التفسير التربويالجزء 1 · ص 2589 - 2596

التفسير التربوي لسورة الشورى

التفسير التربوي لسورة الشورى

قال أبو حيان الأندلسي في التفسير: ((هذه السورة مكية في قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر، وقال ابن عباس: مكية إلا أربع آيات من قوله: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) إلى آخر الأربع آيات، فإنها نزلت بالمدينة. وقال مقاتل: فيها مدني قوله: (ذلك الذين يبشر الله عباده) إلى (الصدور). ومناسبة أول السورة لآخر ما قبلها أنه قال: (قل أرأيتم إن كان من عند الله) الآية، وكان في ذلك الحكم عليهم بالضلال لما كفروا به قال هنا: (كذلك) أي مثل الإيحاء السابق في القرآن الذي كفر به هؤلاء (يوحى إليك) أي إن وحيه تعالى إليك متصل غير منقطع، يتعهدك وقتا بعد وقت)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة تعالج قضية العقيدة كسائر السور المكية، ولكنها تركز بصفة خاصة على حقيقة الوحي والرسالة، حتى ليصح أن يقال: إنها هي المحور الرئيسي الذي ترتبط به السورة كلها، وتأتي سائر الموضوعات فيها تبعاً لتلك الحقيقة الرئيسية فيها. هذا مع أن السورة تتوسع في الحديث عن حقيقة الوحدانية، وتعرضها من جوانب متعددة، كما أنها تتحدث عن حقيقة القيامة والإيمان بها، ويأتي ذكر الآخرة ومشاهدها في مواضع متعددة منها. وكذلك تتناول عرض صفات المؤمنين وأخلاقهم التي يمتازون بها، كما تلم بقضية الرزق: بسطه وقبضه، وصفة الإنسان في السراء والضراء. ولكن حقيقة الوحي والرسالة وما يتصل بها تظل مع ذلك هي الحقيقة البارزة في محيط السورة، والتي تطبعها وتظللها، وكأن سائر الموضوعات الأخرى مسوقة لتقوية تلك الحقيقة الأولى وتوكيدها. ويسير سياق السورة في عرض تلك الحقيقة وما يصاحبها من موضوعات أخرى بطريقة تدعو إلى مزيد من التدبر والملاحظة، فهي تعرض من جوانب متعددة، يفترق بعضها عن بعض ببضع آيات تتحدث عن وحدانية الخالق، أو وحدانية الرازق، أو وحدانية المتصرف في القلوب، أو وحدانية المتصرف في المصير. ذلك بينما يتجه الحديث عن حقيقة الوحي والرسالة إلى تقرير وحدانية الموحي سبحانه ووحدة الوحي، ووحدة العقيدة، ووحدة المنهج والطريق، وأخيراً وحدة القيادة البشرية في ظل العقيدة».

2589

الآيات 1-3

قوله تعالى: ﴿حم عسق كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ (الشورى: 1-3)

(1) و (2) و (3) قوله تعالى: (حم. عسق. كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم). لما كان موضوع الآية الثالثة هو الوحي والنبوة، ولما كان القرآن الكريم هو الوحي الذي أنزله الله تعالى لهذه الأمة، فإن مطلع هذه السورة بدأ بالأحرف المقطعة التي تشير إلى إعجاز القرآن وأنه من كلام الله وليس من كلام البشر، فالبشر يعرفون هذه الأحرف المقطعة باعتبارها من حروف الأبجدية العربية ومع ذلك فهم عاجزون عن تأليف مثل هذا القرآن أو سورة من مثله من هذه الأحرف المذكورة. وفي هذه الآيات تأكيد على أنه تعالى تعهد الناس بالهداية فجعل الوحي في كل أمة وفي كل قوم تشجيعا لهم على الإيمان وتسهيلا لهم على الهداية والإسلام. فقوله تعالى: (حم. عسق) قال القرطبي: ((قال عبد المؤمن: سألت الحسين بن الفضل: لم قطع (حم) من (عسق) ولم تقطع (كهيعص)؟ فقال: لأن (حم. عسق) بين سور أولها (حم) فجرت مجرى نظائرها قبلها وبعدها، فكأن (حم) مبتدأ و (عسق) خبره، ولأنها عدت آيتين، وعدت أخواتها اللواتي كتبت جملة آية واحدة. وقيل: إن الحروف المعجمة كلها في معنى واحد، من حيث إنها أس البيان وقاعدة الكلام، ذكره الجرجاني. وروى نافع عن ابن عباس: الحاء حلمه، والميم مجده، والعين علمه، والسين سناه، والقاف قدرته، أقسم الله بها)). وقوله تعالى: (كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم) قيل: ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحي إليه فلذلك قال: (كذلك يوحي إليك) يعني: القرآن (وإلى الذين من قبلك) يعني: الكتب السماوية السابقة (الله العزيز) يعني: القادر على جميع المقدورات (الحكيم) يعني: العالم بجميع المعلومات والغني عن جميع الحاجات. فيحصل لنا من كونه عزيزاً حكيماً كونه قادراً على جميع المقدورات عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجات، ومن كان كذلك كانت أفعاله وأقواله حكمة وصوابا، وكانت مبرأة عن العبث والعيب.

