التفسير التربويالجزء 1 · ص 2605 - 2612

الآية 26

الآية 26

(26) قوله تعالى: (ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد). فيه ترغيب وترهيب، ترغيب بالتوبة والعمل الصالح من خلال الوعد بالجنة ورؤية الله تعالى يوم القيامة، وترهيب من الكفر والعمل السيئ من خلال الوعيد بالنار والعذاب فيها. فقوله تعالى: (ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات) التقدير: ويستجيب الله الذين آمنوا، أي يقبل عبادة من أخلص له بقلبه وأطاع ببدنه، وقيل: يعطيهم مسألتهم إذا دعوه، وقيل: يشفعهم في إخوانهم (ويزيدهم من فضله) يعني: بما سبق من الاستجابة وقيل: الزيادة رؤية الله تعالى يوم القيامة (والكافرون لهم عذاب شديد) يعني: فلا استجابة لهم ولا زيادة.

2605

الآيات 27-28

(27) و (28) قوله تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير. وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد). فيه تربية على أن الله تعالى يعطي الرزق ويمنعه بالقدر الذي يبتلي به الناس وبالقدر الذي فيه صالحهم ومصالحهم، ولا يعطي ويمنع بناء على الرضى عن الناس أو عدمه. فقوله تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده) يعني: ولو وسع، وبسط الشيء نشره، وبالصاد أيضا (لبغوا في الأرض) يعني: طغوا وعصوا، وقيل: بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ودابة بعد دابة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس، وقيل: أراد لو أعطاهم الكثير لطلبوا ما هو أكثر منه، وقيل: أراد بالرزق المطر الذي هو سبب الرزق (ولكن ينزل بقدر ما يشاء) يعني: ينزل أرزاقهم بقدر ما يشاء لكفايتهم، وقيل: يجعل من يشاء غنيا ومن يشاء فقيرا. قال القرطبي: ((قال علماؤنا: أفعال الرب سبحانه لا تخلو عن مصالح وإن لم يجب على الله الاستصلاح، فقد يعلم من حال عبد أنه لو بسط عليه قاده ذلك إلى الفساد فيزوى عنه الدنيا مصلحة له. فليس ضيق الرزق هوانا ولا سعة فضيلة. وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال: (من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة. وإني لأسرع شيء إلى نصرة أوليائي. وإني لأغضب لهم كما يغضب الليث الحرد. وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره إساءته ولا بد له منه. وما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه. وما يزال عبدي المؤمن يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا فإن سألني أعطيته وإن دعاني أجبته. وإن من عبادي المؤمنين من يسألني الباب من العبادة وإني عليم أن لو أعطيته إياه لدخله العجب فأفسده. وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده الفقر. وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده الغنى. وإني لأدبر عبادي لعلمي بقلوبهم فإني عليم خبير). ثم قال أنس: اللهم إني من عبادك المؤمنين الذين لا يصلحهم إلا الغنى، فلا تفقرني برحمتك)). ثم قال: (إنه بعباده خبير بصير) يعني: إنه عالم بأحوال الناس وبطباعهم وبعواقب أمورهم فيقدر أرزاقهم على وفق مصالحهم. ولما بيّن تعالى أنه لا يعطيهم ما زاد على قدر حاجتهم لأجل أنه علم أن تلك الزيادة تضرهم في دينهم بين أنهم إذا احتاجوا إلى الرزق فإنه لا يمنعهم منه فقال: (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا) والغيث: المطر، وسمي الغيث غيثا لأنه يغيث الخلق، وغاث الأرض أي أصابها، وربما سمي السحاب والنبات غيثا، وقال الماوردي: الغيث ما كان نافعا في وقته، والمطر قد يكون نافعا وضارا في وقته وغير وقته. والقنوط: الإياس (وينشر رحمته) قيل: الغيث من بعد القنوط، وقيل: ظهور الشمس بعد المطر (وهو الولي) يعني: الذي ينصر أولياءه (الحميد) يعني: المحمود بكل لسان.

