التفسير التربويالجزء 1 · ص 1628 - 1635

الآيات 76-77

الآيات 76-77

(76) و (77) قوله تعالى: (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا. سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا). فيه تبيان لنوع آخر من الهجمات التي يتعرض لها صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام، وهي الإخراج من أرضه وبلده والطرد من مكة المكرمة، ولكنه تعالى يتعهده بالحفظ والرعاية حيث يقول له: إنهم إن أخرجوك فسوف يحل بهم الهلاك ولن يكون لهم من الوقت ما يمكنهم من التنعم بطردك، وهذه سنة الله في الأمم التي أخرجت رسلها من بلدانها. فقوله تعالى: (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها) قال المفسرون: نزلت في أهل مكة حين هموا بإخراج رسول الله منها، ولو أخرجوه لما أمهلوا، وهو الصحيح لأن السورة مكية، ولأن ما قبلها خبر عن أهل مكة. (وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا) يعني: لو أخرجوه من أرضه لم يمهلوا. (سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا) أي يعذبون كسنة من قد أرسلنا (ولا تجد لسنتنا تحويلا) أي لا خلف في وعدها.

1628

الآيات 78-80

(78) و (79) و (80) قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا. ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا. وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا). وفي ظل هذه الهجمات التي يتعرض لها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من صفقة التبديل إلى محاولة الطرد، يتعهده الله تعالى بالتربية الإيمانية من خلال الصلاة في أوقاتها، وقراءة القرآن خاصة وقت الفجر، والتهجد الذي هو الصلاة بعد نوم في الليل، واللجوء إلى الله تعالى بالدعاء بصدق المدخل وصدق المخرج والسلطان النصير من الله تعالى. وهذا النوع من التربية الإيمانية يحتاجه كل مسلم خاصة الذين يمرون بالمحن والضغوط والمواجهات مع خصوم الإسلام وأولياء الشيطان. فقوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) لما ذكر مكايد المشركين أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالصبر والمحافظة على الصلاة، وفيها طلب النصر على الأعداء. وهذا الآية بإجماع المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة. ودلوك الشمس ميلها نحو الزوال وفيه إشارة إلى صلاة الظهر والعصر، وغسق الليل ظلمته وفيه إشارة إلى صلاة المغرب والعشاء (وقرآن الفجر) المعنى: وأقم قرآن الفجر يعني صلاة الصبح (إن قرآن الفجر كان مشهودا) يعني: تشهده الملائكة لأهميته. روى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) قال: «تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار» (قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح). قوله تعالى: (ومن الليل) أي من بعض الليل (فتهجد) أي قم فتهجد (به) أي بالقرآن، والتهجد التيقظ بعد رقدة، فصار اسما للصلاة لأنه ينتبه لها، فالتهجد القيام إلى الصلاة من النوم (نافلة لك) يعني: كرامة لك، وقيل: كانت صلاة الليل فريضة عليه لقوله: (نافلة لك) أي فريضة زائدة على الفريضة الموظفة على الأمة، وقيل: كانت صلاة الليل تطوعا منه وكانت في الابتداء واجبة على الكل، ثم نسخ الوجوب فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة، وعلى هذا يكون الأمر بالتنفل على جهة الندب ويكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه مغفور له (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) وهو الشفاعة للناس يوم القيامة. روى الترمذي عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) لما سئل عنها؟ قال: «هي الشفاعة» (قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح). قوله تعالى: (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق) قيل: المعنى أمتني إماتة صدق، وابعثني يوم القيامة مبعث صدق، ليتصل بقوله: (عسى أن يبعثك ربك مقام محمودا)، كأنه لما وعده ذلك أمره أن يدعو لينجز له الوعد. وقيل: أدخلني في المأمور وأخرجني من المنهي، وقيل: علمه ما يدعو به في صلاته وغيرها من إخراجه من بين المشركين وإدخاله موضع الأمن، فأخرجه من مكة وصيره إلى المدينة، وقيل: هو خروجه من مكة ودخوله مكة يوم الفتح آمنا، وقيل: أدخلني حيثما أدخلتني بالصدق وأخرجني بالصدق، أي لا تجعلني ممن يدخل بوجه ويخرج بوجه، فإن ذا الوجهين لا يكون وجيها عندك، وقيل: الآية عامة في كل ما يتناول من الأمور والأسفار والأعمال (واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) يعني: حجة ثابتة، وقيل: السلطان النصير هو العز والنصر وإظهار الدين، فوعده الله لينزعن ملك فارس والروم وغيرها فيجعله له.

