التفسير التربويالجزء 1 · ص 162 - 169

الآيات 191-193

الآيات 191-193

قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين َ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 191-193)

(1) قوله تعالى: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم). تضمنت هذه الآية تربية المسلمين على المهارة في القتال والحذق به، لأنّ كلمة (ثقفتموهم) وإن فسرت وجدتموهم، إلا أنها ليست مجرد الإيجاد، قال الطبري: «ومعنى الثقفة بالأمر: الحذق به والبصر، يقال: إنه لثقف لقف، إذا كان جيد الحذر في القتال، بصيرا بمواقع القتل».

(2) قوله تعالى: (وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُم). فيه تربية للمسلمين على مبدأ التعامل بالمثل في مجال الحروب، لأنّ غياب هذا المبدأ يعني تواجد نقاط ضعف على المسلمين قد تساهم في هزيمتهم، ولفظ الآية عام وإن كان المخاطب به المهاجرين الذين أخرجوا من مكة.

(3) قوله تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل). قال مجاهد: «ارتداد المسلم إلى الوثن أشد عليه من القتل» (الطبري). وقال الطبري: «فتأويل الكلام: وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجع عنه فيصير كافرا بالله بعد إسلامه، أشد عليه وأضر من أن يقتل على دينه، متمسكا عليه محقا فيه». والمراد من هذا النص تربية المسلم على أنّ الموت في طاعة الله خير من الحياة في معصية الله، وأنّ الخسارة الكبرى ليست في أن يموت الإنسان، وإنما في أن يرتد عن دينه فيعود كافرا بالله بعد إسلامه، ومعنى هذا الكلام هو الإحساس بنعمة الله على الإنسان في مجال الهداية، والشكر للمنعم بالتمسك بالنعمة حتى لو كان الموت ثمنا لهذا التمسك.

(4) قوله تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل) وقوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَة). قال المفسرون: «الفتنة هي الشرك». وتفسير الفتنة بالشرك مع أنّ الفتنة هي الامتحان والاختبار يدل على أنّ الغالب في الشرك هو أن يكون فتنة للإيمان، والغالب في الكافرين هو إيذاء المؤمنين ومحاربتهم، فالكفر حرب بذاته وخصائصه حتى لو لم يعلن الحرب. ولذلك تداول الفقهاء مصطلح (دار الإسلام ودار الحرب) ولم يتداولوا مصطلح (دار الإسلام ودار الكفر)، لأنّ الغالب في الكفر هو الحرب والعدوانية، ومن هنا نجد المعسكرات غبر الإسلامية، وإن نادت بحقوق الإنسان، فإنها تهدر حقوق الإنسان المسلم، وما ذاك إلا لأنّ الكفر حرب والشرك فتنة.

(5) قوله تعالى: (وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيه). هذا تأكيد لحرمة المسجد الحرام والذي دلت عليه نصوص القرآن ونصوص الحديث، والله تعالى جعل مكانا آمنا بأن حرّم القتال فيه، وزمانا آمنا بأن حرم القتال فيه، وذلك لعلمه تعالى بحاجة الإنسان إلى الأمن، وخاصة حين يُفقد هذا الأمن،فالحاجة إلى الأمن حاجة فطرية لا تستقيم الحياة بدون تلبيتها، ويدرك قيمة هذا الكلام كل من يعيش في واقع لا أمن فيه على النفس أو المال أو العرض أو الدين، ومثال ذلك الحالة التي كان يعيش فيها العرب في الجاهلية.

