التفسير التربويالجزء 1 · ص 2358 - 2365

الآيات 36-38

الآيات 36-38

(36) و (37) و (38) قوله تعالى: (والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور. وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير. إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور). وفي هذه الآيات تحذير من الكفر والتكذيب من خلال بيان ما يؤول إليه حال الكافرين يوم القيامة حيث يدخلون النار ويخلدون فيها خلودا لا ينقطع بالموت ولا يقل بالتخفيف من العذاب الحسي والمعنوي. ومن العذاب المعنوي هناك هو طلب الرجعة إلى الدنيا من أجل التوبة والعمل الصالح ولكن هذا الطلب يُرد بمزيد من العذاب والعقوبة لأنهم يطلبون بعد انقضاء وقت الطلب وهو الحياة الدنيا. ومن هنا فإن الله تعالى يوجه رسالة للناس من الآن: من يريد أن يطلب الرجعة في الآخرة فليطلبها الآن لأن الدنيا وقت الإجابة والآخرة وقت رد الإجابة ورفض الطلب. فقوله تعالى: (والذين كفروا لهم نار جهنم) لما ذكر أهل الجنة وأحوالهم ومقالتهم، ذكر أهل النار وأحوالهم ومقالتهم (لا يقضى عليهم فيموتوا) مثل قوله: (لا يموت فيها ولا يحيا) (الأعلى: 13)، (ولا يخفف عنهم من عذابها) مثل قوله: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب) (النساء: 56)، (كذلك نجزي كل كفور) يعني: كافر بالله ورسوله. (وهم يصطرخون فيها) يعني: يستغيثون في النار بالصوت العالي، والصراخ: الصوت العالي (ربنا أخرجنا) يعني: يقولون ربنا أخرجنا من جهنم وردنا إلى الدنيا (نعمل صالحا) من الإيمان (غير الذي كنا نعمل) من الشرك، يعني: نؤمن بدل الكفر، ونطيع بدل المعصية، ونمتثل أمر الرسل (أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير) هذا جواب دعائهم، والمعنى: فيقال لهم ذلك. قال القرطبي: ((ترجم البخاري: (باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر لقوله عز وجل (أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير) يعني: الشيب) حدثنا عبد السلام بن مطهر قال حدثنا عمر بن علي قال حدثنا معن بن محمد الغفاري عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة). قال الخطابي: (أعذر إليه) أي بلغ به أقصى العذر، ومنه قولهم: قد أعذر من أنذر، أي أقام عذر نفسه في تقديم نذارته. والمعنى: أن من عمره الله ستين سنة لم يبق له عذر، لأن الستين قريب من معترك المنايا، وهو سن الإنابة والخشوع وترقب المنية ولقاء الله تعالى، ففيه إعذار بعد إعذار، الأول بالنبي صلى الله عليه وسلم، والموتان في الأربعين والستين. قال علي وابن عباس وأبو هريرة في تأويل قوله تعالى: (أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر) إنه ستون سنة. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في موعظته: (ولقد أبلغ في الإعذار من تقدم في الإنذار وإنه لينادي مناد من قبل الله تعالى أبناء الستين: أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير). وخرج ابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من تجاوز ذلك)). وقوله تعالى: (وجاءكم النذير) قيل: القرآن، وقيل: الرسول، وقيل: هو الشيب، وقيل: موت الأهل والأقارب، والنذير بمعنى الإنذار (فذوقوا) يعني: عذاب جهنم، لأنكم ما اعتبرتم ولا اتعظتم (فما للظالمين من نصير) يعني: مانع من عذاب الله. (إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور) ترغيب وترهيب، لأن الله تعالى لا يخفى عليه غيب السماوات والأرض فلا يخفى عليه ما تكنه الصدور من الرغبة في الخير أو الرغبة في الشر.

