التفسير التربويالجزء 1 · ص 154 - 161

الآية 187

الآية 187

قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 187)

(1) قوله تعالى: (أحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُم). قال ابن عباس رضي الله عنه: «الرفث: الجماع، ولكن الله كريم يَكني» (الطبري)، وقوله تعالى: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) قال ابن عباس رضي الله عنه: «المباشرة: الجماع، ولكن الله كريم يَكني» (الطبري). لم يذكر الجماع بشكله الصريح في القرآن وإنما ذكر بألفاظ كالرفث والمباشرة والمس واللمس، وهذا من الأدب القرآني في التربية الجنسية، والمراد من ذلك تربية المسلم على تناول مسائل العلاقات الجنسية بألفاظ مؤدبة وإن كانت هذه الألفاظ تدخل في باب الكناية، فالله كريم ولأنه كريم يكني، وعلى المسلم أن يتخلق بأخلاق الله وأن يتأدب بآداب كتاب الله، فلا يتكلم بألفاظ صريحة في المسألة الجنسية، وخاصة الألفاظ العامية منها.

(2) قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُم). قال ابن أبي ليلى: «كان الرجل إذا أفطر فنام لم يأتها، وإذا نام لم يطعم، حتى جاء عمر بن الخطاب يريد امرأته، فقالت له: قد كنت نمت، فظنّ أنها تعتل فوقع بها، فأنزل الله هذه الآية» (الطبري). ومعنى ذلك أنّ الصيام كان يبدأ متى نام الإنسان بعد الإفطار، ومعنى: (تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُم) أي: يتهم بعضكم بعضا بالخيانة كما وقع لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث ظن أنّ امرأته تعتل بالنوم لعدم الرغبة في الجماع. ودلت هذه الآية على رحمة الله بالمسلمين حيث ظهر عليهم المشقة والعنت من كون فترة الإفطار تبدأ بغروب الشمس وتنتهي بمجرد النوم ولو بعد فترة يسيرة، فكان من رحمة الله بالمسلمين أن جعل فترة الإفطار تمتد من غروب الشمس حتى مطلع الفجر، وكان من رحمته أن تاب عليهم وعفا عنهم فيما بدر من تجاوزات، ولو شاء لما رخص في ذلك.

(3) قوله تعالى: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُن). هذا وصف في غاية الدقة لطبيعة العلاقة بين الرجل وزوجته، فهي ليست علاقة شهوانية كما هو الحال في المجتمعات الجاهلية، بل هي علاقة قائمة على كون الزواج سترة للرجل وسترة للمرأة، فهو أغض للبصر، وأحصن للفرج، وأبعد عن الحرام، والعلاقة بين الرجل وزوجته هي كالعلاقة بين الرجل ولباسه، فالبدن يمتزج باللباس حتى يصبحا شيئا واحدا. ومن معاني اللباس: السكن لقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسا) (النبأ: 10) أي: سكنا، ومن معاني اللباس اللحاف والفراش، فالمرأة فراش للرجل والرجل لحاف للمرأة، فدلت هذه الآية على نظرة الإسلام إلى طبيعة العلاقة الزوجية وأنها ليست مجرد قضاء شهوة، بل هي علاقة أرفع من ذلك، ويسودها الطهر والعفاف والنظافة.

(4) قوله تعالى: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُم). قال مجاهد بن جبر رحمه الله: ﴿ما كتب الله لكم: الولد﴾ (الطبري)، وهذا النص يرتقي بتربية المسلم إلى درجات عالية، حيث يجعل العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة ليست مجرد شهوة تراد لذاتها، وإنما تراد لهدف أسمى وهو إنجاب الذرية الصالحة التي تقوم بإعمار الكون وإشاعة الصلاح بين الناس.

154

(5) قوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا)، ولم يقل فلا تعتدوها، لأنّ عدم القرب يعني أن يترك الإنسان لنفسه هامش أمان، وبهذا يبتعد عن كل الأسباب التي قد تؤدي لمخالفة حدود الله والاعتداء عليها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإنّ لكل ملك حمى، ألا وإنّ حمى الله محارمه» (مسلم).

(6) قوله تعالى: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد). قال ابن كثير: «وفي ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام أو في آخر شهر الصيام، كما ثبت في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده».