2590

الآيات 4-6

(4) و (5) و (6) قوله تعالى: (له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم. تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم. والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل). تربط هذه الآيات بين قضية الربوبية وقضية الإلهية ربطا واضحا، فتوحيد الربوبية يقتضي توحيد الإلهية، وإنه لمما ينافي العقل السليم أن يكون الناس موحدين في الربوبية ومشركين في الإلهية لأن الرب هو الله، والله هو الرب. وتشجيعا للناس على توحيد الإلهية من خلال توحيد العبادة يذكر القرآن نموذج الملائكة الذين يعبدون الله تعالى وحده من دون كلل ولا ملل. وتخفيفا للصدمة عند المؤمنين وعند الرسول الكريم من اختيار بعض الناس لطريق الشرك بالله تعالى رغم وضوح الدلائل على طريق التوحيد، فإنه تعالى يقول لرسوله وللمؤمنين معه ومن بعده: إن مهمتكم تنتهي عند البلاغ والدعوة وأما الحساب فهو على الله تعالى. فقوله تعالى: (له ما في السماوات وما في الأرض) يعني: خلقا وملكا وقدرة ونفاذ أمر (وهو العلي) يعني: المتعالي عن مشابهة الممكنات ومناسبة المحدثات، فهو عليّ من غير جهة (العظيم) يعني: القادر والقاهر والكامل، فهو عظيم من غير تحيز. (تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن) يعني: تكاد كل واحدة منها تنفطر فوق التي تليها، وقيل: يتشققن من عظمة الله وجلاله فوقهن، وقيل: (فوقهن) يعني: فوق الأرضين من خشية الله لو كن مما يعقل (والملائكة يسبحون) يعني: ينزهونه عما لا يجوز في وصفه وما لا يليق بجلاله (بحمد ربهم) يعني: بأمر ربهم (ويستغفرون لمن في الأرض) يعني: لمن في الأرض من المؤمنين بدليل قوله تعالى: (ويستغفرون للذين آمنوا)، وقيل: الاستغفار هنا هو طلب الرزق لهم والسعة عليهم فهو عام في المؤمن والكافر (ألا إن الله هو الغفور) يعني: الذي يغفر المرة تلو الأخرى وذلك لمن تاب (الرحيم) يعني: بعباده. قال بعض العلماء: هيب وعظم عز وجل في الابتداء، وألطف وبشر في الانتهاء. (والذين اتخذوا من دونه أولياء) يعني: أصناما يعبدونها (الله حفيظ عليهم) يعني: رقيب على أحوالهم وأعمالهم، لا يفوته منها شيء، وهو محاسبهم عليها وما أنت عليهم بوكيل) يعني: وما أنت يا محمد بمفوض إليك أمرهم ولا قسرهم على الإيمان، إنما أنت منذر فحسب.

2591

(7) (8) قوله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير. ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير). تركز هذه الآية على جانب الترهيب في للقرآن وهو كون القرآن نذيرا للبشر، وكذلك كون محمد صلى الله عليه وسلم نذيرا لقومه ثم للناس كافة، ونذكر هنا بأن الإنذار هو إعلام مع تخويف بينما التبشير إعلام مع تطمين. وتركز هذه لآيات على نتيجة النذارة وهي أن قوما ينتفعون بها فيدخلون الجنة وأن قوما لا ينتفعون بها فيدخلون النار، وهي سنة الله في خلقه. سنته بأن يختار بعض الناس الإيمان وأن يختار بعضهم الكفر، ولو اختار الناس كلهم الإيمان أو اختار الناس كلهم الكفر لكفت الدنيا عن كونها دار ابتلاء، فلا ابتلاء إلا بوجود الشيء ونقيضه، ومن هنا يبدو القبول بالآخر أمرا بديهيا في أصول هذا الدين الحنيف، ومن هنا كانت التعاليم الإسلامية في كيفية التعامل مع الآخر والحفاظ عليه في إطار الوحدة البشرية والتنوع الإيماني. فقوله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا) يعني: وكما أوحينا إلى من قبلك هذه المعاني فكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا فبيناه بلغة العرب، وقيل: أنزلنا عليك قرآنا عربيا بلسان قومك كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه (لتنذر أم القرى) يعني: مكة (ومن حولها) يعني: من سائر الخلق (وتنذر يوم الجمع) يعني: بيوم الجمع وهو يوم القيامة (لا ريب فيه) يعني: لا شك في وقوعه (فريق في الجنة) وهم المؤمنون (وفريق في السعير) وهم الكافرون. (ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة) يعني: أهل دين واحد، أهل ضلالة أو أهل هدى (ولكن يدخل من يشاء في رحمته) وهم أهل الولاء والنصرة لله تعالى (والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير) يعني: ليس للظالم ولاية في الآخرة فينبغي على المؤمنين أن يحجبوا عنه الولاية في الدنيا.