162

(6) قوله تعالى: (فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم). قال الإمام الرازي: ((الانتهاء عن الكفر لا يحصل إلا بأمرين: (أحدهما) التوبة، (والآخر) التمسك بالإسلام، وإن كان قد يقال لمن أظهر الشهادتين: إنه انتهى عن الكفر، إلا أنّ ذلك إنما يؤثر في حقن الدم فقط، أما الذي يؤثر في استحقاق الثواب والغفران والرحمة فليس إلا ما ذكرنا)). وهذه وقفة تربوية جديرة بالاهتمام، وهي أنّ الإسلام ليس مجرد النطق بالشهادتين وإن كان النطق هو الشرط الأول الذي لابد منه لتحقيق الإسلام، فالإنسان لا يصبح مسلما ما لم يحقق هذا الاسم وذلك بالاستسلام الكامل لله تعالى. ووقفة أخرى لها أهميتها في مجال التربية، وهي أنّ الله بسط للكافر باب الرحمة ووعده بالمغفرة مهما كانت ذنوبه عظيمة إن انتهى عن الكفر وقرر الدخول في الإسلام، فقال تعالى: (فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم).

(7) قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّه). دلت هذه الآية على أنّ الهدف من قتال الكافرين ليس قتلهم وإنما دخولهم في الإسلام، والقتال ليس إلا وسيلة لتحقيق هذا الهدف، ولذلك متى وجدت وسيلة أخرى تجعل الكافر يقلع عن كفره ويدخل في الإسلام فإنّ من واجب المسلمين العدول عن القتال إلى تلك الوسيلة، فالقتال كالكي آخر الدواء. وهناك قصة تبين لنا الأثر التربوي لهذه الآية في سلوك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال: ((أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير، فقالا: إنّ الناس ضيعوا، وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم، فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أنّ الله حرّم دم أخي، قالا: ألم يقل الله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله)؟ فقال عبد الله بن عمر: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله)) (البخاري).

163

الآية 194

قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 194)

(1) قال ابن عباس رضي الله عنه: «لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا في سنة ستة من الهجرة، وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت، وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة وهو شهر حرام، حتى قاضاهم على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان معه من المسلمين، وأقصه الله منهم، فنزلت في ذلك هذه الآية» (ابن كثير). فدلت هذه الآية على أنّ من اتقى الله جعل له مخرجا، وأنّ من توكل على الله فهو حسبه، ومن كان مع الله كان الله معه، وفي هذا ترغيب للمسلم بأن يضع الله نصب عينيه فيتوكل عليه ويُفوض أمره إليه.

(2) وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغزى، وكان يغزو فإذا حضره أقام حتى ينسلخ» (أحمد). وهذا الحديث هو تقرير لمبدأ تربوي سار وفقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المعاملة بالمثل في الحروب، وعدم تجاوز الزمن الحرام والمكان الحرام في القتال، إلا إذا أقدم الطرف الآخر على هذا التجاوز، وعندها لابد من ذلك حقنا لدماء المسلمين، وحرصا على عدم هزيمتهم أو إضعاف شوكتهم.

(3) قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم). الاعتداء الثاني هو من قبيل المشاكلة اللفظية، لأنّ الاعتداء الأول هو الاعتداء، والاعتداء الثاني هو القصاص، والقصاص عدالة وليس اعتداء.

(4) قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِين). هذا أمر بالتقوى وترغيب فيها، ونجد هذا الترغيب في قمته عندما يصف الله نفسه بأنه مع المتقين، أي: في النصرة والمعونة، ويكفي المسلم أن يعلم بأنّ الله سيكون معه في أمر ما حتى يبادر إلى فعل ذلك الأمر مهما كلف من الثمن ومهما احتاج من الجهد.

