التفسير التربويالجزء 1 · ص 146 - 153

الآيات 178-179

الآيات 178-179

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 178-179)

(1) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى). هناك علاقة وثيقة بين الخطاب (يا أيها الذين آمنوا) وبين دعوة المسلمين إلى تطبيق الشريعة كما هو الحال في هذا النص وغيره من النصوص، فتطبيق الشريعة الإسلامية منبثق عن الإيمان بالله، وما لم يصل الإنسان إلى مرحلة الإيمان فلا جدوى من مطالبته بتطبيق الشريعة. ولذلك دعا الإسلام الناس إلى الإيمان، وبعد أن استجابوا لهذه الدعوى ورسخت حقيقة الإسلام في نفوسهم، بدأ يدعوهم إلى تطبيق شريعته والالتزام بأحكامه، وهذه القاعدة التربوية جديرة بأن يعيها الدعاة إلى الله فلا يتخطوا المراحل، وفي كل مرة يواجه الداعية من الناس تقاعسا عن الالتزام بأحكام الشريعة فعليه أن يعلم أنّ حقيقة الإسلام لم ترسخ في قلوب هؤلاء المتقاعسين.

(2) قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى). نلمح في هذا التشريع التربية بالعقوبة الدنيوية، والعقوبة هنا ليست رادعة لمن وقع في القتل لأنّ مصيره هو الموت، وإنما هي رادعة للمجتمع من خلفه، وأثرها في المجتمع هو الوقاية من القتل، لأنّ كل من تسول له نفسه قتل الآخرين ويعلم أنّ مصيره القتل فلن يقدم على القتل، وما لم تأخذ المجتمعات بهذا التشريع فإنّ القتل سوف يستشري فيها لأنه لا رادع عن القتل إلا القصاص.

(3) قوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء). التذكير بالأخوة الإيمانية في هذا المجال له أثره وله مدلوله في سياق هذه الحالة، ففي هذا التذكير تهدئة للنفوس، وإطفاء لنار الحقد ورغبة الانتقام التي يلهبها حادث القتل، وفي هذا التذكير دعوة للإصلاح والصلاح والابتعاد عن القتل أساسا، لأنّ من يقتل مؤمنا فإنما يقتل أخاه في الإسلام، ومن قتل أخاه في الإسلام فكأنما قتل نفسه.

(4) قوله تعالى: (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَة). قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: «كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية» (الطبري). والمقصود بذلك قبول الدية في القتل العمد، وهذا التخفيف من الله للمسلمين هو من رحمته بهم ومحبته لهم ورعايته لشؤونهم، والمسلم إذ يستشعر هذه الرحمة الإلهية به فإنّ قلبه يفيض بالمحبة لله والولاء له، والإحساس بعظمته، والشكر على نعمه ومنه هذه النعمة.

(5) قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة) يدل على أنّ التشريع الإسلامي لا يحب القتل ولا يلجأ إليه إلا حيث لا تستقيم الحياة إلا به، ولولا أنّ القاتل يُقتل لما أمن الناس على حياتهم، ولما ارتدع الإنسان عن قتل الآخرين، وعلى هذا فلا حياة من دون قصاص، وفي كل مجتمع ألغيت فيه عقوبة الإعدام لا يستشعر الإنسان بالأمان، ولا يأمن على نفسه وأهله، وهذا هو المعنى العام للآية، أي: القصاص يردع عن القتل. والمعنى الآخر هو أنّ قتل القاتل هو حياة لأقرباء القاتل، حيث إنّ الأخذ بالثأر كان عرفا سائدا عند العرب حين نزول هذا النص، والثأر يعني قتل القاتل أو أي واحد من عائلته أو أقربائه أو قبيلته، وفي كلتا الحالتين نجد أنّ التربية بالعقوبة الدنيوية مبدأ أساسي في التربية لا تستقيم الحياة من دونه.

146

(6) قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون). التعقيب بالتقوى على تشريع القصاص في هذه الآية، وعلى تشريع الوصية فيما بعد، وعلى تشريع الصيام بعده، وعلى تشريع الاعتكاف وغيره من التشريعات، له مدلوله التربوي، وهو ربط التشريع بالتقوى، أي: ربط تطبيق تعاليم الإسلام بالخوف والخشية والحذر من الله تعالى.

