التفسير التربويالجزء 1 · ص 2366 - 2373

التفسير التربوي لسورة يس

التفسير التربوي لسورة يس

قال القرطبي في التفسير: ((سورة يس: وهى مكية بإجماع. وهي ثلاث وثمانون آية، إلا أن فرقة قالت: إن قوله تعالى: (ونكتب ما قدموا وآثارهم) (يس: 12) نزلت في بنى سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم، وينتقلوا إلى جوار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. وفى كتاب أبي داود عن معقل بن يسار قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واقرأوا يس على موتاكم). وذكر الآجري من حديث أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ميت يقرأ عليه سورة يس إلا هون الله عليه). وفي مسند الدارمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ سورة يس في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له في تلك الليلة) وخرجه أبو نعيم الحافظ أيضا. وروى الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات) قال: هذا حديث غريب، وفي إسناده شيخ مجهول. وفي مسند الدارمي عن شهر بن حوشب قال: قال ابن عباس: (من قرأ يس حين يصبح أعطي يسر يومه حتى يمسي، ومن قرأها في صدر ليلته أعطي يسر ليلته حتى يصبح)).

وقال السيوطي في الدر المنثور: ((أخرج ابن مردويه من طريق ابن عباس قال: (يس) محمد صلى الله عليه وسلم. وفي لفظ قال: يا محمد. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن محمد بن الحنفية في قوله (يس) قال: يا محمد. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله (يس) قال: يا إنسان)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((هذه السورة المكية ذات فواصل قصيرة، وإيقاعات سريعة، ومن ثم جاء عدد آياتها ثلاثا وثمانين، بينما هي أصغر وأقصر من سابقتها سورة فاطر وعدد آياتها خمس وأربعون. وقصر الفواصل مع سرعة الإيقاع يطبع السورة بطابع خاص، فتتلاحق إيقاعاتها، وتدق على الحس دقات متوالية، يعمل على مضاعفة أثرها ما تحمله معها من الصور والظلال التي تخلعها المشاهد المتتابعة من بدء السورة إلى نهايتها، وهي متنوعة وموحية وعميقة الآثار. والموضوعات الرئيسية للسورة هي موضوعات السور المكية. وهدفها الأول هو بناء أسس العقيدة. فهي تتعرض لطبيعة الوحي وصدق الرسالة منذ افتتاحها. وتسوق قصة أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون ، لتحذر من عاقبة التكذيب بالوحي والرسالة، وتعرض هذه العاقبة في القصة على طريقة القرآن في استخدام القصص لتدعيم قضاياه. وقرب نهاية السورة تعود إلى الموضوع ذاته: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين. لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين). كذلك تتعرض السورة لقضية الألوهية والوحدانية، فيجيء استنكار الشرك على لسان الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة ليحاج قومه في شأن المرسلين. والقضية التي يشتد عليها التركيز في السورة هي قضية البعث والنشور، وهي تتردد في مواضع كثيرة في السورة. وهذه القضايا المتعلقة ببناء العقيدة من أساسها، تتكرر في السور المكية. ولكنها تعرض في كل مرة من زاوية معينة، تحت ضوء معين، مصحوبة بمؤثرات تناسب جوها، وتتناسق مع إيقاعها وصورها وظلالها. هذه المؤثرات منتزعة في هذه السورة من مشاهد القيامة بصفة خاصة ومن مشاهد القصة ومواقفها وحوارها، ومن مصارع الغابرين على مدار القرون، ثم من المشاهد الكونية الكثيرة المتنوعة الموحية)).

2366

الآيات 1-7

قوله تعالى: ﴿يس وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُون﴾ (يس: 1-7)