1629

الآية 81

(81) قوله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا). فيه تبشير للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بظهور الحق واندحار الباطل، كما فيه تربية له على الجهر بهذه البشرى: شروق الحق وغروب الباطل لأنها سنة الله في الصراع بين الحق والباطل. روى البخاري والترمذي عن ابن مسعود قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يطعنها بمخصرة (عود) في يده ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)، (جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد)) (البخاري والترمذي). فقوله تعالى: (وقل جاء الحق) أي الإسلام والقرآن (وزهق الباطل) أي الشرك والشيطان والأوثان (إن الباطل كان زهوقا) أي لا بقاء له والحق الذي يثبت.

1630

الآية 82

(82) قوله تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا). فيه بيان لصفة القرآن وأنه شفاء ورحمة لمن آمن به، وأن الظالمين لا ينتفعون به بل يزدادون خسارة، وهذا كما ورد في وصف القرآن أن الله يرفع به أقواما ويضع به أقواما، فمن آمن ارتفع بالقرآن، ومن كفر وظلم نزلت منزلته بسبب رفضه للقرآن، وهذا لا يمنع من كون القرآن كتاب هداية للناس جميعا وإنما ينتفع به من آمن ويخسر به من كفر. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما، ويضع به آخرين» (مسلم). فقوله تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء) يعني: أنه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وإزالة الريب، وكشف غطاء القلب من مرض الجهل لفهم المعجزات والأمور الدالة على الله تعالى، وقيل: شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقى والتعوذ ونحوه (ورحمة للمؤمنين) في تفريج الكروب وتطهير العيوب وتكفير الذنوب مع ما تفضل به تعالى من الثواب في تلاوته (ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) يعني: نقصانا لتكذيبهم بالقرآن.

1631

الآية 83

(83) قوله تعالى (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا). فيه بيان لطبيعة النفس البشرية اللئيمة التي إن أكرمتها تمردت وإن أهنتها يئست وربما بدأت تعود إلى رشدها، وعكس ذلك النفس البشرية الكريمة التي إن أكرمتها أطاعت وإن أهنتها عاشت الأمل في الإكرام والطاعة. فقوله تعالى: (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه) أي هؤلاء الذين يزيدهم القرآن خسارا صفتهم الإعراض عن تدبر آيات الله والكفران لنعمه، ومعنى (نأى بجانبه) تكبر وتباعد (وإذا مسه الشر كان يئوسا) أي إذا ناله شدة من فقر أو سقم أو بؤس يئس وقنط لأنه لا يثق بفضل الله تعالى.

1632

الآية 84

(84) قوله تعالى: (قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا). فيه تفويض علم الهداية إلى الله تعالى، وهذا التفويض يحمل معنى الترغيب والترهيب وليس تفويضا من غير علم، فمن الناس من يعمل عمل المؤمنين ومن الناس من يعمل عمل الكافرين والحساب على الله تعالى. فقوله تعالى: (قل كل يعمل على شاكلته) يعني: قل كل يعمل على ما هو أشكل عنده وأولى بالصواب في اعتقاده، والشاكلة: الناحية، والطبيعة، والدين، والنية، والجبلة، وقيل: هو مأخوذ من الشكل، يقال: لست على شكلي ولا شاكلتي، والمعنى: أن كل أحد يعمل على ما يشاكل أصله وأخلاقه التي ألفها، وهذا ذم للكافر ومدح للمؤمن (فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا) أي بالمؤمن والكافر وما سيحصل من كل واحد منهم، وقيل: (أهدى سبيلا) أي أسرع قبولا، وقيل: أحسن دينا. قال القرطبي في التفسير: ((روي أن الصحابة رضوان الله عليهم تذاكروا القرآن فقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه: قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر فيه آية أرجى وأحسن من قوله تبارك وتعالى: (قل كل يعمل على شاكلته) فإنه لا يشاكل بالعبد إلا العصيان ولا يشاكل بالرب إلا الغفران. وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أرى فيه آية أرجى وأحسن من قوله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم. حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم. غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول) قدم غفران الذنوب على قبول التوبة، وفى هذا إشارة للمؤمنين. وقال عثمان بن عفان رضى الله عنه: قرأت جميع القرآن من أوله إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى: (نبئ عبادي أنى أنا الغفور الرحيم). وقال على بن أبي طالب رضى الله عنه: قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم). قلت: وقرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)).