2606

الآية 29

(29) قوله تعالى: (ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير). فيه دعوة إلى الإيمان بالله من خلال النظر في خلقه تعالى للسماء والأرض وخلقه تعالى لكل ما يدب على الأرض. وفيه دعوة إلى الإيمان بالبعث وهو إعادة الحياة من خلال النظر إلى بداية الخلق، فالقادر على البداية قادر الإعادة لأن الإعادة من جنس البداية. فقوله تعالى: (ومن آياته) يعني: ومن علاماته الدالة على قدرته (خلق السماوات والأرض) يعني: إيجادهما من العدم (وما بث فيهما من دابة) يعني: خلق ونشر فيهما (وهو على جمعهم) يعني: يوم القيامة للحشر والمحاسبة (إذا يشاء قدير) يعني: قدير على جمعهم.

2607

الآيات 30-31

(30) و (31) قوله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير. وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير). فيه تحذير من العمل السيئ بالعقوبة عليه في الدنيا بالمصائب والبلايا، والعقوبة الأخروية بالحرمان من النصرة الإلهية والولاية الربانية. فقوله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة) يعني: عقوبة (فبما كسبت أيديكم) من المعاصي، وقيل: هذا خطاب للكفار لأنهم كانوا إذا أصابهم شر قالوا: هذا بشؤم محمد، فرد عليهم وقال: بل ذلك لكفركم (ويعفو عن كثير) يعني: عن كثير من العصاة فلا يعجل عليهم بالعقوبة. (وما أنتم بمعجزين في الأرض) يعني: بفائتين الله، أي لن تعجزوه ولن تفوتوه (وما لكم من دون الله من ولي) يحفظكم (ولا نصير) يدفع عنكم.

2608

الآيات 32-35

(32) و (33) و (34) و (35) قوله تعالى: (ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام. إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور. أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير. ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص). قال الإمام الرازي في الدلالة التربوية لهذه الآيات: ((اعلم أنه تعالى ذكر من آياته أيضاً هذه السفن العظيمة التي تجري على وجه البحر عند هبوب الرياح ، واعلم أن المقصود من ذكره أمران: (أحدهما) أن يستدل به على وجود القادر الحكيم (والثاني) أن يعرف ما فيه من النعم العظيمة لله تعالى على العباد. أما الوجه الأول فهذه السفن العظيمة التي تكون كالجبال تجري على وجه البحر عند هبوب الرياح على أسرع الوجوه، وعند سكون هذه الرياح تقف، ومحرك هذه الرياح ومسكنها هو الله تعالى، إذ لا يقدر أحد على تحريكها من البشر ولا على تسكينها، وذلك يدل على وجود الإله القادر، وأيضاً أن السفينة تكون في غاية الثقل، ثم إنها مع ثقلها بقيت على وجه الماء، وهو أيضاً دلالة أخرى. وأما الوجه الثاني وهو معرفة ما فيها من المنافع، فهو أنه تعالى خص كل جانب من جوانب الأرض بنوع آخر من الأمتعة، وإذا نقل متاع هذا الجانب إلى ذلك الجانب في السفن وبالعكس حصلت المنافع العظيمة في التجارة، فلهذه الأسباب ذكر الله تعالى حال هذه السفينة)). قلت: وفيه تربية على أن المؤمن يجب أن لا يكون غافلا عن دلائل معرفة الله أبدا، لأنه لا بد وأن يكون إما في البلاء وإما في النعماء، فإن كان في البلاء كان من الصابرين، وإن كان في النعماء كان من الشاكرين، وفي الحالين لا يكون من الغافلين. فقوله تعالى: (ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام) يعني: ومن علاماته الدالة على قدرته السفن الجارية في البحر كأنها من عظمها أعلام، والأعلام: الجبال، وكل شيء مرتفع فهو علم. (إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره) يعني: فتبقى السفن سواكن على ظهر البحر لا تجري (إن في ذلك لآيات) يعني: دلالات وعلامات (لكل صبار) على البلوى (شكور) على النعماء. وقيل: الصبار الشكور هو الذي إذا ابتلي صبر وإذا أعطي شكر. (أو يوبقهن بما كسبوا) يعني: يغرق السفن بذنوب أهلها (ويعف عن كثير) يعني: ويتجاوز عن كثير من الذنوب فينجيهم الله من الهلاك. (ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص) يعني: الكفار إذا توسطوا البحر وغشيتهم الرياح من كل مكان أو بقيت السفن رواكد علموا أنه لا ملجأ لهم سوى الله، ولا دافع لهم إن أراد الله إهلاكهم فيخلصون له العبادة.