وحين وجدت هذه الحالة من التقوى في مجتمع الصحابة رضوان الله عليهم قلّت عدد الجرائم إلى حد كبير، وحتى هذه القلة من الجرائم لم تكتشف من قبل المجتمع والسلطة، وإنما جاءت اعترافا من صاحبها طلبا للعقوبة في الدنيا وإسقاطا للعقوبة في الآخرة.

147

الآيات 180-182

قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: 180-182)

(1) قوله تعالى: (إِنْ تَرَكَ خَيْرا). قال ابن عباس رضي الله عنه: «يعني: مالا» (الطبري)، وتفسير الخير بالمال في هذه الآية هو ما أجمع عليه المفسرون من الصحابة والتابعين، وتسمية المال بالخير، مع أنّ المال قد يكون خيرا على صاحبه وقد يكون شرا على صاحبه، لها مدلول تربوي وهو أنّ الله يريد من المسلم أن يكون المال بالنسبة له طريقا ووسيلة إلى فعل الخير، فلا ينفقه إلا في طاعة الله.

(2) قوله تعالى: (فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَه). هذا مثل قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) (النجم: 39)، ومثل قوله تعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الإسراء: 15)، والمراد من هذه النصوص تربية المسلم على فردية التبعة وفردية المسؤولية، فمن فعل المعصية تحمّل وحده وزرها، فلا هو يحمل عن أحد وزر معصيته ولا أحد يحمل عنه هذا الوزر.

(3) قوله تعالى: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْه). الجنف: هو الميل إلى المعصية، والإثم: هو الوقوع في المعصية، وفي هذه الآية إشارة إلى دور المسلم بين الناس، فهو لا ينتظر توجه الناس إلى المعصية أو وقوعهم فيها حتى يبادر إلى الإصلاح، بل عليه أن يبادر إلى الإصلاح بمجرد الظن، أي: إن ظن أنّ إنسانا سيميل إلى المعصية أو أنه سيقع فيها فعليه المبادرة إلى الإصلاح، وهذا ما يدل عليه قوله تعالى: (فمن خاف).

(4) قوله تعالى: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفا). الجنف: هو الميل إلى المعصية ، وتسمية التوجه إلى المعصية بالجنف لها مدلولها التربوي وأثرها النفسي في بنية المسلم العقلية والروحية والنفسية، إذ إنّ التوجه إلى المعصية قبيح، وقد جاء التعبير عنه بالجنف، وهو الميل، ليؤكد هذا القبح ولينفر المسلم من فعله.

148

الآية 183

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)

(1) قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام). الصوم في اللغة معناه: الانقطاع، وفي الشرع معناه: الانقطاع عن الطعام والشراب والجماع وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غياب الشمس في شهر رمضان. ولهذا الانقطاع عن الطعام والشراب والجماع آثاره التربوية في شخصية الإنسان: (أولا) إنّ الانقطاع عن الطعام والشراب والجماع يؤدي إلى الإحساس بقيمة هذه النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، فالصحة تاج على رؤوس الأصحاء ولا يراه إلا المرضى، وكذا النعمة لا يشعر الإنسان بقيمتها ما لم يفقدها ولو كان الفقد جزئيا، وفي هذا تقوية لعلاقة الإنسان بربه. (ثانيا) هذا الحرمان الإرادي من الطعام والشراب والجماع يؤدي إلى الإحساس بأولئك المحرومين من هذه النعم، والتي هي حاجات يحتاجها الإنسان وشهوات يميل إليها كل إنسان، وفي هذا الحرمان تقوية لعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان. (ثالثا) والانقطاع عن الطعام والشراب والجماع يعوّد المسلم على الصبر، والصبر هو الزاد الذي يحتاجه المسلم كي يؤدي دوره في هذه الحياة، لأنّ الحياة لا تسير دائما بما يشتهيه الإنسان. (رابعا) وفي هذا الانقطاع تقوية لإرادة المسلم، وهذه الإرادة لا غنى للمسلم عنها، إذ إنّ كثيرا من الانحرافات عن الخط الإسلامي تأتي من ضعف الإرادة. (خامسا) وفي هذا الانقطاع تربية للمسلم على قمع الشهوات، والإنسان الشهواني لا يصلح لحمل الرسالة في أي حال. وبناء على هذه الآثار التربوية للصيام نقول: إنّ الصوم مدرسة تربوية يتربى المسلم فيها شهرا من كل عام، فيحمل في هذا الشهر الزاد لبقية العام.

