التفسير التربويالجزء 1 · ص 1411 - 1418

الآية 6

الآية 6

قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (الرعد: 6)

(6) قوله تعالى: (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات، وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب). في علاقة هذه الآية بالتي قبلها نقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يهدد الكافرين تارة بعذاب القيامة وتارة بعذاب الدنيا، والقوم كلما هددهم بعذاب القيامة أنكروا القيامة والبعث والحشر والنشر وهو الذي تقدم ذكره في الآية السابقة، وكلما هددهم بعذاب الدنيا استعجلوا وقوعه وطلبوا منه إظهاره وإنزاله على سبيل الطعن فيه وإظهار أن الذي يقوله كلام لا أصل له، فالاستعجال هنا هو نمط من أنماط التكذيب. وفي هذه الآية تحذير لأولئك المنكرين لعذاب الله تعالى من وقوعه بهم. وفيها تربية على التوازن بين رحمة الله تعالى وعقابه. فقوله تعالى: (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة) أي لفرط إنكارهم وتكذيبهم يطلبون العذاب، وهذا كقولهم: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء) (الأنفال: 32). (وقد خلت من قبلهم المثلات) أي العقوبات التي وقعت على الأمم السالفة (وإن ربك لذو مغفرة على ظلمهم) أي لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا، وعن المذنبين إذا تابوا (وإن ربك لشديد العقاب) إذا أصروا على الكفر. وبهذا المعنى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد» (مسلم). وقال سعيد بن المسيب: لما نزلت: (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا عفو الله ورحمته وتجاوزه لما هنأ أحد عيش، ولولا عقابه ووعيده وعذابه لاتكل كل أحد» (تفسير القرطبي).

1411

الآيات 7-9

(7) و (8) و (9) قوله تعالى: (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد. الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار. علم الغيب والشهادة الكبير المتعال). في علاقة هذه الآيات بما قبلها نقول: إنه تعالى حكى عن الكفار أنهم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في الحشر والنشر أولا، ثم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في صحة ما ينذرهم به من نزول عذاب الاستئصال ثانيا، ثم طعنوا في نبوته بأن طلبوا منه المعجزة والبينة ثالثا وهو المذكور في هذه الآيات. وقد طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم آية معجزة في هذه الآيات فهم لم يعتبروا القرآن معجزة، ولما كان القرآن هو المعجزة التي اختص الله بها هذه الأمة فإن طلب المعجزة بعد القرآن هو نوع من التحكم على الله ممن يطلبها. وقد أجاب القرآن بأنه صلى الله عليه وسلم هو داعية إلى الله تعالى وليس من يأتي بالمعجزات أو يتحكم بها على الله. ومع ذلك فإن الله تعالى قد أجابهم إلى طلبهم بأن ذكر لهم معجزة الأرحام، فهل يفهم هذه المعجزة من يطلب المعجزات؟! فقوله تعالى: (ويقول الذين كفروا لولا) أي هلا (أنزل عليه آية من ربه) ولما اقترحوا الآيات وطلبوها قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (إنما أنت منذر) أي معلم (ولكل قوم هاد) أي نبي يدعوهم إلى الله، والمعنى: إنما أنت منذر وهاد، والإنذار هو الوعظ مع الترهيب، والهادي هنا الدليل، وهذا كقوله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) (الشورى: 52). (الله يعلم ما تحمل كل أنثى) أي ماهية الحمل من ذكر وأنثى، وصبيح وقبيح، وصالح وطالح، ورزقه وعمله وأجله وشقي أم سعيد، وغير ذلك (وما تغيض الأرحام وما تزداد) أي ما تسقط قبل التسعة الأشهر وما تزداد فوق التسعة. وقيل: الغيض والزياد يرجعان إلى الولد كنقصان إصبع أو زيادة إصبع أو غير ذلك. وفي هذه الآية دليل على أن الحامل قد تضع حملها لأقل من تسعة أشهر وأكثر، وأجمع العلماء على أن أقل الحمل ستة أشهر. واختلف العلماء في أكثر الحمل والراجح أنه سنة واحدة لا أكثر. (وكل شيء عنده بمقدار) يعني من النقصان والزيادة، وقيل: في الرزق والأجل، والمقدار: القدر، وعموم الآية يتناول كل ذلك. (عالم الغيب والشهادة) أي هو عالم بما غاب عن الخلق، وبما شهدوه، فالغيب مصدر بمعنى الغائب، والشهادة مصدر بمعنى الشاهد، فنبه سبحانه على انفراده بعلم الغيب، والإحاطة بالباطن الذي يخفى على الخلق، فلا يجوز أن يشاركه في ذلك أحد (الكبير) الذي كل شيء دونه (المتعال) عما يقول المشركون، المستعلي على كل شيء بقدرته وقهره.