(1ـ 5) قوله تعالى: (يس. والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين. على صراط مستقيم. تنزيل العزيز الرحيم). فيه تربية بالنداء وما يحمله هذا النداء من التنبيه والتحذير، فمع أن الياء والسين هما من الأحرف الأبجدية التي ذكرت في مطلع بعض السور للتنبيه إلى إعجاز القرآن فإن الذي يتسق مع السياق هنا يجعلنا نقول: إن الياء أداة نداء، والسين اختصار لكلمة إنسان، والمراد محمد صلى الله عليه وسلم. وفيه تربية بالقسم من الله تعالى بكلامه القرآن على نبوة ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم، والقسم يحمل معنى التأكيد والتوكيد ونفي الشك والظن. ولله تعالى أن يقسم بذاته أو بأسمائه أو بصفاته أو بمخلوقاته ولكن ليس للإنسان أن يقسم إلا بالله تعالى لأن القسم للتعظيم، وليس للإنسان أن يعظم إلا الله بذاته أو بأسمائه أو بصفاته. وفيه تربية على الاستقامة في الحياة من خلال وصف الرسالة بالاستقامة لأن الله تعالى أنزل الرسالة لتتبع ويعمل الناس بها. وفيه ترهيب وترغيب من خلال التذكير بصفة الله تعالى (العزيز) للترهيب (الرحيم) للترغيب. فقوله تعالى: (يس) إن كان تفسيرها: يا إنسان أو يا رجل أو يا محمد فالأولى بها الضم. وإن كان هو افتتاح للسورة أو اسم للسورة فالأولى الوقف عليها. وقيل: هو اسم من أسماء محمد صلى الله عليه وسلم، ودليله (إنك لمن المرسلين). وقال بعض العلماء: افتتح الله هذه السورة بالياء والسين وفيهما مجمع الخير: ودل المفتتح على أنه قلب، والقلب أمير على الجسد، وكذلك (يس) أمير على سائر السور، مشتمل على جميع القرآن. قال القرطبي: ((وقد سرد القاضي عياض أقوال المفسرين في معنى " يس " فحكى أبو محمد مكي أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لي عند ربي عشرة أسماء) ذكر أن منها (طه ويس) اسمان له. قلت: وذكر الماوردي عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله تعالى أسماني في القرآن سبعة أسماء محمد وأحمد وطه ويس والمزمل والمدثر وعبد الله) قاله القاضي. وحكى أبو عبد الرحمن السلمي عن جعفر الصادق أنه أراد يا سيد، مخاطبة لنبيه صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عباس: (يس) يا إنسان أراد محمدا صلى الله عليه وسلم. وقال الزجاج: قيل معناه: يا محمد، وقيل: يا رجل، وقيل: يا إنسان. وعن ابن الحنفية: (يس) يا محمد. فإن قدر أنه من أسمائه صلى الله عليه وسلم، وصح فيه أنه قسم كان فيه من التعظيم ما تقدم، مؤ كد فيه القسم عطف القسم الآخر عليه. وإن كان بمعنى النداء فقد جاء قسم آخر بعده لتحقيق رسالته والشهادة بهدايته. أقسم الله تعالى باسمه وكتابه أنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده، وعلى صراط مستقيم من إيمانه، أي طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق. قال النقاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له، وفيه من تعظيمه وتمجيده على تأويل من قال إنه يا سيد ما فيه، وقد قال عليه السلام: (أنا سيد ولد آدم) انتهى كلامه. وحكى القشيري قال ابن عباس: قالت كفار قريش لست مرسلا وما أرسلك الله إلينا، فأقسم الله بالقرآن المحكم أن محمدا من المرسلين)). وقوله: (والقرآن والحكيم) يعني: المحكم حتى لا يتعرض لبطلان وتناقض، كما قال: (أحكمت آياته) وكذلك أحكم في نظمه ومعانيه فلا يلحقه خلل. (إنك لمن المرسلين) يعني: من الأنبياء الذين نبأهم الله تعالى ثم أرسلهم الله للناس. (على صراط مستقيم) يعني: دين مستقيم وهو الإسلام. وقيل: على طريق الأنبياء الذين تقدموك. وقيل: المعنى لمن المرسلين على استقامة. (تنزيل) والتنزيل: الإرسال، ومحمد صلى الله عليه وسلم رحمة الله أنزلها من السماء، وكذلك القرآن (العزيز) المنتقم ممن خالفه (الرحيم) بأهل طاعته.