2358

الآية 39

(39) قوله تعالى: (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا). فيه تقرير من الله تعالى وقطع لحجة الكافرين في التمكين والإمهال وطلب الرجعة مدة يمكن فيها العلم والعمل من خلال القول بأن ذلك قد حصل بمجرد وجودهم في الدنيا لأنهم وجدوا على سبيل الاستخلاف فيها يخلف بعضهم بعضا. فقوله تعالى: (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض) يعني: خلفا بعد خلف، وقرنا بعد قرن، والخلف هو التالي للمتقدم، ولذلك قيل لأبي بكر: يا خليفة الله، فقال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا راض بذلك (فمن كفر فعليه كفره) يعني: جزاء كفره وهو العقاب والعذاب (ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا) يعني: بغضا وغضبا (ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا) يعني: هلاكا وضلالا.

2359

الآية 40

(40) قوله تعالى: (قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا). فيه تربية على إبطال الشرك بالحجة والبيان والفصل الذي يقوم على العقل الصريح والنقل الصحيح. فالعقل الصريح يرفض الإقرار بالإلهية والعبودية إلا لمن كان خالقا أو مشاركا في الخلق، وهذه المعبودات من دون الله تعالى ليس لها خلق تستقل به ولا خلق تشترك به مع الله تعالى، فعبادتها باطلة وصفة الإلهية عنها زائلة. وهؤلاء العابدين لها من دون الله لا يملكون كتابا نزل من عند الله على أحد من البشر بإلهيتها أو عبادتها، ولو كانوا يملكون مثل ذلك الكتاب لأظهروه للناس، فتبين بذلك بطلان الشرك من جهة النقل لعدم وجود المستند. فقوله تعالى: (قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله) يعني: أخبروني عن شركائكم الذي تدعون من دون الله (أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات) يعني: أعبدتموهم لان لهم شركة في خلق الأرض، أم خلقوا من السماء شيئا (أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه) يعني: أم عندهم كتاب أنزلناه إليهم بالشركة، وفي هذا رد على من عبد غير الله عز وجل، لأنهم لا يجدون في كتاب من الكتب أن الله عز وجل أمر أن يُعبد غيره (بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا) يعني: أباطيل خادعة، ومنها قول السادة للعامة: إن هذه الآلهة تنفعكم وتقربكم. وقيل: إن الشيطان يعد المشركين بذلك.

2360

الآية 41

(41) قوله تعالى: (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا). وفي هذه الآية تربية على إثبات الإلهية والعبادة لله تعالى بعد إبطال الإلهية والعبادة لغيره في الآية السابقة، وذلك من خلال البيان بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض وهو قائم بأمرهما حفظا وتدبيرا وتصريفا، فهو الخالق الحي القيوم. فقوله تعالى: (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا) لما بين أن آلهتهم لا تقدر على خلق شئ من السماوات والأرض بين أن خالقهما وممسكهما هو الله، فلا يوجد حادث إلا بإيجاده، ولا يبقى إلا ببقائه (ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده) يعني: ولو زالتا ما أمسكهما من أحد. وقيل: المراد زوالهما يوم القيامة (إنه كان حليما) يعني: لا يعجل بعقوبة من يقول بإلهية غير الله (غفورا) للمشركين إن تابوا قبل الموت.

2361

الآية 42

(42) قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا). لما بين الله تعالى في الآيات السابقة إنكارهم للتوحيد، ذكر هنا تكذيبهم للرسل وخبثهم في هذا التكذيب حيث إنهم كانوا يقسمون على أنهم لا يكذبون الرسل إذا تبين لهم كونهم رسلا، وقالوا: إنما نكذب بمحمد لكونه كاذبا، ولو تبين لنا كونه رسولا لآمنا به، وهذا مبالغة منهم في التكذيب. لأنه لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم وصحت نبوته بالمعجزة ما زادهم إلا نفورا، فإنهم قبل الرسالة كانوا كافرين بالله وبعدها صاروا كافرين بالله ورسوله. فقوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير) هم قريش أقسموا قبل أن يبعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، حين بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم، فلعنوا من كذب نبيه منهم، وأقسموا بالله جل اسمه (لئن جاءهم نذير) يعني: نبي (ليكونن أهدى من إحدى الأمم) يعني: ممن كذب الرسل من أهل الكتاب (فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا) وكانت العرب تتمنى أن يكون منهم رسول كما كانت الرسل من بني إسرائيل، فلما جاءهم ما تمنوه وهو النذير من أنفسهم نفروا عنه ولم يؤمنوا به.

