْ: لِمَسْجِدِكَ أخَرِّبه، قَالَ: تُخَرِّبِيْنَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: بِئْسَ الشَّجَرَةُ أَنْتِ! فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ تُوُفِّيَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ فِي مَرْضَاهُمْ: لَوْ كَانَ لَنَا مِثْلُ سُلَيْمَانَ، فَأَخَذُوا الشَّيَاطِينَ، فَأَخَذُوا كِتَابًا، فَجَعَلُوهُ فِي مُصَلَّى سُلَيْمَانَ، فَقَالُوا: نَحْنُ نَدُلُّكُم عَلَى مَا كَانَ سُلَيْمَانُ يُدَاوي به،

  • = (ص 107 - 108).
    [203] سنده صحيح.
  • (1) هو عتَّاب بن بَشير - بفتح أوله -، الجَزَري، أبو الحسن أو أبو سهل الحَرَّاني، مولى بني أمية، روى عن خُصيف وإسحاق بن راشد والأوزاعي وغيرهم، روى عنه سعيد بن منصور هنا وفي عدة مواضع من "سننه"، وروى عنه أيضًا رَوْح بن عبادة وإسحاق بن راهويه ومحمد بن عيسى الطبّاع وغيرهم، وهو لا بأس به، إلا في روايته عن خَصيف، فإنها منكرة. قال ابن المديني: ((ضربنا على حديث عتاب بن بشير))، وقال ابن سعد والنسائي: ((ليس بذاك))، وفي رواية عن النسائي قال: ((ليس بالقوي))، وقال الساجي: ((عنده مناكير))، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ((كان ممن يخالف))، ووثقه ابن معين والدارقطني، وقال ابن أبي حاتم: ((ليس به بأس))، وكانت وفاته سنة تسعين ومائة، وقيل: سنة ثمان وثمانين ومائة.
    انظر "ثقات" ابن حبان (8/ 522)، و"التهذيب" (7/ 90 - 91 رقم 192).
    أقول: والراجح من حال هذا الراوي أنه لا بأس به، وحديثه في عداد الحسن، وكلام الذين تكلموا فيه يمكن توجيهه فيما رَوَى عن خصيف؛ فإن روايته عنه منكرة، وخصيف مُضعَّف كما سيأتي، وهذا ما رآه الإمام أحمد، وقريب منه =
576

فَانْطَلَقُوا فَاسْتَخْرَجُوا ذَلِكَ الْكِتَابَ، فَإِذَا فِيهِ سِحْرٌ وَرُقىً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ﴾، وَذَكَرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ أبَيَّ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ - سَبْعَ مِرَارٍ -، فَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يَكْفُرَ عَلَّماه، فَيَخْرُجُ مِنْهُ نَارٌ - أَوْ نُورٌ - حَتَّى يَسْطَعَ فِي السَّمَاءِ، قَالَ: الْمَعْرِفَةُ الَّتِي كَانَ يَعْرِفُ.

  • = قول ابن عدي، يقول الإمام أحمد: ((أرجو أن لا يكون به بأس، روى بآخره أحاديث منكره، وما أرى أنها إلا من قبل خصيف))، وفي رواية: ((أحاديث عتاب عن خصيف منكرة))، ويقول ابن عدي: ((روى عن خصيف نسخة، وفي تلك النسخة أحاديث ومتون أنكرت عليه … ، ومع هذا فإني أرجو أنه لا بأس به). اهـ. من "الكامل" لابن عدي (5/ 1994)، والموضع السابق من "التهذيب".
  • (2) هو خُصيَفْ - بالصاد المهملة مصغّر -، ابن عبد الرحمن الجَزَري، أبو عون الحضرمي الحرّاني، الأموي مولاهم، روى عن عطاء وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم، روى عنه السفيانان وابن جريج وأبو الأحْوَص سلاّم بن سليم وغيرهم، وهو صدوق سيء الحفظ ورمي بالإرجاء، قال ابن المديني: ((كان يحيى بن سعيد يضعفه))، وقال جرير: ((كان خصيف متمكنًا في الإرجاء، يُتكلم فيه))، قوال الإمام أحمد: ((ضعيف الحديث))، وفي رواية: ((مضطرب الحديث))، وقال أبو حاتم: ((صالح، يُخلِّط))، وتكلِّم في سوء حفظه، وقال النسائي: ((عتّاب ليس بالقوي ولا خصيف))، وقال مرة: ((صالح))، وقال الساجي: ((صدوق))، وقال الدارقطني: ((يعتبر به، يهم))، وقال ابن معين: ((لا بأس به))، وقال مرة: ((ثقة))، وفي رواية: ((إنا كنا نتجنب حديثه))، وقال ابن سعد: ((ثقة))، وقال. ابن عدي: ((إذا حدث عن خصيف ثقة فلا بأس بحديثه =
577

