التفسير التربويالجزء 1 · ص 1620 - 1627

الآية 60

الآية 60

(60) قوله تعالى: (وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا). فيه تطمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه أنه لن يلحق به أذى ولن يصيبه مكروه لأن الناس كلهم في قبضته تعالى. وفيها نص على معجزة المعراج، حيث نصت الآية الأولى من هذه السورة على معجزة الإسراء بالرسول صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، بينما نصت هذه الآية على معراجه عليه الصلاة والسلام في السماوات العلا ورؤيته لما أراد الله له من الرؤى. فقوله تعالى: (وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس) يعني: أحاطت قدرته بهم فهم في قبضته لا يقدرون على الخروج من مشيئته، وقيل: المراد عصمته من الناس أن يقتلوه حتى يبلغ رسالة ربه، (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) لما بين أن إنزال آيات القرآن تتضمن التخويف ضم إليه ذكر آية الإسراء والمعراج (والشجرة الملعونة في القرآن) هي شجرة الزقوم. وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي ما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس. وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسرى به. وذكر ابن إسحاق أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه قيل له صبيحة الإسراء: إن صاحبك يزعم أنه جاء البارحة من بيت المقدس فقال: إن كان قال ذلك فلقد صدق. فقيل له: أتصدقه قبل أن تسمع منه؟ فقال: أين عقولكم؟ أنا أصدقه بخبر السماء، فكيف لا أصدقه بخبر بيت المقدس، والسماء أبعد منها بكثير. (ونخوفهم) أي بالزقوم (فما يزيدهم) التخويف (إلا طغيانا كبيرا).

1620

الآيات 61-65

(61) و (62) و (63) و (64) و (65) قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا. قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا. قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا. واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورَجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا). قال الرازي في التفسير: ((في كيفية النظم وجوه: (الأول) اعلم أنه تعالى لما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في محنة عظيمة من قومه وأهل زمانه، بين أن حال الأنبياء مع أهل زمانهم كذلك، ألا ترى أن أول الأنبياء هو آدم، ثم إنه كان في محنة شديدة من إبليس. (والثاني) أن القوم إنما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاندوه واقترحوا عليه الاقتراحات الباطلة لأمرين الكبر والحسد، أما الكبر فلأن تكبرهم كان يمنعهم من الانقياد، وأما الحسد فلأنهم كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من النبوة والدرجة العالية، فبين تعالى أن هذا الكبر والحسد هما اللذان حملا إبليس على الخروج من الإيمان والدخول في الكفر، فهذه بلية قديمة ومحنة عظيمة للخلق. (والثالث) أنه تعالى لما وصفهم بقوله: (فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا) (الإسراء: 60) بين ما هو السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس (لأحتنكن ذريته إلا قليلا)، فلأجل هذا المقصود ذكر الله تعالى قصة إبليس وآدم، فهذا هو الكلام في كيفية النظم . واعلم أن هذه القصة قد ذكرها الله تعالى في سور سبعة، وهي: البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص، والكلام المستقصى فيها قد تقدم في البقرة والأعراف والحجر فلا فائدة في الإعادة)). فقوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) المعنى: اذكر بتمادي هؤلاء المشركين وعتوهم على ربهم قصة إبليس حين عصى ربه وأبى السجود، وقال ما قال، وهو ما أخبر الله تعالى في قوله تعالى: (فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا) أي من طين، وهذا استفهام إنكار. (قال أرأيتك) أي قال إبليس، والكاف توكيد للمخاطبة (هذا الذي كرمت علي) أي فضلته علي، ورأى جوهر النار خيرا من جوهر الطين ولم يعلم أن الجواهر متماثلة (لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته) يعني: لاستولين عليهم بالإغواء والإضلال (إلا قليلا) يعني: المعصومين وهم الذين ذكرهم الله في قوله: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان. (قال اذهب) هذا أمر إهانة ومعناه: ابذل جهدك فقد أنظرناك (فمن تبعك منهم) أطاعك من ذرية آدم (فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا) أي وافرا. (واستفزز من استطعت منهم) أي استزل واستخف، وأصله القطع ومنه تفزز الثوب إذا انقطع، وهو أمر تعجيز، أي أنت لا تقدر على إضلال أحد وليس لك على أحد سلطان فافعل ما شئت (بصوتك) وصوته كل داع يدعو إلى معصية الله تعالى (وأجلب عليهم بخيلك ورجلك) أصل الإجلاب السوق بجلبة من السائق، والمعنى أجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكائدك، وقيل: المراد كل راكب وماش في معصية الله تعالى (وشاركهم في الأموال والأولاد) أي اجعل لنفسك شركة في ذلك، وشركته في الأموال أخذها من غير حلها أو إنفاقها في معصية الله، وشركته في الأولاد هي التهويد أو التنصير أو التمجيس أو غير ذلك (وعِدْهم) يعني: بالأماني الكاذبة وأنه لا قيامة ولا حساب، وأنه إن كان حساب وجنة ونار فأنتم أولى بالجنة من غيركم (وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) أي باطلا. (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) وهم المؤمنون (وكفى بربك وكيلا) أي عاصما من القبول من إبليس، وحافظا من كيده وسوء مكره.