2592

الآية 9

(9) قوله تعالى: (أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير). فيه تربية على أن الولاء من الإيمان، فمن كان يؤمن بالله فعليه أن يخلص ولاءه لله. وفيه تربية على أن من يستحق الولاء هو من يحيي ويميت ومن هو على كل شيء قدير، وأما العاجزون من البشر والأوثان فإنهم لا يستحقون الولاء لأنهم عاجزون. فقوله تعالى: (أم اتخذوا) يعني: بل اتخذوا (من دونه أولياء) يعني: أصناما (فالله هو الولي) يعني: وليك يا محمد وولي من اتبعك، لا ولي سواه (وهو يحيي الموتى) يعني: عند البعث (وهو على كل شيء قدير) فغيره من الأولياء لا يقدر على شيء.

2593

الآية 10

(10) قوله تعالى: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب). فيه تربية على كيفية فض النزاعات وتسوية الخلافات من خلال ردها إلى الله تعالى بالرد إلى كتابه، وأما رد النزاعات إلى السنة النبوية فهو رد إلى كتاب الله لأن السنة النبوية شارحة ومتممة للقرآن، فالقرآن والسنة مصدر واحد يكمل بعضه بعضا. فقوله تعالى: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) يعني: وما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب والمشركين من أمر الدين فقولوا لهم: حكمه إلى الله لا إليكم، وقد حكم الله أن الدين هو الإسلام لا غيره، وأمور الشرائع إنما تتلقى من بيان الله (ذلكم الله ربي) يعني: الموصوف بهذه الصفات هو ربي وحده، وفيه إضمار: أي قل لهم يا محمد ذلكم الله الذي يحيي الموتى ويحكم بين المختلفين هو ربي (عليه توكلت) يعني: اعتمدت (وإليه أنيب) يعني: أرجع.

2594

الآيات 11-12

(11) و (12) قوله تعالى: (فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم). فيه دعوة إلى الإيمان من خلال التنبيه على آيتين من الآيات الكونية وهما: آية الخلق وآية الزوجية في الحياة والأحياء. وفيه تربية على الوحدانية الخالصة حيث نفت هذه الآيات التشبيه عن الله تعالى سواء في الأعضاء والأجزاء أو في المكان والجهة، فليس لله تعالى شبيه ولا نظير ولا مثيل. والمراد من الآيات أنه تعالى: فاطر السماوات والأرض والأصنام ليست كذلك، وأيضاً فهو خالق أنفسنا وأزواجنا وخالق أولادنا منا ومن أزواجنا والأصنام ليست كذلك، وأيضاً فله مقاليد السماوات والأرض والأصنام ليست كذلك، والمقصود من الكل بيان القادر المنعم الكريم الرحيم، فكيف يجوز جعل الأصنام التي هي جمادات مساوية له في العبودية؟ فقوله تعالى: (فاطر السماوات والأرض) والفاطر: المبدع والخالق (جعل لكم من أنفسكم أزواجا) يعني: إناثا، وإنما قال: (من أنفسكم) لأنه خلق حواء كما خلق آدم ومن جنسه (ومن الأنعام أزواجا) يعني: الثمانية المذكورة في القرآن: ذكور الإبل والبقر والضأن والمعز وإناثها (يذرؤكم فيه) يعني: يخلقكم وينشئكم في الرحم، وقيل: فيه هنا بمعنى به، وقيل: إن الهاء للجعل، فكأنه قال: يخلقكم ويكثركم في الجعل (ليس كمثله شيء) يعني: ليس مثله شيء، قال القرطبي: ((والذي يعتقد في هذا الباب أن الله جل اسمه في عظمته وكبريائه وملكوته وحسنى أسمائه وعليّ صفاته، لا يشبه شيئا من مخلوقاته ولا يشبه به، وإنما جاء مما أطلقه الشرع على الخالق والمخلوق، فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي، إذ صفات القديم عز وجل بخلاف صفات المخلوق، إذ صفاتهم لا تنفك عن الأغراض والأعراض، وهو تعالى منزه عن ذلك، بل لم يزل بأسمائه وبصفاته، وكفى في هذا قوله الحق: (ليس كمثله شيء). وقد قال بعض العلماء المحققين: التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات ولا معطلة من الصفات. وزاد الواسطي رحمه الله بيانا فقال: ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم، ولا كفعله فعل، ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة اللفظ، وجلت الذات القديمة أن يكون لها صفة حديثة، كما استحال أن يكون للذات المحدثة صفة قديمة. وهذا كله مذهب أهل الحق والسنة والجماعة رضي الله عنهم)). (وهو السميع البصير) على سبيل الكمال، والكمال في كل الصفات ليس إلا لله تعالى. (له مقاليد السماوات والأرض) يعني: مفاتيح الرزق من السموات والأرض، فمقاليد السماوات الأمطار، ومقاليد الأرض النبات (يبسط الرزق لمن يشاء) يعني: يعطي (ويقدر) يعني: يمنع (إنه بكل شيء) من البسط والتقدير (عليم).