1412

الآية 10

(10) قوله تعالى: (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار). فيه تربية بالترهيب والترغيب من خلال البيان بأن علمه تعالى يشمل كل شيء ولا يخفى عليه خافية، وعلمه تعالى بالظاهر كعلمه بالباطن سواء بسواء. فقوله تعالى: (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به) إسرار القول: ما حدث به المرء نفسه، والجهر ما حدث به غيره، والمراد بذلك أن الله سبحانه يعلم ما أسره الإنسان من خير وشر، كما يعلم ما جهر به من خير وشر (ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار) أي يستوي في علم الله السر والجهر، والظاهر في الطرقات، والمستخفي في الظلمات. وقيل: المستخفي بالليل الظاهر، والسارب بالنهار المتواري فهما من الأضداد.

1413

الآية 11

(11) قوله تعالى: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال). فيه تربية بالترغيب والترهيب من خلال بيان الرقابة الإلهية على الإنسان. وفيه تربية على أهم السنن الإلهية في التغيير الاجتماعي وهي أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وفيه تحذير من العقوبة الإلهية على مخالفة منهجه تلك العقوبة التي إذا تقررت لا راد لها ولا شفيع فيها. فقوله تعالى: (له معقبات) أي لله ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار، فإذا صعدت ملائكة الليل أعقبتها ملائكة النهار، والتعقب العود بعد البدء (من بين يديه ومن خلفه) أي المستخفي بالليل والسارب بالنهار (يحفظونه من أمر الله) أي يحفظون عليه عمله بأمر الله، ويكتبون أقواله وأفعاله (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم تغيير، وليس معنى الآية أنه لا ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير، كما قال صلى الله عليه وسلم وقد سئل أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث» (البخاري ومسلم). (وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له) أي هلاكا وعذابا، وقيل: إذا أراد بهم بلاء من أمراض وأسقام فلا مرد لبلائه، وقيل: إذا أراد الله بقوم سوءا أعمى أبصارهم حتى يختاروا ما فيه البلاء ويعملوه، فيمشون إلى هلاكهم بأقدامهم، حتى يبحث أحدهم عن حتفه بكفه، ويسعى بقدمه إلى إراقة دمه. (وما لهم من وال) أي ملجأ، وقيل: من ناصر يمنعهم من عذاب الله.

1414

الآيات 12-13

(12) و (13) قوله تعالى: (هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشيء السحاب الثقال. ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال). فيه بيان لبعض الآيات الكونية كالبرق والرعد والصواعق، وذلك أنهم قالوا: (لولا أنزل عليه آية من ربه)، فذكر آية الأرحام في جسم الإنسان وذكر هنا آية البرق والرعد والصواعق في عالم الطبيعة والأكوان. فعندما تلتقي سحابتان إحداهما موجبة والأخرى سالبة من الناحية الكهربائية يحصل انفجار، البرق هو ما تراه العين من هذا الانفجار، والرعد هو ما تسمعه الأذن من هذا الانفجار، والصاعقة هي ما يصل إلى الأرض من هذا الانفجار الكهربائي، وهذا كله من الإعجاز العلمي في القرآن. فقوله تعالى: (وهو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا) مصدران بمعنى التخويف والإطماع، وجعل البرق آية نذارة وبشارة معا لأنهم كانوا يتوسمون به الغيث ويخشون صواعقه (وينشيء السحاب الثقال) وإنشاء السحاب: تكوينه من عدم بإثارة الأبخرة التي تتجمع سحابا، والثقال: جمع ثقيلة، وهي المثقلة بالماء، والسحاب يكون ثقيلا بمقدار ما فيه من بخار الماء. (ويسبح الرعد بحمده) وعطف الرعد على ذكر البرق والسحاب لأنه مقارن لهما في كثير من الأحوال، ولما كان الرعد صوتا عظيما جعل ذكره عبرة للسامعين لدلالة الرعد بلوازم عقلية على أن الله منزه عما يقوله المشركون من ادعاء الشركاء، وكان شأن تلك الدلالة أن تبعث الناظر فيها على تنزيه الله عن الشريك فجعل صوت الرعد دليلاً على تنزيه الله تعالى، (والملائكة من خيفته) عطف على الرعد، أي وتسبح الملائكة من خيفة الله تعالى (وبرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء) واقتصر في العبرة بالصواعق على الإنذار بها لأنها لا نعمة فيها لأن النعمة حاصلة بالسحاب (وهم يجادلون في الله) يعني هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في الله (وهو شديد المحال) أي شديد القوة، وقيل: شديد العقوبة، وقيل: شديد النقمة.

