التفسير التربويالجزء 1 · ص 1419 - 1426

الآية 17

الآية 17

(17) قوله تعالى: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا، ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله، كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال). فيه تربية على التفريق بين الحق والباطل من خلال ضرب المثل، فالباطل كالزبد يذهب جفاء ولا منفعة فيه، وأما الحق فيمكث في الأرض وفيه المنفعة والفائدة. فقوله تعالى: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا) ضرب مثلا للحق والباطل، فشبه الكفر بالزبد الذي يعلو الماء فإنه يضمحل ويعلق بجنبات الأودية وتدفعه الرياح، فكذلك يذهب الكفر ويضمحل. ثم قال: (ومما يوقدون عليه في النار) وهو المثل الثاني.

(ابتغاء حلية) أي حلية الذهب والفضة (أو متاع) الحديد والنحاس والرصاص (زبد مثله) أي يعلو هذه الأشياء زبد كما يعلو السيل، وإنما احتمل السيل الزبد لأن الماء خالطه تراب الأرض فصار ذلك زبدا، كذلك ما يوقد عليه في النار من الجوهر ومن الذهب والفضة مما ينبث في الأرض من المعادن فقد خالطه التراب، فإنما يوقد عليه ليذوب فيزايله تراب الأرض (كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء) والجفاء ما أجفاه الوادي أي رمى به (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) وهو الماء الخالص الصافي وكذلك ما خلص من الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص. وهذان المثلان ضربهما الله تعالى للحق في ثباته، والباطل في اضمحلاله، فالباطل وإن علا في بعض الأحوال فإنه يضمحل كاضمحلال الزبد (كذلك يضرب الله الأمثال) أي كما بين لكم هذه الأمثال فكذلك يضربها بينات.

1419

الآية 18

(18) قوله تعالى: (للذين استجابوا لربهم الحسنى، والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به، أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد). فيه تربية بالترغيب والترهيب، الترغيب في الإيمان من خلال ذكر ما يؤول إليه صاحبه يوم القيامة من الجنة والنعيم والإحسان، والترهيب من الكفر من حلال ما يؤول إليه صاحبه يوم القيامة حيث جهنم وبئس المصير، وحيث تمني الفداء من العذاب بكل ما يملك ولكن لا جدوى من ذلك. فقوله تعالى: (للذين استجابوا لربهم) أي أجابوا لأن استجاب بمعنى أجاب، والمعنى: أجابوا إلى ما دعاهم الله من التوحيد والنبوات (الحسنى) لأنها في نهاية الحسن، وقيل: من الحسنى النصر في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة (والذين لم يستجيبوا له) أي لم يجيبوا إلى الإيمان به (لو أن لهم ما في الأرض جميعا) من الأموال (ومثله معه) ملك لهم (لافتدوا به) أي من عذاب يوم القيامة (أولئك لهم سوء الحساب) أي لا يقبل لهم حسنة، ولا يتجاوز لهم عن سيئة (ومأواهم) أي مسكنهم ومقامهم (جهنم وبئس المهاد) أي الفراش الذي مهدوا لأنفسهم.

1420

الآية 19

قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 19)

(19) قوله تعالى: (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى، إنما يتذكر أولوا الألباب). فيه ترغيب للناس بأن يكونوا من ذوي العقول الذين يعلمون ويؤمنون، وفيه ترهيب للناس من أن يكونوا من الذين لا يُعملون عقولهم فهم كالعميان لا يرون الحق فلا يؤمنون به. فقوله تعالى: (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى) هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، والمراد بالعمى عمى القلب، والجاهل بالدين أعمى القلب (إنما يتذكر أولو الألباب) خص أولي الألباب أي العقول السليمة العاملة بالتذكر لأنهم المنتفعون من هذا التذكر.

