التفسير التربويالجزء 1 · ص 2597 - 2604

الآية 15

الآية 15

(15) قوله تعالى: (فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير). فيه تربية على نبذ الشرك والفرقة، وفيه تأكيد على أمر التوحيد والاجتماع، فكأن الفرقة من الشرك والاجتماع من التوحيد، وهذا انعكاس لأمر العقيدة في مجال الحياة الاجتماعية. وفيه تربية على وحدة الدين لا وحدة الأديان لأن الدين عند الله واحد وهو الإسلام الذي أنزله الله تعالى على كل نبي من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وفيه تربية على العدل في سائر الشؤون والأحوال حتى لكأن العدالة هي المقصد من الحياة. وفيه تربية على حرية الاختيار وحرية العمل مع التذكير بالمسؤولية على الاختيار والعمل عند الله تعالى، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. فقوله تعالى: (فلذلك فادع) يعني: تبينت شكهم فادع إلى الله، أي إلى ذلك الدين الذي شرعه الله للأنبياء ووصاهم به، وقيل: المعنى فلهذا القرآن فادع، ويكون هذا من التبديل بين أسماء الإشارة، وهو باب في العربية معروف (واستقم كما أمرت) خطاب له عليه الصلاة والسلام ولأمته، أي استقم على أمر الله (ولا تتبع أهواءهم) يعني: لا تنظر إلى خلاف من خالفك (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم) يعني: في جميع الأحوال، وقيل: لأعدل بينكم في الدين فأومن بكل كتاب وبكل رسول (الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم) يعني: لنا ديننا ولكم دينكم (لا حجة بيننا وبينكم) يعني: لا خصومة بيننا وبينكم، لأن البراهين قد ظهرت، والحجج قد قامت، فلم يبق إلا العناد، وبعد العناد لا حجة ولا جدال (الله يجمع بيننا) يعني: يوم القيامة (وإليه المصير) فهو يحكم بيننا إذا صرنا إليه، ويجازي كلا بما كان عليه.

2597

الآية 16

(16) قوله تعالى: (والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد). فيه تربية وتعليم على كيفية إقامة الحجة على الآخر الذي يؤمن بنبوة نبيه وينكر نبوة نبينا، وذلك أن اليهود قالوا: ألستم تقولون إن الأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف؟ فنبوّة موسى معلومة بالاتفاق ونبوة محمد ليست متفقا عليها، فإذا بنيتم كلامكم في هذه الآية على أن الأخذ بالمتفق أولى وجب أن يكون الأخذ باليهودية أولى. فبيّن تعالى أن هذه الحجة باطلة فاسدة، وذلك لأن اليهود أطبقوا على أنه إنما وجب الإيمان بموسى عليه السلام لأجل ظهور المعجزات على قوله، وهنا ظهرت المعجزات على وفق قول محمد عليه الصلاة والسلام، واليهود شاهدوا تلك المعجزات، فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق فيجب الاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنبوته، وأما الإقرار بنبوة موسى والإصرار على إنكار نبوة محمد مع استوائهما في ظهور المعجزة فيكون متناقضا واضح البطلان. فقوله تعالى: (والذين يحاجون في الله) يعني: يخاصمون في دينه (من بعد ما استجيب له) يعني: من بعد ما استجاب الناس لذلك الدين حجتهم داحضة عند ربهم) يعني: باطلة، ومعنى داحضة: لا ثبات لها كالشيء الذي يزل عن موضعه (وعليهم غضب) يعني: في الدنيا (ولهم عذاب شديد) يعني: في الآخرة.

2598

الآيات 17-18

(17) و (18) قوله تعالى: (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب. يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد). فيه تربية على الجد والاجتهاد وترك الجهل والتقليد من خلال البيان بأنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على أنواع الدلائل والبينات، وأنزل الميزان وهو القسطاس المستقيم، وأن الساعة قريب ولا يعلمون متى تفجؤهم. وفيه تربية على أن الذين يستعجلون وقوع الساعة إنما يفعلون ذلك لأنهم لا يؤمنون بوقوعها فهم يستعجلون بها تكذيبا لها ونصرة لمذهبهم الباطل في أبدية الحياة. فقوله تعالى: (الله الذي أنزل الكتاب) يعني: القرآن وسائر الكتب المنزلة (بالحق) يعني: بالصدق (والميزان) يعني: العدل، والعدل يسمى ميزانا لأن الميزان آلة الإنصاف والعدل، وقيل: هو الجزاء على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب، وقيل: إنه الميزان نفسه الذي يوزن به أنزله من السماء وعلم العباد الوزن به، لئلا يكون بينهم تظالم (وما يدريك لعل الساعة قريب) يعني: منك وأنت لا تدري، فلم يخبره بها يحضه على العمل بالكتاب والعدل، والعمل بالشرائع قبل أن يفاجئ اليوم الذي يكون فيه المحاسبة ووزن الأعمال، فيوفي لمن أوفى ويطفف لمن طفف. (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها) يعني: على طريق الاستهزاء، ظنا منهم أنها غير آتية، أو إيهاما للضعفاء أنها لا تكون (والذين آمنوا مشفقون منها) يعني: خائفون وجلون لاستقصارهم أنفسهم مع الجهد في الطاعة (ويعلمون أنها الحق) يعني: التي لا شك في وقوعها (ألا إن الذين يمارون في الساعة) يعني: يشكون ويخاصمون في قيام الساعة (لفي ضلال بعيد) عن الحق وطريق الاعتبار، إذ لو تذكروا لعلموا أن الذي أنشأهم من تراب ثم من نطفة إلى أن بلغوا ما بلغوا، قادر على أن يبعثهم.