1415

الآية 14

قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (الرعد: 14)

(14) قوله تعالى: (له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال). تدخل هذه الآية في إطار التربية العقدية في الإسلام، وأسلوب التربية فيها هو ضرب المثل، وموضوعها التفريق بين عبادة الله الذي يجيب الدعاء وعبادة الأصنام التي لا تجيب الدعاء لأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل. فقوله تعالى: (له دعوة الحق) أي لله دعوة الصدق وهي لا إله إلا الله، وقيل: دعوة الحق دعاؤه عند الخوف، فإنه لا يدعى فيه إلا إياه كما قال: (ضل من تدعون إلا إياه) (الإسراء: 67) وهو أشبه بسياق الآية لأنه قال: (والذين يدعون من دونه) يعني الأصنام والأوثان (لا يستجيبون لهم بشيء) أي لا يستجيبون لهم دعاء، ولا يسمعون لهم نداء (إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه) ضرب الله عز وجل الماء مثلا ليأسهم من الإجابة لدعائهم، لأن العرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلا بالقابض الماء باليد. قال القرطبي: ((وفي معنى هذا المثل ثلاثة أوجه: (أحدها) أن الذي يدعو إلها من دون الله كالظمآن الذي يدعو الماء إلى فيه من بعيد، يريد تناوله ولا يقدر عليه بلسانه، ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبدا، لأن الماء لا يستجيب وما الماء ببالغ إليه، قاله مجاهد. (والثاني) أنه كالظمآن الذي يرى خياله في الماء وقد بسط كفه فيه ليبلغ فاه وما هو ببالغه، لكذب ظنه وفساد توهمه، قاله ابن عباس. (والثالث) أنه كباسط كفه إلى الماء ليقبض عليه فلا يجمد في كفه شئ منه. وزعم الفراء أن المراد بالماء هاهنا البئر، لأنها معدن للماء، وأن المثل كمن مد يده إلى البئر بغير رشاء)). (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) أي ليست عبادة الكافرين للأصنام إلا في ضلال لأنها شرك، وقيل: إلا في ضلال أي يضل عنهم ذلك الدعاء فلا يجدون منه سبيلا، كما قال: (أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا) (الأعراف: 37).

1416

الآية 15

(15) قوله تعالى: (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والأصال). فيه دعوة إلى الإسلام الذي هو الاستسلام الإرادي لله، كي تتسق حركة الإنسان مع حركة الأشياء التي هي مستسلمة لله بدون إرادة منها فهي لا تملك الإرادة، ورفض الإنسان الاستسلام لله رب العالمين يعني أنه يدخل في شقاق مع الكون من حوله. فقوله تعالى: (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها) أي أن المؤمن يسجد ببدنه طوعا، وكل مخلوق يسجد من حيث إنه مخلوق، يسجد دلالة وحاجة إلى الصانع، وهذا كقوله: (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) (الإسراء: 44) وهو تسبيح دلالة لا تسبيح عبادة (وظلالهم بالغدو والأصال) أي ظلال الخلق ساجدة لله تعالى بالغدو والآصال، لأنها تبين في هذين الوقتين، وتميل من ناحية إلى ناحية، وذلك تصريف الله إياها على ما يشاء، وهذا كقوله تعالى: (أو لم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون) (النحل: 48). والأصال جمع أصيل، وهو ما بين العصر إلى الغروب، ثم أصائل وآصال جمع الجمع.

1417

الآية 16

(16) قوله تعالى: (قل من رب السماوات والأرض؟ قل الله، قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا؟ قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم؟ قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار). فيه ربط بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية، فإذا كان الناس ومنهم العرب الذين نزل فيهم القرآن موحدون لله في الربوبية والخلق فعليهم أن يكونوا موحدين له في الإلهية والعبادة والطاعة، لأن الله تعالى هو رب العالمين ذاته لا سواه ولا إله غيره. فقوله تعالى: (قل من رب السماوات والأرض) أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: (قل من رب السماوات والأرض) ثم أمره أن يقول لهم: هو الله إلزاما للحجة إن لم يقولوا ذلك، وجهلوا من هو (قل أفاتخذتم من دونه أولياء) هذا يدل على اعترافهم بأن الله هو الخالق وإلا لم يكن للاحتجاج بقوله: (قل أفاتخذتم من دونه أولياء) معنى، ودليل ذلك قوله: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) (الزمر: 38) أي فإذا اعترفتم فلم تعبدون غيره؟! وذلك الغير لا ينفع ولا يضر، وهو إلزام صحيح. ثم ضرب لهم مثلا فقال: (قل هل يستوي الأعمى والبصير) فكذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر الحق، والمشرك الذي لا يبصر الحق (أم هل تستوي الظلمات والنور) أي الشرك والإيمان (أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم) هذا من تمام الاحتجاج، أي خلق غير الله مثل خلقه فتشابه الخلق عليهم، فلا يدرون خلق الله من خلق آلهتهم (قل الله خالق كل شيء) أي قل لهم يا محمد: (الله خالق كل شيء) فلزم لذلك أن يعبده كل شيء (وهو الواحد) قبل كل شيء (القهار) الغالب لكل شيء الذي يغلب في مراده كل مريد.

1418