التفسير التربوي لسورة يس
قال القرطبي في التفسير: ((سورة يس: وهى مكية بإجماع. وهي ثلاث وثمانون آية، إلا أن فرقة قالت: إن قوله تعالى: (ونكتب ما قدموا وآثارهم) (يس: 12) نزلت في بنى سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم، وينتقلوا إلى جوار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. وفى كتاب أبي داود عن معقل بن يسار قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واقرأوا يس على موتاكم). وذكر الآجري من حديث أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ميت يقرأ عليه سورة يس إلا هون الله عليه). وفي مسند الدارمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ سورة يس في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له في تلك الليلة) وخرجه أبو نعيم الحافظ أيضا. وروى الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات) قال: هذا حديث غريب، وفي إسناده شيخ مجهول. وفي مسند الدارمي عن شهر بن حوشب قال: قال ابن عباس: (من قرأ يس حين يصبح أعطي يسر يومه حتى يمسي، ومن قرأها في صدر ليلته أعطي يسر ليلته حتى يصبح)).
وقال السيوطي في الدر المنثور: ((أخرج ابن مردويه من طريق ابن عباس قال: (يس) محمد صلى الله عليه وسلم. وفي لفظ قال: يا محمد. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن محمد بن الحنفية في قوله (يس) قال: يا محمد. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله (يس) قال: يا إنسان)).
وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((هذه السورة المكية ذات فواصل قصيرة، وإيقاعات سريعة، ومن ثم جاء عدد آياتها ثلاثا وثمانين، بينما هي أصغر وأقصر من سابقتها سورة فاطر وعدد آياتها خمس وأربعون. وقصر الفواصل مع سرعة الإيقاع يطبع السورة بطابع خاص، فتتلاحق إيقاعاتها، وتدق على الحس دقات متوالية، يعمل على مضاعفة أثرها ما تحمله معها من الصور والظلال التي تخلعها المشاهد المتتابعة من بدء السورة إلى نهايتها، وهي متنوعة وموحية وعميقة الآثار. والموضوعات الرئيسية للسورة هي موضوعات السور المكية. وهدفها الأول هو بناء أسس العقيدة. فهي تتعرض لطبيعة الوحي وصدق الرسالة منذ افتتاحها. وتسوق قصة أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون ، لتحذر من عاقبة التكذيب بالوحي والرسالة، وتعرض هذه العاقبة في القصة على طريقة القرآن في استخدام القصص لتدعيم قضاياه. وقرب نهاية السورة تعود إلى الموضوع ذاته: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين. لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين). كذلك تتعرض السورة لقضية الألوهية والوحدانية، فيجيء استنكار الشرك على لسان الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة ليحاج قومه في شأن المرسلين. والقضية التي يشتد عليها التركيز في السورة هي قضية البعث والنشور، وهي تتردد في مواضع كثيرة في السورة. وهذه القضايا المتعلقة ببناء العقيدة من أساسها، تتكرر في السور المكية. ولكنها تعرض في كل مرة من زاوية معينة، تحت ضوء معين، مصحوبة بمؤثرات تناسب جوها، وتتناسق مع إيقاعها وصورها وظلالها. هذه المؤثرات منتزعة في هذه السورة من مشاهد القيامة بصفة خاصة ومن مشاهد القصة ومواقفها وحوارها، ومن مصارع الغابرين على مدار القرون، ثم من المشاهد الكونية الكثيرة المتنوعة الموحية)).