(2) قوله تعالى: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم). جاءت هذه العبارة مرادفة لفريضة الصوم، وهي تفيد تعميم الفريضة، ولم تذكر مرادفة لغيرها من الفرائض لأنّ الصوم عبادة شاقة، والشيء الشاق إذا عمّ سهل تحمله، وهذا مبدأ تربوي.

(3) قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون). معناه: إنّ الصوم يورث التقوى، وذلك أنّ قمع الشهوات وكسر الهوى يردع المسلم عن الوقوع في المعاصي والذنوب لما يحدث في الإنسان من تقوية للإرادة وتعويد على الصبر، وكذلك الرغبة في الطعام والشراب والجماع هي من أشد الرغبات في الإنسان، فإن استطاع تركها وتعود على ذلك كان تركه لبقية الرغبات أسهل وأخف.

149

الآيات 184-185

قوله تعالى: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 184-185)

لنا مع آيات الصيام وقفتان تربويتان:

(الأولى) مبدأ الترغيب مبدأ تربوي هام، وفي آيات الصيام تطبيقات متعددة لهذا المبدأ، فقد رغبّ الله المسلمين في الصيام وذلك من خلال الأمور التالية:

(1) قوله تعالى: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم) معناه: تعميم فريضة الصوم، والشيء إذا عمّ سهل، ولأنّ الصيام عمل شاق فقد جاء هذا التعميم ليسهل من هذه المشقة، وهذا ترغيب في الصيام.

(2) قوله تعالى: (لعلكم تتقون) معناه: إنّ الصيام يورث التقوى، وذلك أنّ قمع الشهوات يساعد المسلم على اجتناب المعاصي، لأنّ الصيام يعود على الصبر ويقوي الإرادة، وهذا ترغيب في الصيام.

(3) قوله تعالى: (أَيَّاماً مَعْدُودَات) أي: الصيام في شهر واحد من السنة وليس في كل السنة، وهذا ترغيب في الصيام.

(4) قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن) وهذا ترغيب في الصيام من خلال فرض الصيام في شهر من أشرف الشهور وأفضلها وهو رمضان، حيث نزل القرآن في هذا الشهر.

(5) قوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر) أي: رخص الله للمريض والمسافر في الفطر في رمضان والقضاء في باقي أيام السنة، وهذا الترخيص ترغيب في الصيام وتشجيع عليه من خلال تسهيل فعله.

(6) قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر) وهذا ترغيب في الصيام وبيان لأهمية الصوم، وأنّ الله إنما رخص للمريض والمسافر بالفطر رحمة بهم وتيسيرا لشؤونهم، وإلا وقعوا في مشقة الصيام مع السفر والمرض أو في ذهاب مشقة الصيام.

(7) قوله تعالى: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّة) تشجيع وترغيب على قضاء أيام الفطر لمن أفطر بسبب من المرض أو السفر.

(8) قوله تعالى: (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُم) ترغيب في طاعة الصيام بأن جعل الصيام نعمة تستوجب شكر الله وتعظيمه والثناء عليه.

(9) قوله تعالى: (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون) معناه: إنّ الصيام يورث الشكر، وذلك من خلال معرفة فوائد الصيام ومنافعه على المسلمين، وهذا يوجب علينا شكر الله على هذه الفريضة، فهو تعالى لم يفرض على المسلمين شيئا إلا ولهم فيه مصلحة لا تقوم الحياة ولا تستقيم بدونها.