2599

الآيات 19-20

(19) و (20) قوله تعالى: (الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز. من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب). فيه تربية على لطفه تعالى بعباده وذلك من خلال كثرة الإحسان إليهم، فمن إحسانه أنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة، ومن إحسانه أن المتفرقون استوجبوا العذاب الشديد، ومن إحسانه تعالى أنه أخر عنهم ذلك العذاب، ومن إحسانه أنه ذكر إيصال أعظم المنافع إليهم ودفع أعظم المضار عنهم، ومن إحسانه أنه يرزق من يشاء لأن أصل الإحسان أنه عام في حق كل العباد، وذلك هو الإحسان بالحياة، والعقل والفهم، وإعطاء ما لا بد منه من الرزق، ودفع أكثر الآفات والبليات عنهم. وفيه تربية على أن اللطف من الله بعباده يوجب عليهم أن يسعوا في طلب الخيرات وفي الاحتراز عن القبائح. فقوله تعالى: (الله لطيف بعباده) يعني: حفيّ بهم، وقيل: بارّ بهم، وقيل: رفيق بهم، وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يقتلهم جوعا بمعاصيهم، وقال القرظي: لطيف بهم في العرض والمحاسبة، وقيل: يلطف بهم في الرزق من بأن جعل الرزق من الطيبات ولم يدفعه إليهم مرة واحدة، وقيل: اللطيف بمن لجأ إليه من عباده إذا يئس من الخلق توكل عليه ورجع إليه، فحينئذ يقبله ويقبل عليه (يرزق من يشاء) يعني: ويحرم من يشاء، وفي تفضيل قوم بالمال حكمة وهي أن يحتاج البعض إلى البعض، كما قال: (ليتخذ بعضهم بعضا سخريا) (الزخرف: 32) فكان هذا لطفا بالعباد، وأيضا ليمتحن الغني بالفقير والفقير بالغني، كما قال: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون) (الفرقان: 20) ثم قال: (وهو القوي) يعني: القادر على ما يشاء (العزيز) يعني: الذي لا يغالب ولا يدافع. (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه) والحرث: العمل والكسب، ومنه قول عبد الله بن عمر رضي الله عنه: واحرث لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. والمعنى: من طلب بما رزقناه حرثا لآخرته فأدى حقوق الله، وأنفق في إعزاز الدين، فإنما نعطيه ثواب ذلك للواحد عشرا إلى سبعمائة فأكثر (ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) يعني: طلب بالمال الذي آتاه الله رياسة الدنيا والتوصل إلى المحظورات، فإنا لا نحرمه الرزق أصلا، ولكن لا حظ له في الآخرة من ماله، قال الله تعالى: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا. ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا) (الإسراء: 18ـ19).

2600

الآيات 21-22

(21) و (22) قوله تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم. ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير). اعلم أن الله تعالى لما بيّن القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الآخرة والدنيا أردفه بالتنبيه على الأصل في الضلالة والشقاوة وهو الشرك بالله تعالى في مجال التشريع والتحليل والتحريم، وألفاظ هذه الآية تسوي بين الشرك في العبادة وبين الشرك في التشريع لأن التشريع من العبادة والعمل من العبادة. وفيه ترغيب وترهيب، ترهيب من الشرك لأنه ظلم ولأنه يؤدي إلى النار، وترغيب في الإيمان والعمل الصالح لأنه يؤدي إلى الجنة. فقوله تعالى: (أم لهم شركاء) يعني: ألهم، فالميم صلة والهمزة للتقريع (شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) يعني: هل لهم آلهة شرعوا لهم الشرك الذي لم يأذن به الله! وإذا استحال هذا فالله لم يشرع الشرك، فمن أين يدينون به (ولولا كلمة الفصل) يوم القيامة (لقضي بينهم) في الدنيا، فعاجل الظالم بالعقوبة وأثاب الطائع (وإن الظالمين) يعني: المشركين (لهم عذاب أليم) في الدنيا بالقتل والأسر والقهر، وفي الآخرة عذاب النار. (ترى الظالمين مشفقين) يعني: خائفين (مما كسبوا) يعني: من جزاء ما كسبوا (وهو واقع بهم) يعني: نازل بهم (والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات) والروضة: الموضع الكثير الخضرة (لهم ما يشاؤون عند ربهم) يعني: من النعيم المقيم والثواب الجزيل (ذلك هو الفضل الكبير) يعني: الذي لا يوصف ولا تهتدي العقول إلى كنه صفته، لأن الحق إذا قال كبير فمن ذا الذي يقدر قدره؟!.