صفحة بلا نص.

  • = ورواياته، إلا أن يروي عنه عبد العزيز بن عبد الرحمن، فإن رواياته عنه بواطيل والبلاء من عبد العزيز، لا من خصيف))، وذكره ابن حبان في المجروحين وقال: ((تركه جماعة من أئمتنا واحتجّ به جماعة آخرون. وكان خصيف شيخًا صالحًا فقيهًا عابدًا، إلا أنه كان يخطئ كثيرًا فيما يروي، ويتفرد عن المشاهير بما لا يتابع عليه، وهو صدوق في روايته، إلا إن الإنصاف في أمره: قبول ما وافق الثقات من الروايات وترك ما لم يتابع عليه - وإن كان له مدخل في الثقات -، وهو ممن أستخير الله فيه))، واختُلف في سنة وفاته، فقيل: سنة ست وثلاثين ومائة، وقيل: سنة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع وثلاثين ومائة، وقيل غير ذلك. اهـ. من "المجروحين" (1/ 287)، و"الكامل" لابن عدي (3/ 940 - 942)، و"التهذيب" (3/ 142 - 144 رقم 275)، و"التقريب" (ص 193 رقم 1718).
  • (3) الخُرْنُوبة نوعان من الشجر: بَرِّيٌّ وشاميّ، أما بَريُّهُ فيسمّى اليَنْبُوتَةَ، ذو شوك، وهو الذي يُسْتوقد به، يرتفع قدر الذراع، وله حَمْلٌ لكنّه بَشِع لا يؤكل إلا في الجَهْد، وفيه حبّ صُلْب. وأما شاميُّه فهو حلو يؤكل، وله حَبٌّ وحملٌ كالخيار. انظر "تاج العروس" (2/ 347 - 348).
    [204] سنده حسن إلى خصيف، لكن خصيفًا لم يذكر المصدر الذي تلقى ذلك عنه, والأظهر أنه من حديث بني إسرائيل الذي لا يصدق ولا يكذب، وقد صحّ بعضه عن ابن عباس كما سيأتي.
    وذكر السيوطي هذا الحديث في "الدر" (1/ 235) وعزاه لسعيد بن منصور فقط، وفي متنه بعض الاختصار.
    وقد صحّ بعض الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما من قوله وله عن ابن عباس طريقان:
  • (1) طريق سعيد بن جبير، وله عنه طريقان:
    أ- طريق عطاء بن السائب، واختلف عليه. =
578

صفحة بلا نص.