150

(والثانية) التدرج في تشريع الصيام، قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: ((وأما أحوال الصيام: (1) فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصام عاشوراء. (2) ثم إنّ الله تعالى فرض عليه الصيام وأنزل قوله: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) إلى قوله: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا فأجزأ ذلك عنه. (3) ثم إنّ الله أنزل (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر) فأثبت الله صيامه على الصحيح المقيم ورخص فيه للمريض والمسافر وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فإن ناموا امتنعوا. (4) ثم إنّ رجلا من الأنصار يقال له: صرمة، كان يعمل صائما حتى أمسى، فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثن نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائما، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جهد جُهدا شديدا فقال: ما لي أراك جهدت جُهدا شديدا؟ قال: إني عملت أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت، فأصبحت حين أصبحت صائما، وكان عمر قد أصاب من النساء بعدما نام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأنزل الله عز وجلّ (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) إلى قوله (ثم أتموا الصيام إلى الليل)) (أبو داود وأحمد). وهكذا نجد أنّ تشريع الصيام قد مر بأربع مراحل، وهذا يدل على التدرج في التشريع، والتدرج في التشريع مبدأ تربوي هام، وخاصة حينما يراد من الناس نقلة كبيرة من حال إلى حال، وهو يدل على رحمة الله بالناس وعنايته بهم، ولذلك نجد في التشريعات الإسلامية تطبيقات كثيرة لهذا المبدأ، كالتدرج في الصلاة، والتدرج في الصيام، والتدرج في النذارة، والتدرج في القتال، والتدرج في تحريم الخمر وغير ذلك، فما أحوج الدعاة والمربين إلى تفهم هذا المبدأ والاستعانة به في محاولتهم إصلاح الناس وهدايتهم وتغيير المجتمعات باتجاه الأفضل.

151

الآية 186

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: 186)

(1) هذه الآية في الترغيب في الدعاء تخللت بين آيات الصيام، وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ للصائم عند فطره دعوة لا ترد» (ابن ماجة)، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ترد دعوتهم» ذكر منهم «الصائم حتى يفطر» (الترمذي). والمدلول التربوي لهذا التخلل هو التشجيع على الدعاء في رمضان، قال الإمام ابن كثير: «وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة بل وعند كل فطر».

(2) قوله تعالى: (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ). رُوي أنّ أعرابيا قال: «يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزلت هذه الآية» (الطبري). وقال أبو موسى الأشعري: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فجعلنا لا نصعد شرفا ولا تعلو شرفا ولا نهبط واديا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، فدنا منا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس، أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا يدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا» (البخاري). فدلت هذه الأقوال على أنّ رفع الصوت في الدعاء ليس من آداب الدعاء، وإنما الأدب في الدعاء هو المناجاة بين العبد وبين الله، فإن كان الدعاء في جماعة رفع الداعي صوته بالقدر الذي يُسمع الجماعة.

(3) موانع إجابة الدعاء: تكلمنا عن الآثار التربوية للدعاء في سورة الفاتحة، وإتماما للفائدة نذكر هنا شروط إجابة الدعاء، فنقول: موانع إجابة الدعاء سبعة وهي: (1) الدعاء بالإثم. (2) الدعاء بقطيعة الرحم. (3) الاستعجال في الدعاء. وهذه الموانع الثلاثة مذكورة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل» قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: «يقول دعوت فلم يستجب لي» (البخاري). (4) المانع الرابع: أكل الحرام، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرجل أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك؟» (مسلم). (5) المانع الخامس: الإصرار على الذنوب، لقول الله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين) (الأعراف: 55)، وكل مصر على الذنب فهو معتد. (6) المانع السادس: عدم اليقين بالإجابة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإذا سألتم الله أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإنه لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل» (أحمد). (7) المانع السابع: ترك العزيمة في الدعاء، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولنّ اللهم إن شئت فأعطني، فإنه لا مستكرِه له» (البخاري)، لأنّ قول إن شئت يعني الاستغناء.

152

(4) وإتماما للفائدة نذكر أشكال الإجابة فنقول: أشكال الإجابة أربعة، ثلاثة منها مذكورة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له، وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها، قالوا: إذن نكثر، قال: الله أكثر» (أحمد). والشكل الرابع من أشكال إجابة الدعاء هو أن يسجل الدعاء طاعة وعبادة لصاحبه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» (الترمذي)، ولقوله تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم) (غافر: 60) أي: اعبدوني أقبل عبادتكم.

153