164

الآية 195

قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: 195)

(1) قوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة). قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: «هو ترك النفقة في سبيل الله» (الطبري)، وقال ابن عباس رضي الله عنه: «ليس التهلكة أن يُقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله» (الطبري). وظاهر التنزيل يؤكد ما قاله حذيفة وابن عباس وغيرهم في تفسير التهلكة، لأنّ الله تعالى يقول: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة)، وعلى هذا المعنى تربى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تربوا على أنّ ترك الإنفاق في سبيل الله إهلاك للنفس، فأنفقوا في سبيل الله أموالهم كاملة أو نصفها أو ربعها أو غير ذلك. وها نحن في زمان يُقال فيه لمن أنفق في سبيل الله: قد ألقى بنفسه إلى التهلكة، ويُقال لمن أدى الفرائض: قد ألقى بنفسه إلى التهلكة، ويُقال لمن يقول الحق بأنه ألقى بنفسه إلى التهلكة، ويستشهد الناس على كلامهم هذا بكتاب الله فيقولون: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، وعجبا لمن وصلت به وساوس الشيطان إلى هذا الحد كيف يصف نفسه بالإسلام ، ويصف من يقيم تعاليم الإسلام بأنه يلقي بنفسه إلى التهلكة، ويستشهد لضلاله بفهم خاطئ لكتاب الله تعالى. ومن هنا تبدو أهمية المفاهيم والأفكار في التربية وفي بناء الشخصية، فحين تربى الناس على أنّ ترك الإنفاق في سبيل الله إلقاء بالنفس إلى التهلكة كان لدينا نموذج فريد من المسلمين، وحين تربت الأجيال فيما بعد على مفاهيم أخرى كان لدينا نموذج آخر من المسلمين!.

(2) قوله تعالى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين). هذا ترغيب في الإحسان، جاء بصيغة تحمل الترغيب الشديد والوعد الأكيد والثواب المطلق وهي (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين)، ويكفي المسلم أن يعلم أنّ الله يحب المحسنين حتى يبادر فيكون منهم ويتصف بصفاتهم فيحظى بمحبة الله، وكيف لا يحب الله المحسنين والإحسان درجة عالية ومقام فريد لا يصل إليه إلا أولوا العزم من الناس، فالإحسان كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (البخاري ومسلم)، ومقتضى الإحسان هو المراقبة الدائمة لله في كل قول وفي كل عمل، ومن هنا قلنا إنه درجة عالية ومقام فريد، فالمحسن بعيش في حضرة الله.

165

الآية 196

قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (البقرة: 196)

(1) نلمح في هذه الآية أسلوب القرآن في عرض التشريعات، فهو أسلوب تربوي وتعليمي قائم على عرض التشريعات في فقرات محددة بدقة، تستقل كل فقرة ببيان حكم شرعي، وقد يعقب الفقرة استدراك على الحكم، وهذا الأسلوب هو ما يسمى في العرف الحديث التقنين، ومن ثم نجد ربط هذه التشريعات بالتقوى والتحذير من مخالفة الله، وهذا الأسلوب القرآني نجده في الكثير من الآيات التي مضمونها التشريع كآيات الإرث في سورة النساء.

(2) قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه). تذكير للمسلم بقاعدة الإخلاص في الإسلام أي: إخلاص العمل لله، والحرص على تحقيق مرضاة الله في كل عمل، وإنشاء الأعمال أساسا لوجهه الكريم لا لغرض من أغراض الدنيا، وهي قاعدة عظيمة نصت عليها هذه الآية (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه)، ونص عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» (البخاري)، ونص عليها القرآن بقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء) (البينة: 5). وفي مجال إتمام الحج والعمرة لله يقول الإمام سفيان الثوري: «هو أن تخرج من أهلك لا تريد إلا الحج والعمرة، ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة حتى إذا كنت قريبا من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت! وذلك يجزئ ولكن التمام أن تخرج له لا لغيره» (الطبري).

(3) قوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي). معناه: إذا حبسكم العدو أو المرض عن إتمام الحج أو العمرة أو كليهما فاذبحوا ما تيسر من شاة ونحوها وتحللوا من عبادتكم وتحسب لكم العبادة كأنها تامة، وهذه قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام في الأعمال كالحج وغيره، وهي إذا شرع المسلم في عمل ثم مُنع من إتمامه منعا لا سلطان له فيه ولا إرادة حُسب له ذلك العمل كأنه تام، وهذا من تيسير الله على الناس ومن رحمته بهم.