1621

الآية 66

(66) قوله تعالى: (ربكم الذي يزجى لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما). فيه بيان لنعمة من نعم الله تعالى على الناس وهي نعمة جريان الفلك في الماء بالقوة التي أودعها الله تعالى عالم الجمادات وهي قانون الكثافة والثقل الحجمي، وهذا من رحمته تعالى بالناس حيث سخر لهم البحر ذلك المخلوق الجبار، وهذه الآية توقيف على آلاء الله وفضله عند عباده، والمعنى: ربكم الذي أنعم عليكم بكذا وكذا فلا تشركوا به شيئا ولا تعبدوا إلا إياه. فقوله تعالى: (ربكم الذي يزجى لكم الفلك في البحر) الإزجاء: السوق والدفع ومنه قوله تعالى: (ألم تر أن الله يزجى سحابا)، وإزجاء الفلك: سوقه بالريح اللينة، والبحر الماء الكثير عذبا كان أو مالحا (لتبتغوا من فضله) في التجارة وغيرها (إنه كان بكم رحيما).

1622

الآية 67

(67) قوله تعالى: (وإذا مسّكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجّاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا). فيه دعوة إلى الإيمان في حالات الرخاء من خلال التذكير بحالة الشدة، وهي تجربة إنسانية منقطعة النظير وحالة إيمانية نادرة الوقوع، وذلك حين يكون الناس في البحر ويتحرك الموج الشديد الذي يوشك أن يبتلع السفينة، عندها يلجأ الناس إلى الله وحده دون سواه ممن يلجؤون إليه في الحالات الطبيعية، فإذا نجاهم الله من تلك الحالة عادوا إلى ما كانوا عليه من الشرك والاستغاثة بغير الله تعالى. فقوله تعالى: (وإذا مسكم الضر في البحر) والضر لفظ يعم خوف الغرق والإمساك عن الجري وأهوال البحر وحالاته اضطرابه وتموجه (ضل من تدعون إلا إياه) يعني: تلف وذهب من يدعون من دون الله، وهى عبارة تحقير لمن يدعي إلها من دون الله. ومعنى هذه الآية أن الكفار إنما يعتقدون في أصنامهم أنها شافعة وأن لها فضلا، وكل واحد منهم بالفطرة يعلم علما لا يقدر على مدافعته أن الأصنام لا فعل لها في الشدائد العظام، فوقفهم الله من ذلك على حالة البحر حيث تنقطع الحيل (فلما نجاكم إلى البر أعرضتم) أي عن الإخلاص (وكان الإنسان كفورا) والإنسان هنا الكافر، وقيل: وطبع الإنسان كفران النعم إلا من عصمه الله.

1623

الآيات 68-69

(68) و (69) قوله تعالى: (أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا. أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغركم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا). فيه دعوة إلى الإيمان من خلال الترهيب والتخويف بالعقوبات الدنيوية كخسف الأرض أو الريح الحاصب أو الريح المغرق في البحر. فقوله تعالى: (أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر) بين أنه قادر على هلاكهم في البر وإن سلموا من البحر، والخسف: أن تنهار الأرض بالشيء، يقال: بئر خسيف إذا انهدم أصلها، وعين خاسف أي غارت حدقتها في الرأس، وعين من الماء خاسف إذا غار ماؤها، وخسفت الشمس أي غابت عن الأرض، وجانب البر: ناحية الأرض، وسماه جانبا لأنه يصير بعد الخسف جانبا، ولأن البحر جانب والبر جانب (أو يرسل عليكم حاصبا) يعني: ريحا شديدة ترمي بالحصباء، وهى الحصى الصغار، كما فعل بقوم لوط (ثم لا تجدوا لكم وكيلا) أي حافظا ونصيرا يمنعكم من بأس الله. (أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى) يعني في البحر (فيرسل عليكم قاصفا من الريح) القاصف: الريح الشديدة التي تكسر بشدة، والقصف: الكسر، يقال: قصفت الريح السفينة (فيغرقكم بما كفرتم) أي بكفركم (ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا) يعني: ثأرا، وكذلك يقال لكل من طلب بثأر أو غيره: تبيع وتابع، ومنه (فاتباع بالمعروف) أي مطالبة.