2609

الآيات 36-40

(36) و (37) و (38) و (39) و (40) قوله تعالى: (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون. والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون. والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون. وجزاء سيئةٍ سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين). لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة دلائل التوحيد أردفها هنا بالتنفير عن الدنيا وتحقير شأنها، لأن الذي يمنع من قبول الدليل إنما هو الرغبة في الدنيا ومتاعها، فإذا صغرت الدنيا في عين الرجل لم يلتفت إليها، فحينئذ ينتفع بذكر الدلائل. وفيه تربية على أن مطالب الدنيا خسيسة منقرضة، ونبه على خستها بتسميتها بالمتاع، ونبّه على انقراضها بأن جعلها من الدنيا، وأما الآخرة فإنها خير وأبقى، وصريح العقل يقتضي ترجيح الخير الباقي على الخسيس الفاني. ثم بيّن أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان موصوفاً بصفات: (أولها) أن يكون من المؤمنين. (وثانيها) أن يكون من المتوكلين. (وثالثها) أن يكون ممن يجتنبون كبائر الإثم والفواحش. (ورابعها) أن يكون من الذين يغفرون حين الغضب. (وخامسها) أم يكون ممن ينقادون لربهم. (وسادسها) أن يكون من الذين يقيمون الصلاة. (وسابعها) أن تكون الشورى منهجا له في الحياة فلا يتفرد باتخاذ القرارات. (وثامنها) أن يكون من المنفقين للمال في سبيل الله سواء في الزكاة الفريضة أو النفقة الواجبة أو في صدقات التطوع. (وتاسعها) أن يكون من الذين يقتصرون في الانتصار على ما جعله الله حقا لهم فلا يتعدون. (وعاشرها) أن يكون من أصحاب العفو عند المقدرة. وأما قوله تعالى: (وجزاء سيئةٍ سيئة مثلها) فهذه الآية أصل كبير في علم الفقه، لأن مقتضاها أن تقابل كل جناية بمثلها، ولأن الإهدار يوجب فتح باب الشر والعدوان، ففي طبع كل أحد الظلم والبغي والعدوان، فإذا لم يزجر عنه أقدم عليه ولم يتركه، وأما الزيادة على قدر الذنب فهو ظلم والشرع منزّه عنه فلم يبق إلا أن يقابل بالمثل. فقوله تعالى: (فما أوتيتم من شيء) يعني: من الغنى والسعة في الدنيا (فمتاع الحياة الدنيا) يعني: فإنما هو متاع في أيام قليلة تنقضي وتذهب، فلا ينبغي أن يتفاخر به (وما عند الله خير وأبقى) يعني: الثواب على الطاعة (للذين آمنوا) يعني: صدقوا ووحدوا (وعلى ربهم يتوكلون) يعني: يعتمدون عليه ويفوضون أمرهم إليه بعد الأخذ بالأسباب. (والذين يجتنبون) يعني يبتعدون فيكونون في جنب وتكون المعاصي في جنب آخر (كبائر الإثم) يعني: الذنوب الكبيرة (والفواحش) يعني: الزنى وما كان شبيه به، وقيل: الفواحش والكبائر بمعنى واحد، التكرير للتأكيد (وإذا ما غضبوا هم يغفرون) يعني: يتجاوزون ويحلمون عمن ظلمهم. قال ابن عباس: شتم رجل من المشركين أبا بكر فلم يرد عليه شيئا، فنزلت الآية. وهذه من محاسن الأخلاق، يشفقون على ظالمهم ويصفحون لمن جهل عليهم، يطلبون بذلك ثواب الله تعالى وعفوه، ومثل ذلك قوله تعالى: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس) (آل عمران: 134). ثم قال: (والذين استجابوا لربهم) يعني: استجابوا إلى الإيمان بالرسول (وأقاموا الصلاة) يعني: أدوها لمواقيتها بشروطها وهيئاتها (وأمرهم شورى بينهم) يعني: يتشاورون في الأمور. قيل: كانت الأنصار قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إليهم إذا أرادوا أمرا تشاوروا فيه ثم عملوا عليه، فمدحهم الله تعالى به. وقيل: إنهم لانقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون لا يختلفون، فمدحوا باتفاق كلمتهم. وقال الحسن البصري: ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم. وقال ابن العربي: الشورى ألفة للجماعة، ومسبار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم إلا هدوا. قال القرطبي: ((مدح الله المشاورة في الأمور بمدح القوم الذين كانوا يمتثلون ذلك. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الآراء المتعلقة بمصالح الحروب، وذلك في الآراء كثير. ولم يكن يشاورهم في الأحكام لأنها منزلة من عند الله على جميع الأقسام من الفرض والندب والمكروه والمباح والحرام. فأما الصحابة بعد استئثار الله تعالى به علينا فكانوا يتشاورون في الأحكام ويستنبطونها من الكتاب والسنة. وأول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص عليها. وتشاوروا في أهل الردة فاستقر رأي أبي بكر على القتال. وتشاوروا في الجد وميراثه، وفي حد الخمر وعدده. وتشاوروا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحروب، حتى شاور عمر الهرمزان حين وفد عليه مسلما في المغازي، فقال له الهرمزان: مثلها ومثل من فيها من الناس من عدو المسلمين مثل طائر له ريش وله جناحان ورجلان، فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرجلان بجناح والرأس، وإن كسر الجناح الآخر نهضت الرجلان والرأس، وإن شدخ الرأس ذهب الرجلان والجناحان. والرأس كسرى والجناح الواحد قيصر والآخر فارس، فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى. وقال بعض العقلاء: ما أخطأت قط! إذا حزبني أمر شاورت قومي ففعلت الذي يرون، فإن أصبت فهم المصيبون، وإن أخطأت فهم المخطئون. وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها. وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها). قال الترمذي: حديث غريب)). ثم قال: (ومما رزقناهم ينفقون) يعني: ومما أعطيناهم يتصدقون، وهذا في النفقة الواجبة والزكاة المفروضة وصدقات التطوع. (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) يعني: إذا نالهم ظلم من ظالم لم يستسلموا لظلمه، وهذه إشارة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود. قال القرطبي: ((قال ابن العربي: ذكر الله الانتصار في البغي في معرض المدح، وذكر العفو عن الجرم في موضع آخر في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالتين: (إحداهما) أن يكون الباغي معلنا بالفجور، وقحا في الجمهور، مؤذيا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، وفي مثله قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فتجترئ عليهم الفساق. (والثانية) أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة ويسأل المغفرة، فالعفو هنا أفضل، وفي مثله نزلت: (وأن تعفوا أقرب للتقوى) (البقرة: 237). قلت: هذا حسن، وهكذا ذكر الكيا الطبري في أحكامه قال: قوله تعالى: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) يدل ظاهره على أن الانتصار في هذا الموضع أفضل، ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر الاستجابة لله سبحانه وتعالى وإقام الصلاة، وهو محمول على ما ذكر إبراهيم النخعي أنهم كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فتجترئ عليهم الفساق، فهذا فيمن تعدى وأصر على ذلك. والموضع المأمور فيه بالعفو إذا كان الجاني نادما مقلعا. وقد قال عقب هذه الآية: (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) ويقتضي ذلك إباحة الانتصار لا الأمر به، وقد عقبه بقوله: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) وهو محمول على الغفران عن غير المصر، فأما المصر على البغي والظلم فالأفضل الانتصار منه بدلالة الآية التي قبلها. وقيل: أي إذا أصابهم البغي تناصروا عليه حتى يزيلوه عنهم ويدفعوه، قاله ابن بحر. وهو راجع إلى العموم على ما ذكرنا)). ثم قال: (وجزاء سيئةٍ سيئة مثلها) قال العلماء: جعل الله المؤمنين صنفين، صنف يعفون عن الظالم فبدأ بذكرهم في قوله: (وإذا ما غضبوا هم يغفرون) وصنف ينتصرون من ظالمهم، ثم بين حد الانتصار بقوله: (وجزاء سيئةٍ سيئة مثلها) فينتصر ممن ظلمه من غير أن يعتدي بالزيادة على مقدار ما فعل به كما كانت العرب تفعله، وسمي الجزاء سيئة لأنه في مقابلتها، فالأول ساء هذا في مال أو بدن، وهذا الاقتصاص يسوءه بمثل ذلك أيضا (فمن عفا وأصلح) يعني: من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو (فأجره على الله) يعني: إن الله يأجره على ذلك (إنه لا يحب الظالمين) يعني: من بدأ بالظلم، وقيل: لا يحب من يتعدى في الاقتصاص ويجاوز الحد.