155

الآية 188

قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 188)

(1) قوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل). قال الإمام الطبري: ((ولا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، فجعل تعالى ذكره آكل مال أخيه بالباطل كالآكل مال نفسه بالباطل، ونظير ذلك قوله تعالى: (ولا تلمزوا أنفسكم) (الحجرات: 16)، وقوله: (ولا تقتلوا أنفسكم) (النساء: 29)، بمعنى: لا يلمز بعضكم بعضا، ولا يقتل بعضكم بعضا، لأنّ الله تعالى ذكره جعل المؤمنين إخوة، فقاتل أخيه كقاتل نفسه ولامز أخيه كلامز نفسه)). فالمراد من هذا النص وغيره من النصوص تربية المسلمين على الوحدة الإسلامية وأنهم كالجسد الواحد، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (مسلم).

(2) قوله تعالى: (وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْم). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه فإنما أقضي له بقطعة من نار فليحملها أو ليذرها» (البخاري). وقال الإمام ابن كثير في التفسير: «فدلت هذه الآية الكريمة وهذا الحديث على أنّ حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يحل في نفس الأمر حراما هو حرام، ولا يحرم حلالا هو حلال، وإنما هو ملزم في الظاهر، فإن طابق في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجره وعلى المحتال وزره». وهذه قاعدة مهمة من قواعد القضاء الإسلامي، وهي أنّ حكم الحاكم لا يحل حراما هو حرام ولا يحرم حلالا هو حلال، وذلك لارتباط هذا القضاء باليوم الآخر حيث العدالة الإلهية المطلقة. وكان لهذه القاعدة أثرها التربوي في نفوس المسلمين على مر الدهور، حيث تنازل كثير من المسلمين عما قضى لهم القضاء لمعرفتهم أنه لا حق لهم فيما قضاه القضاء، فردوا الحق إلى أصحابه بعد أن قضى لهم القاضي بذلك الحق.

(3) قوله تعالى: (وأنتم تعلمون). قال الإمام الرازي في التفسير: «فالمعنى: وأنتم تعلمون أنكم مبطلون، ولا شك أنّ الإقدام على القبيح مع العلم بقبحه أقبح، وصاحبه بالتوبيخ أحق». فدلّ ذلك على أنّ عقوبة العالم ليست كعقوبة الجاهل في نفس الأمر، وما ذلك إلا تشجيع للعالم كي يظهر الأثر التربوي للعلم عليه، ومن هنا ربط النص القرآني بين العمل والعلم، وربط العمل بالعلم هو جوهر التربية.

156

الآية 189

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: 189)

(1) قوله تعالى: (يسألونك). قال ابن عباس رضي الله عنه: «ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة كلهنّ في القرآن، ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم» (القرطبي). كلمة (يسألونك) وردت في القرآن في خمسة عشر موضعا، ولو قسم هذا العدد على مدة الرسالة وهي ثلاث وعشرون سنة لوجدنا أنّ المعدل هو سؤال واحد في كل سنتين، وهذا يدل على الأدب التربوي الذي تربى عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا قوما يتسابقون في العمل والطاعة والاتباع، ولا يتسابقون في الأسئلة والنقاش والجدل. ولو نظرنا إلى مضمون الأسئلة لوجدنا أنّ هذه الأسئلة كانت في مضامين مهمة كالسؤال عن الأهلة، والسؤال عن الشهر الحرام، والخمر والميسر، والإنفاق، والمحيض، والساعة، واليتامى، والروح، والأنفال، والجبال، وذي القرنين، وماذا أحل لهم.