2367

(6) و (7) قوله تعالى: (لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون. لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون). فيه تربية على سنة من سنن الله تعالى في عالم الإنس والجن وهي أنه لم يترك قوما من دون رسول ينذرهم، وأنه تعالى أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل لينذر قومه، فشمل العرب بعنايته ورحمته وشرّفهم بآخر الرسالات. وفيه تربية على أن الإنذار واجب وإن كانت الأكثرية لا تؤمن، فالإنذار لقطع العذر، وكما قيل: أعذر من أنذر. فقوله تعالى: (لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم) يعني: لتنذر قوما ما أتى آباءهم قبلك نذير، وقيل: لتنذرهم مثل ما أنذر آباؤهم، وقيل: يجوز أن تكون العرب قد بلغتهم بالتواتر أخبار الأنبياء، فالمعنى لم ينذروا برسول من أنفسهم، ويجوز أن يكون بلغهم الخبر ولكن غفلوا وأعرضوا ونسوا، ويجوز أن يكون هذا خطابا لقوم لم يبلغهم خبر نبي (فهم غافلون) يعني: عن عقاب الله، وعلى قول من قال بلغهم خبر الأنبياء، فالمعنى فهم معرضون الآن متغافلون عن ذلك. (لقد حق القول على أكثرهم) يعني: وجب العذاب على أكثرهم (فهم لا يؤمنون) يعني: بإنذارك. وهذا فيمن سبق في علم الله أنه يموت على كفره.

2368

الآيات 8-9

(8) و (9) قوله تعالى: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون. وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون). فيه تربية على أن الحرية في الإيمان بالله والعبودية في ترك، فالكافرون مقيدة أيديهم إلى أعناقهم، وهم كذلك فاقدون للبصر كمن يعيش في زنزانة أو بين سدين. ومن هنا نقول: إنه لا حرية للإنسان إلا بالإيمان، لأن الإيمان في جوهره هو الخروج من كل عبودية (لا إله) إلى العبودية لله تعالى (إلا الله)، ومن يرفض العبودية لله تعالى يعيش في العبودية لغيره سواء في عالم الجماد أم في عالم الحياة أم في عالم النفس والذات كالعبودية للمال والسلطان والنساء واللباس، وفي الحديث: «تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة والقطيفة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط» (البخاري). فقوله تعالى: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا) قال ابن عباس: نزلت في أبي جهل ابن هشام وصاحبيه المخزوميين، وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه بحجر، فلما رآه ذهب فرفع حجرا ليرميه، فلما أومأ إليه رجعت يده إلى عنقه، والتصق الحجر بيده، فلما عاد إلى أصحابه أخبرهم بما رأى. فقال الرجل الثاني وهو الوليد بن المغيرة: أنا أرضخ رأسه، فأتاه وهو يصلي على حالته ليرميه بالحجر فأعمى الله بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقال: والله ما رأيته ولقد سمعت صوته. فقال الثالث: والله لأشدخن أنا رأسه، ثم أخذ الحجر وانطلق فرجع القهقرى ينكص على عقبيه حتى خر على قفاه مغشيا عليه. فقيل له: ما شأنك؟ قال: شأني عظيم، رأيت الرجل فلما دنوت منه، وإذا فحل يخطر بذنبه ما رأيت فحلا قط أعظم منه حال بيني وبينه، فواللات والعزى لو دنوت منه لأكلني. فأنزل الله تعالى: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون). وفي الكلام حذف على قراءة الجماعة، والتقدير: إنا جعلنا في أعناقهم وفي أيديهم أغلالا فهي إلى الأذقان، فهي كناية عن الأيدي لا عن الأعناق، والعرب تحذف مثل هذا، ونظيره: (سرابيل تقيكم الحر) (النحل: 81) وتقديره: وسرابيل تقيكم البرد فحذف، لأن ما وقى من الحر وقى من البرد، ولأن الغل إذا كان في العنق فلا بد أن يكون في اليد، ولا سيما وقد قال الله عز وجل: (فهي إلى الأذقان) فقد علم أنه يراد به الأيدي. (فهم مقمحون) يعني: رافعو رؤوسهم لا يستطيعون الإطراق، لأن من غلت يده إلى ذقنه ارتفع رأسه. وقد روى عبد الله بن يحيى: أن علي بن أبي طالب عليه السلام أراهم الإقماح، فجعل يديه تحت لحيته وألصقهما ورفع رأسه. وقيل: هو مثل ضربه الله تعالى لهم في امتناعهم من الهدى كامتناع المغلول، وكما يقال: فلان حمار، أي لا يبصر الهدى. وقيل: الآية إشارة إلى ما يفعل بأقوام غدا في النار من وضع الأغلال في أعناقهم والسلاسل، كما قال تعالى: (إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل) (غافر: 71) وأخبر عنه بلفظ الماضي. وقوله: (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا) قال محمد بن إسحاق: جلس عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل وأمية بن خلف، يرصدون النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغوا من أذاه، فخرج عليهم عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ (يس) وفي يد ه تراب فرماهم به وقرأ: (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا) فأطرقوا حتى مر عليهم ولم يروه. وقيل: هو مثل والمعنى: وجعلنا مانعا من رؤية الهداية (فأغشيناهم) يعني: غطينا أبصارهم (فهم لا يبصرون) يعني: الهدى. وقيل: (وجعلنا من بين أيديهم سدا) أي غرورا في الدنيا (ومن خلفهم سدا) أي تكذيبا بالآخرة، فعموا عن قبول الشرائع في الدنيا، وعموا عن البعث.