(4) قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُك). قال الإمام الرازي في تفسيره: «أصل النسك العبادة، قال ابن الأعرابي: النسك سبائك الفضة، كل واحدة منها نسيكة، ثم قيل للمتعبد ناسك لأنه خلّص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث، هذا أصل معنى النسك، ثم قيل للذبيحة نسك، لأنها من أشرف العبادات التي يُتقرب بها إلى الله». فالنسك في هذه الآية هي الذبيحة، وتسمية الذبيحة بالنسك، بعد علمنا أنّ الأصل اللغوي لهذه الكلمة هو الصفاء والإخلاص، له مدلول تربوي، وهو ترغيب المسلم بأن تكون ذبيحته خالصة لله لا تذبح لغيره كما كانوا يذبحون للأصنام، ولا يذكر عليها اسم غيره تعالى كما كانوا يهلون لغير الله في الجاهلية.

166

(5) قوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَة). أوجب الله على المتمتع، وهو الذي يعتمر ثم يتحلل من إحرامه ثم يحج، الهدي، فإن لم يجد فالصيام، والحكمة التربوية من ذلك هي استمرار صلة القلب بالله فيما بين العمرة والحج، فلا يكون التحلل خروجا من جوّ الحرج والرقابة الذي يعيشه الحاج أو المعتمر منذ إحرامه بالحج أو العمرة إلى تحلله من أداء هذه العبادة.

(6) قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب). ترغيب بالتقوى وترهيب من مخالفة أوامر الله ونواهيه، وهذا يتفق مع سياق النص الذي يتضمن مجموعة من الأوامر والنواهي، فمن هنا كان الزجر عن مخالفتها يتفق مع السياق، ولو كان التعقيب: واعلموا أنّ الله غفور رحيم، لكان معناه الإغراء بالمخالفة، وهذه قاعدة تربوية يجب الوقوف عندها والتأمل فيها، فإذا طلبت من الناس فعل أمور معينة فالتعقيب المناسب هو التحذير من مخالفتها، وإذا تكلمت عن أناس وقعوا في مخالفة بعض الأمور فالتعقيب المناسب هو بسط باب التوبة والمغفرة.

167

الآية 197

قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَاب﴾ (البقرة: 197)

(1) قوله تعالى: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَج). الرفث هنا: ذكر الجماع ودواعيه ومقدماته، والفسوق: المعاصي كلها، والجدال: المناقشة التي تؤدي إلى الخصومة، وهذه الأشياء محرمة في سائر العام، اللهم إلا رفث الرجل مع حلاله، فلماذا خصّ هذا التحريم في الحج؟ الجواب على ذلك: إنّ الإسلام أراد للمسلم أن تكون فترة الحج مدرسة روحية له، يتربى فيها ويتأدب على هذه الرياضة الروحية بما يجعل هذه المدة كالزاد لبقية العمر، ومن هنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه» (البخاري)، والمراد من هذا الحديث الاستمرار على عدم الرفث وعدم الفسوق بقية العمر كي يلقى الله بلا ذنوب.

(2) قوله تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّه). المراد من هذا النص التشجيع على فعل الخير والترغيب فيه، فالمسلم متى تذكر أنّ الله مطلع على أي خير يفعله كان ذلك حافزا له على الإكثار من فعل الخير والمواظبة عليه.

(3) قوله تعالى: (وتزودوا). أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فأنزل الله هذه الآية» (البخاري)، ومعنى الزاد هنا: الطعام والشراب، والمراد من قوله (وتزودوا) هو تربية المسلمين على الأخذ بالأسباب، وما لم يتزود المسلم لحجّه فهو متواكل لا متوكل على الله، لأنه لم يأخذ بالأسباب، «قال رجل لأحمد بن حنبل رحمه الله: أريد أن أخرج إلى مكة متوكل من غير زاد، فقال له أحمد: أخرج في غير القافلة، فقال: لا إلا معهم، قال أحمد: فعلى جُرُب الناس توكلت» (القرطبي). ومعنى الجُرُب: الأوعية. ونجد معنى التوكل صريحا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي ترك الناقة من غبر رباط فأضاعها: «اعقلها وتوكل» (الترمذي)، فمبدأ الأخذ بالأسباب مبدأ عظيم من مبادئ الإسلام يجب تربية الناس عليه.