  • = فرواه سفيان بن عيينة وجرير بن عبد الحميد، عنه، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عباس موقوفًا عليه.
    وخالفهم إبراهيم بن طَهْمان، فرواه عنه مرفوعًا.
    أما رواية سفيان بن عيينة، فأخرجها محمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (1 / 225 رقم 207) ، فقال: حدثنا أبو قدامة عبيد الله بن سعيد، ثنا سفيان، قال: حدثني عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: كان سليمان كلما صلى صلاة، رأى شجرة نابتة، فيقول: ما أنت يا شجرة؟ فتقول [في الأصل: فيقول] : أنا شجرة كذا وكذا، لداء كذا وكذا، فيأمر بها، فتقطع [في الأصل: فيقطع] ، ويكتب: شجرة كذا وكذا لداء كذا وكذا، فصلى ذات يوم، فإذا شجرة نابتة، فقال لها: ما أنت يا شجرة؟ قالت: أنا الخَرُّوبة، قال: لم يكن الله ليخرب هذا المسجد وأنا حي، فتوضأ، ولبس ثيابه، وأخذ عصاه، وقام يصلي، فقُبض عليها، فلبث على عصاه، فَدَأبُوا سنة وهم يحسبون أنه حي - يعني الجن -، فأكلتها الأرضة، فشكرت الجن الأرَضَة، فلا تجدها في مكان، إلا وجدت عندها نَدَى.
    وهذا إسناد صحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما.
    أما سعيد بن جبير فتقدم في الحديث [41] أنه ثقة ثبت فقيه.
    وأما عطاء بن السائب، فتقدم في الحديث [6] أنه ثقة اختلط في آخر عمره، لكن الراوي عنه هنا هو سفيان بن عيينة، وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط.
    وسفيان بن عيينة تقدم في الحديث [7] أنه ثقة حافظ فقيه إمام حجّة.
    والراوي عن سفيان هو شيخ المروزي: عبيد الله بن سعيد بن يحيى اليَشْكُري؛ أبو قُدامة السَّرَخْسي، نزيل نيسابور، ثقة مأمون سُنِّي، كما في "التقريب" (ص371 رقم 4296) ، روى عن سفيان بن عيينة وعبد الله بن نمير وحماد بن زيد ويحيى القطّان وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع وغيرهم، روى عنه البخاري ومسلم والنسائي وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم، وروى عنه هنا =
579

صفحة بلا نص.

  • = محمد بن نصر، قال أبو حاتم عن عبيد الله هذا: ((كان من الثقات)) ، ووثقه أبو داود، وقال النسائي: ((ثقة مأمون، قلّ من حكتبنا عنه مثله)) ، وقال إبراهيم بن أبي طالب: ((ما قدم علينا أثبت منه ولا أتقن)) ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ((هو الذي أظهر السنة بَسَرخْس ودعا إليها)) ، وقال ابن عبد البر: ((أجمعوا على أنه ثقة)) ، وكانت وفاته سنة إحدى وأربعين ومائتين. اهـ. من "الجرح والتعديل" (5 / 317 رقم 1507) ، و"التهذيب" (6 / 16 - 17 رقم 31) .
    وأخرجه البزار في "مسنده" (3 / 106 رقم 2356 / كشف الأستار) من طريق شيخه أحمد بن أبان، ثنا سفيان بن عيينة … ، فذكره.
    وأما رواية جرير بن عبد الحميد، فأخرجها الحاكم في "المستدرك" (2 / 423) من طريق أبي غسّان محمد بن عمرو الطيالسي، عن جرير، عن عطاء، به، ولفظ سفيان السابق أتمّ منه.
    قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)) ، ووافقه الذهبي.
    وأما رواية إبراهيم بن طَهْمان، فأخرجها:
    البزار في "مسنده" (3 / 106 رقم 2355 / كشف الأستار) .
    وابن جرير الطبري في "تفسيره" (22 / 74 / طبعة الحلبي) .
    وابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" (3 / 529) .
    والطبراني في "المعجم الكبير" (11 / 451 - 452 رقم 12281) .
    جميعهم من طريق إبراهيم بن طهمان، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عباس، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم -، به نحو لفظ سفيان السابق، مع بعض الاختلاف والزيادة.
    قال البزار بعد أن رواه: ((لا نعلم أسنده إلا إبراهيم، وقد رواه جماعة عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عباس موقوفًا)) .
    قال ابن كثير في الموضع السابق من "تفسيره": ((في رفعه غرابة ونكارة والأقرب أن يكون موقوفًا)) . =
580