2369

الآيات 10-11

(10) و (11) قوله تعالى: (وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون. إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم). فيه تسلية وعزاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن هناك فئة من الناس لا تؤمن ولن تؤمن ولن ينفع معها الإنذار ولا التبشير، ومع ذلك فإنذارها واجب وتبليغها فريضة وحسابها على الله تعالى. وبالمقابل فإن فئة من الناس تستفيد من الإنذار فتتبع القرآن وتخشى الرحمن، وهذه الفئة لها البشرى بغفران الذنوب والأجر الكبير في الآخرة. فقوله تعالى: (وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) يعني: الإنذار وعدمه سيان بالنسبة إلى الإيمان منهم إذ لا وجود له منهم على التقديرين. فإن قيل إذا كان الإنذار وعدمه سواء فلماذا الإنذار؟ نقول: إنه تعالى قال: (وسواء عليهم) وما قال: وسواء عليك، فالإنذار بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليس كعدم الإنذار، لأن الإنذار مخرج له عن العهدة وسبب في زيادة سيادته عاجلا وسعادته آجلا. (إنما تنذر من اتبع الذكر) يعني: عمل بالقرآن (وخشي الرحمن بالغيب) يعني: ما غاب من عذابه وناره، وقيل: يخشاه في مغيبه عن أبصار الناس وانفراده بنفسه (فبشره بمغفرة) يعني: لذنبه (وأجر كريم) يعني: الجنة.

2370

الآية 12

(12) قوله تعالى: (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين). فيه ترغيب بالعمل الصالح وكذلك بالأثر الصالح وهو ما يُقتدى به الإنسان في حياته وبعد موته، ومن الأثر الصالح: الصدقة الجارية، والعلم النافع، والذرية الصالحة، وقمة الترغيب في الأثر الصالح هي البيان الإلهي بأنه تعالى يكتب للإنسان كل صغيرة وكبيرة ويحصيها له في سجل الأعمال ليثيبه عليها يوم القيامة. فقوله تعالى: (إنا نحن نحيى الموتى) يعني: نحييهم بالبعث للجزاء، وقيل: نحييهم بالإيمان بعد الجهل (ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) ثم توعدهم بذكره كتب الأعمال وكتب الآثار وإحصاء كل ما يصنعه الإنسان. فآثار المرء التي تبقى وتذكر بعد الإنسان من خير أو شر يجازى عليها، فالأثر حسن كعلم علموه، أو كتاب صنفوه، أو حبيس احتبسوه، أو بناء بنوه من مسجد أو رباط أو قنطرة أو نحو ذلك، والأثر السيئ كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين، وسكة أحدثها فيها تخسيرهم، أو شئ أحدثه فيه صد عن ذكر الله من ألحان وملاه، وكذلك كل سنة حسنة، أو سيئة يستن بها. وقيل: هي آثار المشي إلى المساجد. قال القرطبي: ((وعن ابن عباس أن معنى: (وآثارهم) خطاهم إلى المساجد. قال النحاس: وهذا أولى ما قيل فيه، لأنه قال: إن الآية نزلت في ذلك، لأن الأنصار كانت منازلهم بعيدة عن المسجد. وفي الحديث مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يكتب له برجل حسنة وتحط عنه برجل سيئة ذاهبا وراجعا إذ خرج إلى المسجد). قلت: وفي الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: كانت بنو سلمة في ناحية المدينة فأردوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية: (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن آثاركم تكتب) فلم ينتقلوا. قال: هذا حديث حسن غريب من حديث الثوري. وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، قال: والبقاع خالية، قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم) فقالوا: ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا. وقال ثابت البناني: مشيت مع أنس بن مالك إلى الصلاة فأسرعت، فحبسني فلما انقضت الصلاة قال: مشيت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأسرعت، فحبسني فلما انقضت الصلاة قال: (أما علمت أن الآثار تكتب) فهذا احتجاج بالآية. وقال قتادة ومجاهد أيضا والحسن: الآثار في هذه الآية الخطا)).