1624

الآية 70

(70) قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا). فيه تربية على أن الإنسان سيد المخلوقات وأنه أفضل من سائر ما خلق الله، من خلال التذكير بقانون التسخير حيث سخر الله للناس كل ما خلق، ومن خلال التذكير بفضلهم على الملائكة حيث أمر الله الملائكة بالسجود لآدم. وهذه الآية أصل في تقرير حقوق الإنسان في الإسلام كحق الحياة والحرية والعمل والعيش الكريم اللائق به، وحق الرأي والاجتماع والتنقل والزواج وبناء الأسرة. وبنزول هذه الآية تقرر في الإسلام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فقوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر) لما ذكر من الترهيب ما ذكر بين النعمة عليهم أيضا، وكرمنا تضعيف كرم ومعناه جعلنا لهم كرما وشرفا وفضلا، والتضعيف في الفعل يفيد التكرار، وأول التكريم أن خلقه الله تعالى في أحسن تقويم، ويدخل في هذا التكريم خلقهم على هذه الهيئة في امتداد القامة وحسن الصورة، وحملهم في البر والبحر مما لا يصح لحيوان سوى بني آدم أن يكون يتحمل بإرادته وقصده وتدبيره، ومن التكريم ما خصهم به من المطاعم والمشارب والملابس وهذا لا يتسع فيه حيوان اتساع بني آدم لأنهم يكسبون المال ويلبسون الثياب ويأكلون المركبات من الأطعمة، وغاية كل حيوان يأكل لحما نيئا أو طعاما غير مركب، وقيل: من التفضيل هو أن يأكل بيده وسائر الحيوان بالفم، وقيل: كرمهم بالنطق والتمييز، وقيل: كرمهم بأن جعل محمدا صلى الله عليه وسلم منهم، وقيل: أكرم الرجال باللحى والنساء بالذوائب، وقيل: كرمهم بتسليطهم على سائر الخلق، وتسخير سائر الخلق لهم، وقيل: كرمهم بالكلام والخط، وقيل: كرمهم بالفهم والتمييز، والمشهور أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يعرف الله ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله، إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بعثت الرسل وأنزلت الكتب. (ورزقناهم من الطيبات) يعنى لذيذ المطاعم المشارب، كالسمن والعسل والزبد والتمر والحلوى، وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى عليكم من التبن والعظام وغيرها (وفضلناهم على أكثر ممن خلقنا تفضيلا) أي على البهائم والدواب والوحش والطير بالغلبة والاستيلاء، والثواب والجزاء والحفظ والتمييز وإصابة الفراسة، وكذلك على الجن مطلقا وعلى الملائكة مع التفصيل في ذلك.

1625

الآيات 71-72

(71) و (72) قوله تعالى: (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا. ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا). فيه تربية من خلال الترغيب والترهيب بالثواب والعقاب يوم القيامة بناء على العمل في الدنيا، وبناء على قاعدة الحساب في الآخرة وهي الجزاء من جنس العمل. فقوله تعالى: (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم) روى الترمذي عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) قال: «يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه ستون ذراعا، ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا، حتى يأتيهم فيقول أبشروا لكل منكم مثل هذا. قال: وأما الكافر فيسود وجهه، ويمد له في جسمه ستون ذرعا على صورة آدم، ويلبس تاجا فيراه أصحابه فيقولون نعوذ بالله من شر هذا! اللهم لا تأتنا بهذا، قال: فيأتيهم فيقولون اللهم أخره، فيقول أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هذا» (الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب). والكتاب يسمى إماما، لأنه يرجع إليه في تعرف أعمالهم، وقيل: بإمامهم أي بكتاب كل إنسان منهم الذي فيه عمله، وقيل: بإمامهم أي بالكتاب المنزل عليهم (فمن أوتي كتابه بيمينه) هذا يقوي قول من قال: (بإمامهم) بكتابهم (فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا) الفتيل: الخيط الذي في شق النواة. (ومن كان في هذه أعمى) يعني: في الدنيا عمي عن إبصار الحق (فهو في الآخرة أعمى) يعني: من كان في هذه النعم والآيات التي رأى أعمى فهو عن الآخرة التي لم يعاين أعمى وأضل سبيلا، وقيل: من عمي عن النعم التي أنعم الله بها عليه في الدنيا فهو عن نعم الآخرة أعمى، وقيل: من كان في الدنيا التي أمهل فيها وفسح له ووعد بقبول التوبة أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا، وقيل: من كان في الدنيا أعمى عن حجج الله بعثه الله يوم القيامة أعمى (وأضل سبيلا) يعني أنه لا يجد طريقا إلى الهداية.