205 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا عَتّاب بْنُ بَشير، عَنْ خُصَيْف، قَالَ: كُنْتُ مَعَ مُجَاهِدٍ، فَمَرَّ بِنَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُ مُجَاهِدٌ: حدِّثنا مَا سَمِعْتَ مِنْ أَبِيكَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ حِينَ جَعَلُوا يَنْظُرُونَ إِلَى أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ وَمَا يَرْكَبُونَ مِنَ الْمَعَاصِي الْخَبِيثَةِ - وَلَيْسَ يَسْتُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ شَيْءٌ-، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا إِلَى بني آدم كيف

  • = وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (8/ 207 - 208) بعد أن عزاه للطبراني والبزار: ((فيه عطاء وقد اختلط، وبقية رجالهما رجال الصحيح)).
    قلت: رواية من رواه موقوفًا أصح؛ لأن ممن رواه عن عطاء: سفيان بن عيينة، وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط، وأما إبراهيم بن طهمان فلم يُذكر ممن روى عن عطاء قبل الاختلاط، وقد روي عن سعيد بن جبير وعن ابن عباس موقوفًا من غير طريق عطاء كما سيأتي.
    ب- طريق سلمة بن كهيل، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عباس موقوفًا عليه بنحو سياق سفيان بن عيينة السابق.
    أخرجه الحسين بن الحسن المروزي في "زوائده على الزهد لابن المبارك" (ص 378 - 379 رقم 1072).
  • (2) طريق أبي صالح ذكوان السَّمّان، عن ابن عباس موقوفًا عليه، بنحو سياق سفيان بن عيينة، إلا أن فيه طولاً.
    أخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (22/ 75 / طبعة الحلبي) من طريق السُّدِّي، عن أبي صالح، به، وعن مُرَّة الْهَمْدَانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعن أناس مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى الله عليه وسلم -.
    ومن خلال هذه الطرق يتضح أن الحديث روي عن ابن عباس موقوفًا عليه، وهو صحيح عنه، وقد يكون ذلك من الإسرائيليات التي لا تُصدق ولا تُكذب، فإن ابن عباس لم يصرح بأخذه عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم -، والله أعلم.
    [205] سنده ضعيف لضعف خصيف من قبل حفظه، وجهالة الرجل من قريش الذي =
581

يَعْمَلُونَ كَذَا وَكَذَا، مَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى اللَّهِ! يُعِيبُونَهُمْ بِذَلِكَ. فَقَالَ اللَّهُ عز وجل لَهُمْ: قَدْ سَمِعْتُ الَّذِي تَقُولُونَ فِي بَنِي آدم، فاختاروا منكم ملكين [ل112/أ] أهْبِطُهُما إِلَى الْأَرْضِ، وَأَجْعَلْ فِيهِمَا شَهْوَةَ بَنِي آدَمَ. فَاخْتَارُوا هَارُوتَ وَمَارُوتَ، فَقَالُوا: يَا رَبِّ، لَيْسَ فِينَا مِثْلُهُمَا، فأهْبِطا إِلَى الْأَرْضِ، وجُعِل فِيهِمَا شَهْوَةَ بَنِي آدَمَ، ومُثّلَت لَهُمَا الزَّهرة فِي صُورَةِ امْرَأَةٍ، فَلَمَّا نَظَرَا إِلَيْهَا، لَمْ يَتَمَالَكَا أَنْ تَنَاوَلَا مِنْهَا مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، وَأَخَذَتِ الشَّهْوَةُ بِأَسْمَاعِهِمَا وَأَبْصَارِهِمَا، فَلَمَّا أَرَادَا أَنْ يَطِيرَا إِلَى السَّمَاءِ، لَمْ يَسْتَطِيعَا، فَأَتَاهُمَا مَلَكٌ، فَقَالَ: إِنَّكُمَا قَدْ فَعَلْتُمَا مَا فَعَلْتُمَا، فَاخْتَارَا عَذَابَ الدُّنْيَا، أَوْ عَذَابَ الْآخِرَةِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرَ: مَاذَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ أعذَّب فِي الدُّنْيَا ثُمَّ أعذَّب، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعَذَّبَ سَاعَةً وَاحِدَةً فِي الْآخِرَةِ، فَهُمَا مُعلَّقان مُنكَّسان فِي السلاسل، وجُعلا فتنة.