2601

الآية 23

(23) قوله تعالى: (ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور). فيه تربية على الإخلاص لله تعالى والبعد عن تحصيل المنافع الدنيوية في الأعمال الإيمانية، وذلك أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب الشريف وأودع فيه أقسام الدلائل وأصناف التكاليف، ورتب على الطاعة الثواب وعلى المعصية العقاب، بين أنه لا يطلب منهم بسبب هذا التبليغ نفعا عاجلا ومطلوباً حاضرا، لئلا يتخيل جاهل أن مقصود محمد صلى الله عليه وسلم من هذا التبليغ المال أو الجاه أو السلطان. فقوله تعالى: (ذلك) يعني: النعيم في الجنات (الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات) يعني: يبشر الله به عباده المؤمنين ليتعجلوا السرور ويزدادوا منه وجدا في الطاعة (قل لا أسألكم عليه أجرا) يعني: قل يا محمد لا أسألكم على تبليغ الرسالة جعلا (إلا المودة في القربى) استثناء ليس من الأول، فهو من الاستثناء المنقطع حيث يكون المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، والمعنى: إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني. قال القرطبي: ((قال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عنها، فكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوسط الناس في قريش، فليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده، فقال الله له: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) إلا أن تودوني في قرابتي منكم، أي تراعوا ما بيني وبينكم فتصدقوني. فالقربى هنا قرابة الرحم، كأنه قال: اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة. قال عكرمة: وكانت قريش تصل أرحامها فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قطعته، فقال: (صلوني كما كنتم تفعلون). فالمعنى على هذا: قل لا أسألكم عليه أجرا لكن أذكركم قرابتي، على أنه استثناء ليس من الأول، ذكره النحاس. وفي البخاري عن طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى: (إلا المودة في القربى) فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد، فقال ابن عباس: عجلت ! إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بينكم من القرابة. فهذا قول. وقيل: القربى قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم، أي لا أسألكم أجرا إلا أن تودوا قرابتي وأهل بيتي)). ثم قال: (ومن يقترف حسنة) يعني: يعمل صالحا (نزد له فيها حسنا) يعني: نضاعف له الحسنة بعشر فأكثر (إن الله غفور) يعني: للذنوب (شكور) يعني: للحسنات.

2602

الآية 24

(24) قوله تعالى: (أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور). فيه تطمين للناس من أن من يدعي النبوة سوف يعاقب من الله تعالى بأن يختم على قلبه وأن يُبطل ادعاءه. وفيه تحذير للناس من ادعاء النبوة بالعقوبة العاجلة القريبة قبل غيرها من العقوبات. وهذه الآية تدل على عصمة النبوة من الانتحال والادعاء والافتراء. فقوله تعالى: (أم يقولون) الميم صلة، والتقدير: أيقولون (افترى على الله كذبا) يعني: اختلق الكذب على الله (فإن يشأ الله يختم على قلبك) يعني: يطبع على قلبك فينسيك القرآن، فأخبرهم الله أنه لو افترى عليه لفعل بمحمد ما أخبرهم به في هذه الآية، وقيل: يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يدخل قلبك مشقة من قولهم (ويمح الله الباطل) يعني: يزيله (ويحق الحق) يعني: يثبته (بكلماته) يعني: بما أنزل من القرآن (إنه عليم بذات الصدور) يعني: بما في قلوب العباد.

2603

الآية 25

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُور﴾ (الشورى: 25)

(25) قوله تعالى: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون). فيه ترغيب بالتوبة من خلال الوعد بقبولها من الله تعالى مباشرة ودون وسيط أو تأخير، وفيه ترغيب بترك السيئات من خلال الوعد بالعفو عنها، وفيه ترغيب بالتوبة والإقلاع عن الذنوب من خلال التذكير بعلمه تعالى الذي لا يخفى عليه خافية. فقوله تعالى: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده) قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) قال قوم في نفوسهم: ما يريد إلا أن يحثنا على أقاربه من بعده، فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم قد اتهموه فأنزل: (أم يقولون افترى على الله كذبا) الآية، فقال القوم: يا رسول الله، فإنا نشهد أنك صادق ونتوب. فنزلت: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده). فقوله: (عن عباده) يعني: عن أوليائه وأهل طاعته. (ويعفو عن السيئات) يعني: عن الشرك والمعاصي (ويعلم ما تفعلون) يعني: من الخير والشر.

2604