الآيات 73-75
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 73-75)
(73) و (74) و (75) قوله تعالى: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا. ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا. إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا). فيه تبيان لنوع من الهجمات التي يتعرض لها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على شكل صفقة يتم بموجبها تبديل بعض القرآن من قبله صلى الله عليه وسلم مقابل اتخاذه صاحبا وقائدا وزعيما من قبل المشركين. والله تعالى يمن على الرسول بالتثبيت على القرآن. ويحذره من العذاب في الدنيا والآخرة إذا رضي بصفقة التبديل. والخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة المسلمة وخاصة العلماء والدعاة والقائمين بأمر الدين إلى يوم القيامة، لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم عن التبديل. قال القرطبي في التفسير: «قال سعيد بن جبير ومجاهد بن جبر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود في طوافه، فمنعته قريش وقالوا: لا ندعك تستلم حتى تلم بآلهتنا، فحدث نفسه وقال: ما علي أن ألم بها بعد أن يدعوني أستلم الحجر والله يعلم أنى لها كاره، فأبى الله تعالى ذلك وأنزل عليه هذه الآية. وقال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في وفد ثقيف، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه شططا وقالوا: متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يُهدى لها، فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا، وحرم وادينا كما حرمت مكة، حتى تعرف العرب فضلنا عليهم، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك فنزلت هذه الآية. وقيل: هو قول أكابر قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد عنا هؤلاء السقاط والموالي حتى نجلس معك ونسمع منك، فهم بذلك حتى نهى عنه. وقال قتادة: ذكر لنا أن قريشا خلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويفخمونه، ويسودونه ويقاربونه، فقالوا: إنك تأتى بشيء لا يأتي به أحد من الناس، وأنت سيدنا وابن سيدنا، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، وأنزل الله تعالى هذه الآية». فقوله تعالى: (وإن كادوا ليفتنونك) أي يزيلونك، يقال: فتنت الرجل عن رأيه إذا أزلته عما كان عليه، وقيل: يصرفونك (عن الذي أوحينا إليك) أي حكم القرآن، لأن في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن (لتفتري علينا غيره) أي لتختلق علينا غير ما أوحينا إليك، وهو قول ثقيف: وحرم وادينا كما حرمت مكة، شجرها وطيرها ووحشها، فإن سألتك العرب لم خصصتهم فقل: الله أمرني بذلك حتى يكون عذرا لك (وإذا لاتخذوك خليلا) يعني: لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك خليلا بأن والوك وصافوك، مأخوذ من الخلة (بالضم) وهى الصداقة المتينة، وقيل: (لاتخذوك خليلا) يعني: فقيرا، مأخوذ من الخلة (بفتح الخاء) وهى الفقر لحاجته إليهم. (ولولا أن ثبتناك) أي على الحق وعصمناك من موافقتهم (لقد كدت تركن إليهم) أي تميل (شيئا قليلا) أي ركونا قليلا. قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم لا تكلني نفسي طرفة عين». وقيل: ظاهر الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وباطنه إخبار عن ثقيف، والمعنى: وإن كادوا ليخبرون عنك بأنك ملت إلى قولهم، فنسب فعلهم إليه مجازا واتساعا، كما تقول لرجل: كدت تقتل نفسك، أي كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت. وقيل: ما كان منه هم بالركون إليهم، بل المعنى: ولولا فضل الله عليك لكان منك ميل إلى موافقتهم، ولكن تم فضل الله عليك فلم تفعل، لأن (لولا) في اللغة حرف امتناع لوجود، يعني: امتنع الركون لوجود التثبيت، وهذا التفسير أليق بالنبوة. وقال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوما، ولكن هذا تعريف للأمة لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين في شيء من أحكام الله تعالى وشرائعه. (إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) أي لو ركنت لأذقناك مثلي عذاب الحياة في الدنيا ومثلي عذاب الممات في الآخرة، وهذا غاية الوعيد، لأنه لما كانت الدرجة أعلى كان العذاب عند المخالفة أعظم (ثم لا تجد لك علينا نصيرا).