  • = حدثهم بالحديث، وانظر الكلام مفصلاً عن قصة هاروت وماروت في الحديث الآتي.
    وهذا الحديث ذكره السيوطي في "الدر" (1 / 243) من رواية المصنف سعيد بن منصور فقط، ولفظه هنا سواء، إلا أنه قال: (لقد سمعت) بدلاً من قوله: (قد سمعت) .
582

206 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا شِهَابُ بْنُ خِرَاش (^1)، عَنِ العَوَّام بْنِ حَوْشب، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ - أَحْسَبُهُ قَالَ: فِي سَفَرٍ - فَقَالَ لِي: ارْمُق (^2) الْكَوْكَبَةَ، فَإِذَا طَلَعَتْ أَيْقِظْنِي، فَلَمَّا طَلَعَتْ أَيْقَظْتُهُ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَسُبُّهَا سَبًّا شَدِيدًا، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نَجْمًا سَامِعًا مُطِيعًا، مَا لَهُ يُسَبُّ؟ فَقَالَ: هَا، إِنَّ هَذِهِ كَانَتْ بَغِيًّا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَقِيَ المَلَكان مِنْهَا مَا لقيا.

  • (1) هو شِهاب بن خِراش بن حَوْشَب الشيباني، أبو الصَّلْت الواسطي، ابن أخي العّوام بن حوشب، روى عن أبيه، وعمِّه العوّام وقتادة وأبي إسحاق الشيباني وغيرهم، روى عنه عبد الرحمن بن مهدي، وآدم بن أبي إياس وسعيد بن منصور وغيرهم، وهو صدوق صاحب سنة؛ وثقه ابن المبارك وابن عمار والمدائني وابن المديني وابن معين والعجلي وأبو زرعة وزاد: ((كان صاحب سنة))، وقال الإمام أحمد وأبو زرعة في رواية: ((لا بأس به))، وقال النسائي وابن معين في رواية: ((ليس به بأس))، وقال أبو حاتم: ((صدوق لا بأس به))، وذكره ابن حبان في الضعفاء، وقال: ((يخطئ كثيرًا حتى خرج عن حد الاحتجاج به))، وقال ابن عدي: ((ولشهاب أحاديث ليست بكثيرة، وفي بعض رواياته ما ينكر عليه، ولا أعرف للمتقدمين فيه كلامًا فأذكره)). اهـ. من "المجروحين" لابن حبان (1/ 362)، و"الكامل" لابن عدي (4/ 1350)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (8/ 131 - 136)، و"التهذيب" (4/ 366 - 367 رقم 620).
    ومما سبق نرى أن هناك عددًا من الأئمة أطلقوا القول بتوثيق شهاب بن خراش وهم: ابن المبارك وابن عمار وابن معين والمدائني والعجلي، وتردد فيه قول أبي زرعة بين القول بتوثيقه وبين موافقة من رأى أنه ينزل عن درجة الثقة الضابط إلى درجة الصدوق الذي لا بأس به، وحديثه في عداد الحسن، وهم الإمام أحمد وأبو حاتم والنسائي، وهذا قريب مما رجحه الذهبي - رحمه الله - حيث قال في "الميزان" (2/ 281 رقم 3750): ((صدوق مشهور، له ما يستنكر))، =
583