(4) قوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى). أما الزاد الأول في هذه الآية فهو الطعام والشراب، وأما الزاد الثاني فهو التقوى، أي: الخوف من الله خوفا يدفع صاحبه إلى فعل المأمورات واجتناب المحظورات، وهذه الثنائية، ثنائية الروح والجسد، هي من مبادئ الإسلام التربوية، فالإسلام يعتني بتربية الروح كما يعتني بتربية الجسد، ويعتني بما يصلح الإنسان في دنياه كما يعتني بما يصلح الإنسان في آخرته، ولذلك قرن بين زاد الدنيا وزاد الآخرة.

(5) قوله تعالى: (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَاب). قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: «خصّ جلّ ذكره بالخطاب بذلك أولي الألباب، لأنهم أهل التمييز بين الحق والباطل، وأهل الفكر الصحيح والمعرفة بحقائق الأشياء التي بالعقول تدرك، وبالألباب تفهم، ولم يجعل لغيرهم من أهل الجهل في الخطاب حظا، إذ كانوا أشباحا كالأنعام، بل هم منها أضل سبيلا». وتخصيص أولي الألباب بالتقوى يدل على ترغيبين هما: ترغيب لعامة الناس بأن يكونوا من أولي الألباب، وترغيب لأولي الألباب بأن يكونوا من المتقين.

168

الآية 198

قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ (البقرة: 198)

(1) قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُم). أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ((كانت عكاظ والمجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فنزلت (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُم) في مواسم الحج)) (البخاري)، وأخرج أبو داود عن أبي أمامة التميمي قال: قلت لابن عمر: إنا نكري فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرف، وترجمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قلت: بلى، فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله الذي سألتني، فلم يجبه حتى نزل جبريل بهذه الآية (ليْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ)) (أبو داود). نلمح من هذه النصوص تحرج الصحابة رضوان الله عليهم من التجارة والكراء، العمل بأجر، في مواسم الحج، لأنّ التربية الإسلامية الخالصة لله جعلتهم يتحرجون من كل فعل كانوا يفعلونه في الجاهلية، وجعلتهم ينظرون بعين الحذر والريبة إلى كل ماضيهم في الجاهلية، وخاصة ذلك الماضي القائم على أساس الدين، دين الآباء والأجداد، وما لم تنشئ التربية الإسلامية هذا التحرج من الماضي في الجاهلية فهي لم تؤت ثمارها. ونلمح من هذه النصوص رحمة الله تعالى بالناس وتيسيره عليهم إذ لم يحرم عليهم التجارة والعمل بأجر في مواسم الحج، بل اعتبر هذه التجارة والعمل بأجر من فضل الله عليهم (فضلا من ربكم) أي: جعلها جزءً من العبادة ما دام المسلم ينوي بها التقوّي على طاعة الله، والسعي للإنفاق على من يلوذ به ممن تجب له النفقة أو يصح له الزكاة والتطوع.

(2) قوله تعالى: (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّين). ربط النص القرآني هنا بين تشجيع الناس على ذكر الله بناء على ما أنعم الله به على الناس من نعمة الهداية من الضلال بإرسال الرسالة وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وبين التذكير بالنعم وخاصة إذا كانت هذه النعم حديثة العهد كما هو حال الصحابة رضوان الله عليهم في اهتدائهم إلى الإسلام، وهذا الربط بين الذكر والنعمة تشجيع على الذكر وترغيب فيه.

169