1421

الآيات 20-24

(20) و (21) و (22) و (23) و (24) قوله تعالى: (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق. والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب. والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار. جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار). فيه تربية بالقدوة من خلال ذكر صفات أولي الألباب والدعوة إلى التأسي بها كي يصل المؤمن يوم القيامة إلى ما وصل إليه أولوا الألباب من المكانة والرفعة. قال الرازي في التفسير: واعلم أن هذه الآيات من أولها إلى آخرها جملة واحدة: شرط وجزاء، وشرطها مشتمل على قيود، وجزاؤها يشتمل أيضا على قيود. أما القيود المعتبرة في الشرط فهي تسعة: (القيد الأول) قوله تعالى: (الذين يوفون بعهد الله) وفيه وجوه: (الأول) قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الذي عاهدهم عليه حين كانوا في صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم: (ألست بربكم). (والثاني) أن المراد بعهد الله كل أمر قام الدليل على صحته، وهو الأشياء التي أقام الله عليها دلائل عقلية قاطعة لا تقبل النسخ والتغيير، والأشياء التي أقام الله عليها الدلائل السمعية وبين لهم تلك الأحكام. والحاصل أنه دخل تحت قوله: (يوفون بعهد الله) كل ما قام الدليل عليه. ويصح إطلاق لفظ العهد على الحجة بل الحق أنه لا عهد أوكد من الحجة، والدلالة على ذلك أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به إذا ثبت بالدليل وجوبه لا بمجرد اليمين، ولذلك ربما يلزمه أن يحدث نفسه إذا كان ذلك خيرا له فلا عهد أوكد من إلزام الله تعالى إياه ذلك بدليل العقل أو بدليل السمع. ولا يكون العبد موفيا للعهد إلا بأن يأتي بكل تلك الأشياء كما أن الحالف على أشياء كثيرة لا يكون بارا في يمينه إلا إذا فعل الكل. ويدخل فيه الإتيان بجميع المأمورات، والانتهاء عن كل المنهيات، ويدخل فيه الوفاء بالعقود في المعاملات، ويدخل فيه أداء الأمانات، وهذا القول هو المختار الصحيح في تأويل الآية. (والقيد الثاني) قوله تعالى: (ولا ينقضون الميثاق) وفيه أقوال: (الأول) وهو قول الأكثرين إن هذا الكلام قريب من الوفاء بالعهد، فإن الوفاء بالعهد قريب من عدم نقض الميثاق، وهذا مثل أن يقول: إنه لما وجب وجوده، لزم أن يمتنع عدمه، فهذان المفهومان متغايران إلا أنهما متلازمان، فكذلك الوفاء بالعهد يلزمه أن لا ينقض الميثاق. (والثاني) أن الميثاق ما وثقه المكلف على نفسه، فالحاصل أن قوله: (الذين يوفون بعهد الله) إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء، وقوله: (ولا ينقضون الميثاق) إشارة إلى ما التزمه العبد من أنواع الطاعات بحسب اختياره نفسه كالنذر بالطاعات والخيرات. (والثالث) أن المراد بالوفاء بالعهد عهد الربوبية والعبودية، والمراد بالميثاق المواثيق المذكورة في التوراة والإنجيل وسائر الكتب الإلهية على وجوب الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم عند ظهوره. (والقيد الثالث) قوله تعالى: (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) ذكروا في تفسيره وجوها: (الأول) أن المراد منه صلة الرحم. (والثاني) أن المراد صلة محمد صلى الله عليه وسلم ومؤازرته ونصرته في الجهاد. (والثالث) رعاية جميع الحقوق الواجبة للعباد، فيدخل فيه صلة الرحم وصلة القرابة الثابتة بسبب أخوة الإيمان، ويدخل في هذه الصلة إمدادهم بإيصال الخيرات ودفع الآفات بقدر الإمكان وعيادة المريض وشهود الجنائز وإفشاء السلام على الناس والتبسم في وجوههم وكف الأذى عنهم ويدخل فيه كل حيوان حتى الهرة والدجاجة، وعن الفضيل بن عياض رحمه الله أن جماعة دخلوا عليه بمكة فقال: من أين أنتم؟ قالوا: من خراسان. فقال : اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم، واعلموا أن العبد لو أحسن كل الإحسان وكان له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين. وأقول حاصل الكلام: إن قوله: (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق) إشارة إلى التعظيم لأمر الله وقوله: (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) إشارة إلى الشفقة على خلق الله. (والقيد الرابع) قوله تعالى: (ويخشون ربهم) والمعنى: أنه وإن أتى بكل ما قدر عليه في تعظيم أمر الله وفي الشفقة على خلق الله إلا أنه لا بد وأن تكون الخشية من الله والخوف منه مستوليا على قلبه، وهذه الخشية نوعان: (أحدهما) أن يكون خائفا من أن يقع زيادة أو نقصان أو خلل في عباداته وطاعاته بحيث يوجب فساد العبادة أو يوجب نقصان ثوابها. (والثاني) وهو خوف الجلال، وذلك لأن العبد إذا حضر عند السلطان المهيب القاهر فإنه وإن كان في غير طاعته إلا أنه لا يزول عن قلبه مهابة الجلالة والرفعة والعظمة. (والقيد الخامس) قوله تعالى: (ويخافون سوء الحساب) اعلم أن القيد الرابع إشارة إلى الخشية من الله وهذا القيد الخامس إشارة إلى الخوف والخشية من سوء الحساب، وهذا يدل على أن المراد من الخشية من الله ما ذكرناه من خوف الجلال والمهابة والعظمة وإلا لزم التكرار. (والقيد السادس) قوله تعالى : (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم) فيدخل فيه الصبر على فعل العبادات والصبر على ثقل الأمراض والمضار والغموم والأحزان، والصبر على ترك المشتهيات، وبالجملة الصبر على ترك المعاصي وعلى أداء الطاعات. (والقيد السابع) قوله تعالى: (وأقاموا الصلاة) واعلم أن الصلاة والزكاة وإن كانتا داخلتين في الجملة الأولى إلا أنه تعالى أفردها بالذكر تنبيها على كونها أشرف من سائر العبادات. (والقيد الثامن) قوله تعالى: (وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية) قال الحسن: المراد الزكاة المفروضة، فإن لم يتهم بترك أداء الزكاة فالأولى أداؤها سرا وإن اتهم بترك الزكاة فالأولى أداؤها في العلانية. وقيل السر ما يؤديه بنفسه والعلانية ما يؤديه إلى الإمام. وقيل: بل المراد الزكاة الواجبة والصدقة التي يؤتى بها على صفة التطوع فقوله: (سرا) يرجع إلى التطوع وقوله: (علانية) يرجع إلى الزكاة الواجبة. (والقيد التاسع) قوله تعالى: (ويدرءون بالحسنة السيئة) وفيه وجهان: (الأول) أنهم إذا أتوا بمعصية دفعوها بالتوبة. (والثاني) أن المراد أنهم لا يقابلون الشر بالشر بل يقابلون الشر بالخير. واعلم أن جملة هذه القيود التسعة هي القيود المذكورة في الشرط. وأما القيود المذكورة في الجزاء فهي أربعة: (القيد الأول) قوله تعالى: (أولئك لهم عقبى الدار) أي عاقبة الدار وهي الجنة، لأنها هي التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها. (والقيد الثاني) قوله تعالى: (جنات عدن يدخلونها) أي جنات إقامة. (والقيد الثالث) قوله تعالى: (ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم) وفيه قولان: قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم. وقال الزجاج: بين تعالى أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة بل الآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة. قال الواحدي: والصحيح ما قال ابن عباس، لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة وذلك يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع الآتي بالأعمال الصالحة، ولو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع ولا فائدة في الوعد به، إذ كل من كان مصلحا في عمله فهو يدخل الجنة. (والقيد الرابع) قوله تعالى: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) واعلم أن دخول الملائكة هو مرتبة عظيمة، وذلك لأن الله تعالى أخبر عن هؤلاء المطيعين أنهم يدخلون جنة الخلد ويجتمعون بآبائهم وأزواجهم وذرياتهم على أحسن وجه، ثم إن الملائكة مع جلالة مراتبهم يدخلون عليهم لأجل التحية والإكرام، وعند الدخول عليهم يكرمونهم بالتحية والسلام ويبشرونهم بقوله: (فنعم عقبى الدار).