1633

الآية 85

(85) قوله تعالى: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا). فيه تربية على أن علم الروح من العلوم التي اختص الله تعالى بها نفسه فلم يُعلمها لأحد من خلقه، ومثلها وقت قيام الساعة، ولو كان في علم الروح مزيد فائدة للناس في أمر هدايتهم لأعلمهم الله إياه، ولكن لا فائدة لهم فيه، فلما سألوا عن الروح رد الله أمرها إليه. روى البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله قال: بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث وهو متكئ على عسيب إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح. فقال: ما رابكم إليه ؟ وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه. فقالوا: سلوه. فسألوه عن الروح؟ فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: (ويسألونك عن الروح؟ قل الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)) (واللفظ للبخاري). قال القرطبي في التفسير: ((وقد اختلف الناس في الروح المسئول عنه، أي الروح هو؟ فقيل: هو جبريل، قاله قتادة. قال: وكان ابن عباس يكتمه. وقيل هو عيسى. وقيل القرآن. وقال علي بن أبي طالب: هو ملك من الملائكة عظيم الخلقة. وذهب أكثر أهل التأويل إلى أنهم سألوه عن الروح الذي يكون به حياة الجسد. وقال أهل النظر منهم: إنما سألوه عن كيفية الروح ومسلكه في بدن الإنسان، وكيف امتزاجه بالجسم واتصال الحياة به، وهذا شيء لا يعلمه إلا الله عز وجل. وقال أبو صالح: الروح خلق كخلق بني آدم وليسوا ببني آدم، لهم أيد وأرجل. والصحيح الإبهام لقوله: (قل الروح من أمر ربي) دليل على خلق الروح أي هو أمر عظيم وشأن كبير من أمر الله تعالى، مبهما له وتاركا تفصيله، ليعرف الإنسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها. وإذا كان الإنسان في معرفة نفسه هكذا كان بعجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى. وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له، دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز)). وقوله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) المراد به العالم كله.

1634

الآيات 86-87

(86) و (87) قوله تعالى: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا. إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا). فيه تربية على أنه تعالى أنزل القرآن لهداية الناس، وهذا رحمة منه تعالى، ولو شاء لطالبهم بالهداية وحاسبهم عليها دون نزول القرآن بل بناء على ما وهبهم الله إياه من العقل، وعندها يصعب عليهم أمر الهداية والتشريع، وليس لهم على الله حق في إنزال الكتب أو بعثة الرسل. فقوله تعالى: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك) يعني: القرآن، أي كما قدرنا على إنزاله نقدر على إذهابه حتى ينساه الخلق، ويتصل هذا بقوله: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) أي ولو شئت أن أذهب بذلك القليل لقدرت عليه (ثم لا تجد لك به علينا وكيلا) أي ناصرا يرده عليك. (إلا رحمة من ربك) يعنى لكن لا نشاء ذلك رحمة من ربك، وقيل: إلا أن يرحمك ربك فلا يذهب به (إن فضله كان عليك كبيرا) إذ جعلك سيد ولد آدم، وأعطاك المقام المحمود وهذا الكتاب العزيز.

1635