التفسير التربوي لسورة الشورى
قال أبو حيان الأندلسي في التفسير: ((هذه السورة مكية في قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر، وقال ابن عباس: مكية إلا أربع آيات من قوله: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) إلى آخر الأربع آيات، فإنها نزلت بالمدينة. وقال مقاتل: فيها مدني قوله: (ذلك الذين يبشر الله عباده) إلى (الصدور). ومناسبة أول السورة لآخر ما قبلها أنه قال: (قل أرأيتم إن كان من عند الله) الآية، وكان في ذلك الحكم عليهم بالضلال لما كفروا به قال هنا: (كذلك) أي مثل الإيحاء السابق في القرآن الذي كفر به هؤلاء (يوحى إليك) أي إن وحيه تعالى إليك متصل غير منقطع، يتعهدك وقتا بعد وقت)).
وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة تعالج قضية العقيدة كسائر السور المكية، ولكنها تركز بصفة خاصة على حقيقة الوحي والرسالة، حتى ليصح أن يقال: إنها هي المحور الرئيسي الذي ترتبط به السورة كلها، وتأتي سائر الموضوعات فيها تبعاً لتلك الحقيقة الرئيسية فيها. هذا مع أن السورة تتوسع في الحديث عن حقيقة الوحدانية، وتعرضها من جوانب متعددة، كما أنها تتحدث عن حقيقة القيامة والإيمان بها، ويأتي ذكر الآخرة ومشاهدها في مواضع متعددة منها. وكذلك تتناول عرض صفات المؤمنين وأخلاقهم التي يمتازون بها، كما تلم بقضية الرزق: بسطه وقبضه، وصفة الإنسان في السراء والضراء. ولكن حقيقة الوحي والرسالة وما يتصل بها تظل مع ذلك هي الحقيقة البارزة في محيط السورة، والتي تطبعها وتظللها، وكأن سائر الموضوعات الأخرى مسوقة لتقوية تلك الحقيقة الأولى وتوكيدها. ويسير سياق السورة في عرض تلك الحقيقة وما يصاحبها من موضوعات أخرى بطريقة تدعو إلى مزيد من التدبر والملاحظة، فهي تعرض من جوانب متعددة، يفترق بعضها عن بعض ببضع آيات تتحدث عن وحدانية الخالق، أو وحدانية الرازق، أو وحدانية المتصرف في القلوب، أو وحدانية المتصرف في المصير. ذلك بينما يتجه الحديث عن حقيقة الوحي والرسالة إلى تقرير وحدانية الموحي سبحانه ووحدة الوحي، ووحدة العقيدة، ووحدة المنهج والطريق، وأخيراً وحدة القيادة البشرية في ظل العقيدة».