1422

الآية 25

(25) قوله تعالى: (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض، أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار). في علاقة هذه الآية بما قبلها نقول: إنه تعالى لما ذكر صفات السعداء وذكر ما ترتب عليها من الأحوال الشريفة العالية أتبعها بذكر حال الأشقياء وذكر ما يترتب عليها من الأحوال المخزية المكروهة، فأتبع الوعد بالوعيد والثواب بالعقاب ليكون البيان كاملا. فقوله تعالى: (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) في مقابلة (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق) (الرعد: 20) وقد بينا أن عهد الله ما ألزم به عباده بواسطة الدلائل العقلية والسمعية، ويدخل فيه الإتيان بجميع المأمورات، والانتهاء عن كل المنهيات، والوفاء بالعقود في المعاملات، وأداء الأمانات (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل) وذلك في مقابلة قوله: (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) (الرعد: 21) فجعل من صفات هؤلاء القطع بالضد من ذلك الوصل، والمراد به قطع كل ما أوجب الله وصله ويدخل فيه وصل الرسول بالموالاة والمعاونة، ووصل المؤمنين، ووصل الأرحام، ووصل سائر من له حق (ويفسدون في الأرض) وذلك الفساد هو الدعاء إلى غير دين الله، وقد يكون بالظلم في النفوس والأموال وتخريب البلاد، وقد يكون بالعمل بمعصية الله (أولئك لهم اللعنة) واللعنة من الله الإبعاد من خيري الدنيا والآخرة إلى ضدهما من عذاب ونقمة (ولهم سوء الدار) والمراد بها جهنم إذ ليس فيها إلا ما يسوء الصائر إليها.

1423

الآية 26

(26) قوله تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحو ا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع). فيه تربية على أن بسط الرزق في الدنيا وقبضه لا يدل على رضى الله تعالى أو عدم رضاه، فقد يبسط الرزق للكافر إملاءا واستدراجا، وقد يقبض الرزق على المؤمن امتحانا واختبارا. فقوله تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) لما ذكر عاقبة المؤمن وعاقبة المشرك بين أنه تعالى الذي يبسط الرزق ويقدر في الدنيا لأنها دار امتحان، فبسط الرزق على الكافر لا يدل على كرامته، والتقتير على المؤمن لا يدل على إهانته (وفرحوا بالحياة الدنيا) يعني مشركي مكة، فرحوا بالدنيا ولم يعرفوا غيرها وجهلوا ما عند الله (وما الحياة الدنيا في الآخرة) أي في جنبها (إلا متاع) أي متاع من الأمتعة كالقصعة وغيرها، وقيل: زاد كزاد الراعي، ومتاع الحياة الدنيا ما يستمتع بها منها.

1424

الآية 27

(27) قوله تعالى: (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب). فيه تربية من الله تعالى للمؤمنين على أن طلب الآيات من الله تعالى هو نوع من التحكم على الله تعالى وذلك بعد أنزل الله تعالى الآية الكبرى والمعجزة العظمى وهي القرآن الكريم، وأنه تعالى لا يجيبهم إلى طلبهم وإنما يبين حالهم: فالآية تزيد الضال ضلالا وتزيد المؤمن إيمانا. فقوله تعالى: (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه) بيّن تعالى في مواضع متعددة من القرآن أن اقتراح الآيات على الرسل جهل، بعد أن رأوا آية واحدة تدل على الصدق (قل إن الله) عز وجل (يضل من يشاء) أي كما أضلكم بعد ما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها يضلكم عند نزول غيرها (ويهدي إليه من أناب) أي من رجع. والهاء في (إليه) للحق، أو للإسلام، أو لله عز وجل، والمعنى: ويهدي إلى دينه وطاعته من رجع إليه بقلبه.

1425

الآية 28

(28) قوله تعالى: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب). فيه تربية على أن الإيمان يورث الطمأنينة في القلب والراحة في النفس والاعتدال في الفكر، وأن الكفر يورث الشقاء والضنك والتعاسة كما قال تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) (طه: 124). فقوله تعالى: (الذين آمنوا) أي يهدي الله الذين آمنوا (وتطمئن قلوبهم بذكر الله) أي تسكن وتستأنس بتوحيد الله فتطمئن، وقيل: (بذكر الله) أي يذكرون الله ويتأملون آياته فيعرفون كمال قدرته عن بصيرة، وقيل: (بذكر الله) أي بطاعة الله (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) أي قلوب المؤمنين.

1426