2362

الآية 43

(43) قوله تعالى: (استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا). فيه بيان لأسباب كفر من كفر من العرب بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهي الكبر عليه حيث كانوا لا يرون أنه أفضل منهم ويرون لأنفسهم الفضل عليه. وأما السبب الثاني فهو المكر السيئ الذي ذكرته الآية السابقة وهي قولهم أنهم لا يكذبون بالرسالة وإنما لم تثبت لهم صفة الرسالة على محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا التذاكي على الله لا يضر إلا صاحبه وأهله. وفيه ترهيب من الكفر والتكذيب من خلال التذكير بسنة الله تعالى في الأمم وهي الاستئصال والدمار للمكذبين الضالين والنجاة للرسل والمؤمنين. فقوله تعالى: (استكبارا) يعني: عتوا عن الإيمان (ومكر السيئ) يعني: ومكر العمل السيئ وهو الكفر، وخداع الضعفاء، والصد عن الإيمان ليكثر أتباعهم (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) يعني: لا ينزل عاقبة الشرك إلا بمن أشرك، ومعنى يحيق أي يحيط، والحوق: الإحاطة، يقال: حاق به كذا أي أحاط به. قال كعب الأحبار لابن عباس: إني أجد في التوراة: من حفر لأخيه حفرة وقع فيها، فقال ابن عباس: فإني أجد في القرآن ذلك، قال: وأين؟ قال: فاقرأ: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله). ومن أمثال العرب: من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا (فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) يعني: أجرى الله العذاب على الكفار، وجعل ذلك سنة فيهم، فهو يعذب بمثله من استحقه، لا يقدر أحد أن يبدل ذلك، ولا أن يحول العذاب عن نفسه إلى غيره.

2363

الآية 44

(44) قوله تعالى: (أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا). فيه دعوة إلى الإيمان من خلال السير في الأرض والنظر في عاقبة المكذبين للرسل، فقد كانوا جبارين وعمالقة ويدل على ذلك آثارهم، ومع ذلك لم يفلتوا من العقاب لما جاءهم، وصاروا آثارا تزار وتدرس وتجرى عليها البحوث وتوضع في المتاحف. فقوله تعالى: (أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) يعني: أو لم يروا ما أنزلنا بعاد وثمود ومدين وأمثالهم لما كذبوا الرسل، فتدبروا ذلك بالنظر إلى مساكنهم ودورهم، وبالسمع المتواتر بما حل بهم، ففيه عبرة وبيان (وكانوا أشد منهم قوة) يعني: ليسوا خيرا من أولئك ولا أقوى، بل كان أولئك أقوى (وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض) يعني: إذا أراد إنزال عذاب بقوم لم يعجزه ذلك (إنه كان عليما) بأفعالهم وأقوالهم (قديرا) على إهلاكهم واستئصالهم.

2364

الآية 45

(45) قوله تعالى: (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا). فيه تربية وبيان للحلم الإلهي والحكمة الإلهية حيث لا يعجل بعذاب الناس وإن استعجلوا بالعذاب أو شنعوا في الكفر والأذية، وإنما يعطيهم الفرصة الكاملة للامتحان والابتلاء ثم بعد ذلك يكون الحساب. وهذا من العدل الإلهي حيث جعل الدنيا دار ابتلاء ولا حساب، وجعل الآخرة دار حساب ولا ابتلاء. فقوله تعالى: (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا) يعني: من الذنوب (ما ترك على ظهرها من دابة) يعني: جميع الحيوان مما دب ودرج، وقيل: الجن والإنس دون غيرهما لأنهما مكلفان بالعقل، وقيل: المراد بالدابة هنا الناس وحدهم دون غيرهم (ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) قيل: الأجل المسمى هو ما وعدهم في اللوح المحفوظ، وقيل: هو يوم القيامة (فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده) يعني: بمن يستحق العقاب ومن يستحق الثواب (بصيرا). والحمد لله رب العالمين.

2365