(2) قوله تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج). قيل في سبب نزول هذه الآية «أنّ معاذ بن جبل رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بناءً على سؤال اليهود له فقال: ما بال الهلال يبدو دقيقا، ثم يزيد حتى يستوي ويستدير، ثم ينتقص حتى يعود كما كان؟ فأنزل الله هذه الآية» (القرطبي). وهنا نلمح الافتراق بين السؤال والجواب، فالسؤال عن العلة في تبدل حجم الهلال (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّة)، والجواب عن الحكمة والفائدة والمنفعة من هذا التبدل (قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج) فدلّ هذا الجواب على قاعدة من أهم القواعد التربوية وهي الاشتغال بما ينفع وعدم الاشتغال بما لا منفعة فيه، لأنّ شرح الدورة الفلكية وخاصة في ذلك الزمان أمر لا فائدة منه، وربما جعل الناس يرفضون الإسلام لتعارضه مع تصوراتهم عن حركة الأرض والشمس والقمر. أما الاستفادة من يبدل القمر في معرفة التوقيت فله فائدة في الحج وفي الصيام وفي الديون وفي سائر المناحي، ومن هنا نقول: كل أمر لا ينبني عليه عمل فالخوض فيه من التكلف المنهي عنه شرعا، وتأكيدا لهذه القاعدة، قاعدة الاشتغال بما ينفع، ذكر الله في الشطر الثاني من الآية أمرا فيه فائدة وهو دخول البيوت من أبوابها والنهي عن دخول البيوت من ظهورها، إذ لا قربة إلى الله في دخول البيوت من ظهورها، كما كان يفعل أهل الجاهلية في الحج والسفر. وقد أشار الإمام الرازي في تفسيره إلى هذا الرابط بين شطري الآية فقال: «كأنهم سألوا عن الحكمة في اختلاف الأهلة فقيل لهم: اتركوا السؤال عن هذا الأمر الذي لا يعنيكم وارجعوا إلى ما البحث عنه أهم لكم، فإنكم تظنون أنّ إتيان البيوت من ظهورها بر، وليس الأمر كذلك». وبهذا المعنى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (الترمذي).

157

(3) قوله تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا). قال البراء: «كانت الأنصار إذا حجوا ورجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه، فقيل له في ذلك، فنزلت هذه الآية». فدلت هذه الآية على أنّ التقرب إلى الله يجب أن يكون بشيء له أصل في الشريعة، وأما ما لا أصل له فلا قربة لله فيه، وهو مخالفة للشريعة وابتداع في الدين ما لم يأذن به الله، وعلى هذا يجب تربية المسلمين، أي: تربيتهم على التقرب إلى الله بالسنن لا بالبدع. قال الإمام القرطبي في تفسيره: ((في هذه الآية بيان أنّ ما لم يشرعه الله قربة ولا ندب إليه لا يصير قربة بأن يتقرب به متقرب، قال ابن خويزمنداد: إذا أشكل ما هو بر وقربة بما هو ليس بر وقربة أن ينظر في ذلك العمل، فإن كان له نظير في الفرائض والسنن فيجوز أن يكون، وإن لم يكن فليس ببر ولا قربة، وبذلك جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس، فسأل عنه، فقالوا: هو أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:)مُروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه). فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ما كان غير قربة مما لا أصل له في شريعته، وصحح ما كان قربة مما له نظير في الفرائض والسنن)).

158

الآية 190

قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190)

(1) قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّه).

مرّ القتال بأربع مراحل: (الأولى) كان القتال ممنوعا، قال تعالى: (كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (النساء: 77) وقد استمرت هذه المرحلة حتى غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة. (والثانية) أصبح القتال مأذونا به، قال تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإنّ الله على نصرهم لقدير) (الحج: 39). (والثالثة) مأمورا به لمن قاتلهم والكف عمن لم يقاتلهم، قال تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) (البقرة: 190). (والرابعة) مأمورا به للمشركين كافة، قال تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) (التوبة: 36).

ويستفاد من هذه المرحلية في القتال: (أولا) التدرج في تطبيق الأحكام سمة أساسية في هذا الدين، وهذا التدرج له علاقة بإمكانية المسلمين من جهة وبالواقع الذي يعيشونه من جهة أخرى. (ثانيا) لا ناسخ ولا منسوخ في هذه الآيات وفي غيرها من آيات القتال، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (مسلم) ، وآيات القتال لا ناسخ فيها ولا منسوخ لأن لكل آية واقعا يختلف عن واقع الآية الأخرى، وبالتالي فهي الواقعية التي يمتاز بها هذا الدين عن غيره من الأديان. (ثالثا) المسلمون مخيرون في هذه المراحل بناءً على إمكانياتهم وبناءً على واقعهم، ولهم أن يأخذوا بالمرحلة الأخيرة ابتداءً، فلا إلزام في هذه المراحل ولكن القرار هنا قرار الأمة وليس قرار الأفراد. (رابعا) كان القتال دفاعيا في المرحلة الثانية والثالثة وأما في المرحلة الرابعة فكان القتال هجوميا.