2595

الآيات 13-14

(13) و (14) قوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب. وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب). اعلم أنه تعالى لما عظم وحيه إلى محمد صلى الله عليه وسلم في مطلع هذه السورة بقوله: (كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك العزيز الحكيم)، ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك، وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة. وفيه تربية على أن الإيمان يوجب الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والسعي في مكارم الأخلاق والاحتراز عن رذائل الأحوال. وفيه تربية على أن حصول الموافقة أمر مطلوب في الشرع والعقل، وبيان منفعته أن للنفوس تأثيرات، وإذا تطابقت النفوس وتوافقت على أمر واحد أصبح قوي، وأنها إذا توافقت صار كل واحد منها معيناً للآخر في ذلك المقصود المعين، وكثرة الأعوان توجب حصول المقصود، أما إذا تنازعت وتجادلت فضعفت ولا يحصل المقصود، وكذلك فإن حصول التنازع ضد مصلحة العالم لأنه يفضي إلى الهرج والمرج والقتل والنهب، فلهذا السبب أمر الله تعالى في هذه الآية بإقامة الدين على وجه لا يفضي إلى التفرق. وفيه تربية على أنه تعالى لما أرشد أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى التمسك بالدين المتفق عليه بيّن أنه تعالى إنما أرشدهم إلى هذا الخير لأنه اجتباهم واصطفاهم وخصهم بمزيد من الرحمة والكرامة. وفيه تربية على أن الفرقة تكون بسبب البغي وعلى رأس البغي طلب الرياسة، ومن هنا فإن علاج الفرقة يكون تربويا. والإسلام يفرق بين الخلاف والفرقة، فإذا كان الخلاف جائزا فإن الفرقة لا تجوز. فقوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى) يعني: الذي له مقاليد السماوات والأرض شرع لكم من الدين ما شرع لقوم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ثم بين ذلك بقوله تعالى: (أن أقيموا الدين) يعني: اجعلوه قائما دائما مستمرا محفوظا مستقرا من غير خلاف فيه ولا اضطراب، والدين هنا هو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء، وبسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلما، ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها، فإنها مختلفة متفاوتة، قال الله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) (المائدة: 48)، ومعنى (شرع) نهج وأوضح وبين المسالك، وشرع إذا سن، والشارع: الطريق الأعظم (ولا تتفرقوا فيه) يعني: ولا تختلفوا فيه. قال مجاهد: لم يبعث الله نبيا قط إلا وصاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم. وخص نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام بالذكر لأنهم أصحاب الشرائع. (كبر على المشركين) يعني: عظم عليهم (ما تدعوهم إليه) من التوحيد ورفض الأوثان. قال قتادة: كبر على المشركين فاشتد عليهم شهادة أن لا إله إلا الله، وضاق بها إبليس وجنوده، فأبى الله عز وجل إلا أن ينصرها ويعليها ويظهرها على من ناوأها (الله يجتبي إليه من يشاء) يعني: يختار، والاجتباء: الاختيار، أي يختار للتوحيد من يشاء (ويهدي إليه من ينيب) يعني: يستخلص لدينه من رجع إليه. (وما تفرقوا) يعني: قريشا، وقيل: الأمم السابقة (إلا من بعد ما جاءهم العلم) يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، وقيل: الأنبياء السابقين (بغيا بينهم) يعني: بغيا من بعضهم على بعض طلبا للرياسة والمال والدنيا، فليس تفرقهم لقصور في البيان والحجج، ولكن للبغي والظلم والاشتغال بالدنيا (ولولا كلمة سبقت من ربك) في تأخير العقاب عن هؤلاء (إلى أجل مسمى) قيل: القيامة، وقيل: إلى الأجل الذي قضي فيه بعذابهم (لقضي بينهم) يعني: بين من آمن وبين من كفر بنزول العذاب (وإن الذين أورثوا الكتاب) يعني: قريشا (من بعدهم) يعني: من بعد اليهود والنصارى (لفي شك منه) يعني: من القرآن (مريب) يعني: شديد الريبة، والشك والريب متقاربان في المعنى.

2596