2371

الآيات 13-14

(13) و (14) قوله تعالى: (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون. إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون). فيه تربية على مفهوم الجماعة في العمل الإسلامي وفي الحياة الإسلامية، فمع أنه تعالى أرسل لأهل القرية رسولين فإنه أيدهم بثالث تأكيدا للبلاغ الذي أرسلوا به. وإذا كان خبر الواحد يفيد اليقين في أمر النبوة، فإن الذي يظهر من النص أن خبر الاثنين يفيد اليقين في أمر الرسالة، وأما الثالث فيفيد زيادة اليقين. فقوله تعالى: (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون) خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أمر أن يضرب لقومه مثلا بأصحاب القرية، وأمر بإنذار المشركين أن يحل بهم ما حل بكفار أهل القرية. وهذه القرية هي أنطاكية في قول جميع المفسرين، وكان بها قوم يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم ثلاثة رسل من رسل المسيح عليه السلام، وأضاف الله ذلك إلى نفسه لأن عيسى عليه السلام أرسلهما بأمر الله. (إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما) وقيل: ضربوهما وسجنوهما (فغززنا بثالث) يعني: قوينا وشددنا الرسالة بثالث (فقالوا إنا إليكم مرسلون) يعني: الثلاثة.

2372

الآيات 15-17

(15) و (16) و (17) قوله تعالى: (قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون. قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون. وما علينا إلا البلاغ المبين). فيه بيان لمشكلة الأمم في تكذيب الرسل وهي بشرية الرسل، وأنهم يطلبون أن يكون الرسول من الملائكة وليس من البشر، وقد ذكرنا استحالة هذا الأمر من الناحية العقلي والشرعية، لأن الملك إن ظهر على حقيقته الملكية لا يستطيعون التعامل معه، وإن ظهر على هيئة بشرية عادوا لنفس الإشكال وهو رفض بشرية الرسول. وفيه تربية على أنه من علامات صدق حملة الرسالة أنهم ليس لهم مصلحة وليس لهم أجر من مال ونحوه في أمر البلاغ. وفيه تربية على أن الرسول يُحاسب على البلاغ ولا يُحاسب على نتيجة البلاغ من تصديق أو تكذيب. فقوله تعالى: (قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا) يعني: تأكلون الطعام وتمشون في الأسواق (وما أنزل الرحمن من شيء) يأمر به ولا من شيء ينهى عنه (إن أنتم إلا تكذبون) يعني: في دعواكم الرسالة. (قالوا) يعني: الرسل (ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون) يعني: نحن كذلك وإن كذبتمونا، وفيه دلالة على أنهم لم يسأموا ولم يتركوا بمجرد التكذيب، بل أعادوا ذلك لهم وكرروا القول عليهم وأكدوه باليمين (لمرسلون) فاللام تجري مجرى القسم. (وما علينا إلا البلاغ المبين) يعني: البلاغ الواضح الذي يقطع الحجة في التوحيد والبعث، وقيل: البلاغ المبين للحق عن الباطل والفارق بالمعجزة والبرهان، وقيل: البلاغ المظهر لما أرسلنا لكل أهل القرية، وقيل: البلاغ المظهر للحق بكل ما يمكن.

2373