الآيات 191-193
قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين َ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 191-193)
(1) قوله تعالى: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم). تضمنت هذه الآية تربية المسلمين على المهارة في القتال والحذق به، لأنّ كلمة (ثقفتموهم) وإن فسرت وجدتموهم، إلا أنها ليست مجرد الإيجاد، قال الطبري: «ومعنى الثقفة بالأمر: الحذق به والبصر، يقال: إنه لثقف لقف، إذا كان جيد الحذر في القتال، بصيرا بمواقع القتل».
(2) قوله تعالى: (وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُم). فيه تربية للمسلمين على مبدأ التعامل بالمثل في مجال الحروب، لأنّ غياب هذا المبدأ يعني تواجد نقاط ضعف على المسلمين قد تساهم في هزيمتهم، ولفظ الآية عام وإن كان المخاطب به المهاجرين الذين أخرجوا من مكة.
(3) قوله تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل). قال مجاهد: «ارتداد المسلم إلى الوثن أشد عليه من القتل» (الطبري). وقال الطبري: «فتأويل الكلام: وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجع عنه فيصير كافرا بالله بعد إسلامه، أشد عليه وأضر من أن يقتل على دينه، متمسكا عليه محقا فيه». والمراد من هذا النص تربية المسلم على أنّ الموت في طاعة الله خير من الحياة في معصية الله، وأنّ الخسارة الكبرى ليست في أن يموت الإنسان، وإنما في أن يرتد عن دينه فيعود كافرا بالله بعد إسلامه، ومعنى هذا الكلام هو الإحساس بنعمة الله على الإنسان في مجال الهداية، والشكر للمنعم بالتمسك بالنعمة حتى لو كان الموت ثمنا لهذا التمسك.
(4) قوله تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل) وقوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَة). قال المفسرون: «الفتنة هي الشرك». وتفسير الفتنة بالشرك مع أنّ الفتنة هي الامتحان والاختبار يدل على أنّ الغالب في الشرك هو أن يكون فتنة للإيمان، والغالب في الكافرين هو إيذاء المؤمنين ومحاربتهم، فالكفر حرب بذاته وخصائصه حتى لو لم يعلن الحرب. ولذلك تداول الفقهاء مصطلح (دار الإسلام ودار الحرب) ولم يتداولوا مصطلح (دار الإسلام ودار الكفر)، لأنّ الغالب في الكفر هو الحرب والعدوانية، ومن هنا نجد المعسكرات غبر الإسلامية، وإن نادت بحقوق الإنسان، فإنها تهدر حقوق الإنسان المسلم، وما ذاك إلا لأنّ الكفر حرب والشرك فتنة.
(5) قوله تعالى: (وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيه). هذا تأكيد لحرمة المسجد الحرام والذي دلت عليه نصوص القرآن ونصوص الحديث، والله تعالى جعل مكانا آمنا بأن حرّم القتال فيه، وزمانا آمنا بأن حرم القتال فيه، وذلك لعلمه تعالى بحاجة الإنسان إلى الأمن، وخاصة حين يُفقد هذا الأمن،فالحاجة إلى الأمن حاجة فطرية لا تستقيم الحياة بدون تلبيتها، ويدرك قيمة هذا الكلام كل من يعيش في واقع لا أمن فيه على النفس أو المال أو العرض أو الدين، ومثال ذلك الحالة التي كان يعيش فيها العرب في الجاهلية.