(2) قوله تعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. القتال تشريع خاص لأمة محمد صلى الله عليه وسلم لم يشرعه الله لغيرهم من الأمم إلا أمة موسى عليه السلام، مع كون رسالة موسى عليه السلام خاصة لقوم دون غيرهم ولزمان دون غيره ولمكان دون غيره، ولذلك نعود لنؤكد أن تشريع القتال بهذه العمومية في الزمان والمكان والأشخاص هو تشريع خاص بأمة محمد صلى الله عليه وسلم دون غيرها من الأمم. ويستفاد من دراسة قصص الأنبياء في القرآن الكريم أن الرسل وأتباعهم كانوا يمرون بثلاث مراحل: الدعوة ثم المفاصلة ثم الفصل، وكان الفصل من الله تعالى بأن ينجي المؤمنين ويهلك الكافرين، وهذه المراحل نفسها مشروعة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم: الدعوة ثم المفاصلة ثم الفصل، ولكن الفصل يكون بالقتال بين المؤمنين وبين الكافرين المحاربين، فهو فصل يعتمد على الجهد البشري بخلاف ما كان في الرسالات السابقة حيث كان الفصل قدراً إلهيا لا جهد للبشر فيه. فليتنبه لهذه القاعدة الدعاة والمربون المسلمون، فهي قاعدة منهجية وسنة اجتماعية، وفيها إجابة على السؤال الذي يسأله السائلون: أليس المسلمون على الحق؟ ونقول: نعم، فيقولون: أليس خصومهم على باطل؟ فنقول: نعم، فيقولون: لماذا لا ينصر الله المسلمين على أعدائهم؟ فنقول: الجواب في هذه القاعدة.

159

(3) قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّه). لا يكون القتال في سبيل الله ما لم يكن خالصا لوجهه الكريم، ولا يكون القتال في سبيل الله ما لم يكن لإعلاء كلمة الله، ولا يكون القتال في سبيل الله ما لم يكن هدفه تحرير الإنسان من الوثنية والظلم وضيق الدنيا. وأما إذا كان القتال لإظهار الشجاعة أو كان القتال حمية أو كان القتال رياءً أو كان القتال للحصول على الغنائم فهو ليس في سبيل الله، قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياءً، أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (البخاري)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى» (البخاري). وعلى هذه القاعدة، قاعدة إخلاص العمل لله في القتال وفي غيره يجب أن نربّي المسلمين، فالله تعالى لا يقبل عملا ما لم يكن خالصا وصوابا، خالصا: أي لوجه الله، وصوابا: أي موافقا لشريعة الله.

(4) قوله تعالى: (ولا تعتدوا). أي: في القتال، وكل خروج على آداب القتال فهو اعتداء. قال الإمام ابن كثير في التفسير: «أي: قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك، ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي كما قاله الحين البصري، من المُثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ، الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة». وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان» (البخاري)، وقال عبد الله بن يزيد الأنصاري رضي الله عنه: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النهبى والمثلى» (البخاري)، وقال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن قتل الصبر» (أبو داود) يعني: قتل الأسير. وقال بُريدة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر الأمير على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرا، ثم قال له: اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا ولا أصحاب الصوامع» (مسلم). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرسولي مسيلمة حين قرأ كتابه: ما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال، قال: «أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» (أبو داود). ومن الاعتداء مقاتلة من لم يقاتل وخاصة إن كان من أهل الكتابين، أي ممن يقبل معهم التعايش السلمي.

160

(5) قوله تعالى: (إنّ الله لا يحب المعتدين). تضمنت هذه الآية الترغيب في عدم الاعتداء والترهيب من الاعتداء، فهي تحمل في طياتها الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، والمسلم يكفيه أن يعرف أنّ الله لا يحب الاعتداء حتى يكف عن الاعتداء ولا يكون ممن يقع في بغض الله وكرهه.

161