1626

الآيات 73-75

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 73-75)

(73) و (74) و (75) قوله تعالى: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا. ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا. إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا). فيه تبيان لنوع من الهجمات التي يتعرض لها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على شكل صفقة يتم بموجبها تبديل بعض القرآن من قبله صلى الله عليه وسلم مقابل اتخاذه صاحبا وقائدا وزعيما من قبل المشركين. والله تعالى يمن على الرسول بالتثبيت على القرآن. ويحذره من العذاب في الدنيا والآخرة إذا رضي بصفقة التبديل. والخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة المسلمة وخاصة العلماء والدعاة والقائمين بأمر الدين إلى يوم القيامة، لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم عن التبديل. قال القرطبي في التفسير: «قال سعيد بن جبير ومجاهد بن جبر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود في طوافه، فمنعته قريش وقالوا: لا ندعك تستلم حتى تلم بآلهتنا، فحدث نفسه وقال: ما علي أن ألم بها بعد أن يدعوني أستلم الحجر والله يعلم أنى لها كاره، فأبى الله تعالى ذلك وأنزل عليه هذه الآية. وقال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في وفد ثقيف، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه شططا وقالوا: متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يُهدى لها، فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا، وحرم وادينا كما حرمت مكة، حتى تعرف العرب فضلنا عليهم، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك فنزلت هذه الآية. وقيل: هو قول أكابر قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد عنا هؤلاء السقاط والموالي حتى نجلس معك ونسمع منك، فهم بذلك حتى نهى عنه. وقال قتادة: ذكر لنا أن قريشا خلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويفخمونه، ويسودونه ويقاربونه، فقالوا: إنك تأتى بشيء لا يأتي به أحد من الناس، وأنت سيدنا وابن سيدنا، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، وأنزل الله تعالى هذه الآية». فقوله تعالى: (وإن كادوا ليفتنونك) أي يزيلونك، يقال: فتنت الرجل عن رأيه إذا أزلته عما كان عليه، وقيل: يصرفونك (عن الذي أوحينا إليك) أي حكم القرآن، لأن في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن (لتفتري علينا غيره) أي لتختلق علينا غير ما أوحينا إليك، وهو قول ثقيف: وحرم وادينا كما حرمت مكة، شجرها وطيرها ووحشها، فإن سألتك العرب لم خصصتهم فقل: الله أمرني بذلك حتى يكون عذرا لك (وإذا لاتخذوك خليلا) يعني: لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك خليلا بأن والوك وصافوك، مأخوذ من الخلة (بالضم) وهى الصداقة المتينة، وقيل: (لاتخذوك خليلا) يعني: فقيرا، مأخوذ من الخلة (بفتح الخاء) وهى الفقر لحاجته إليهم. (ولولا أن ثبتناك) أي على الحق وعصمناك من موافقتهم (لقد كدت تركن إليهم) أي تميل (شيئا قليلا) أي ركونا قليلا. قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم لا تكلني نفسي طرفة عين». وقيل: ظاهر الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وباطنه إخبار عن ثقيف، والمعنى: وإن كادوا ليخبرون عنك بأنك ملت إلى قولهم، فنسب فعلهم إليه مجازا واتساعا، كما تقول لرجل: كدت تقتل نفسك، أي كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت. وقيل: ما كان منه هم بالركون إليهم، بل المعنى: ولولا فضل الله عليك لكان منك ميل إلى موافقتهم، ولكن تم فضل الله عليك فلم تفعل، لأن (لولا) في اللغة حرف امتناع لوجود، يعني: امتنع الركون لوجود التثبيت، وهذا التفسير أليق بالنبوة. وقال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوما، ولكن هذا تعريف للأمة لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين في شيء من أحكام الله تعالى وشرائعه. (إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) أي لو ركنت لأذقناك مثلي عذاب الحياة في الدنيا ومثلي عذاب الممات في الآخرة، وهذا غاية الوعيد، لأنه لما كانت الدرجة أعلى كان العذاب عند المخالفة أعظم (ثم لا تجد لك علينا نصيرا).

1627