2610

الآيات 41-43

(41) و (42) و (43) قوله تعالى: (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل. إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم. ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور). وفي هذه الآيات تربية للمجتمع المسلم على أساس من العدل والإحسان، فإذا كان العدل بإعطاء كل ذي حق حقه فإن الإحسان هو التنازل عن بعض الحق أو كله لله تعالى. وفي مجال الجنايات وهو موضوع هذه الآيات فإن في الدعوة إلى العدل من خلال المعاملة بالمثل ردع لكل من تسول له نفسه مباشرة العدوان سواء على الفرد أو على الجماعة. وأما الإحسان في مجال الجنايات فيكون بالتنازل عن الحق بعضه أو كله لله تعالى ولما فيه المصلحة العامة، وهذا العفو لا يكون إلا بعد المقدرة لأن العفو قبل المقدرة على العقاب فيه إغراء بالعدوان. فقوله تعالى: (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) يعني: المظلوم إذا انتصر من الظالم فلا سبيل إلى لومه، بل يحمد على ذلك. ولكن ليس له أن يستوفي ذلك بنفسه وإنما عن طريق السلطان، فإن استوفى بنفسه فإنه يعاقب على تجاوزه للسلطان. (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس) يعني: بالعدوان عليهم (ويبغون في الأرض بغير الحق) يعني: في النفوس والأموال ابتداء، وقيل: بغيهم عملهم بالمعاصي (أولئك لهم عذاب أليم) يعني: في الآخرة إن لم يعاقبوا في الدنيا، وكذلك من عوقب في الدنيا ولم يتب من الذنب. (ولمن صبر) يعني: على الأذى (وغفر) يعني: ترك الانتصار لوجه الله تعالى، وقيل: صبر عن المعاصي وستر على المساوئ (إن ذلك لمن عزم الأمور) يعني: من عزائم الله التي أمر بها، وقيل: من عزائم الصواب التي وفق لها. ويحكى أن رجلا سب رجلا في مجلس الحسن البصري رحمه الله، فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق، ثم قام فتلا هذه الآية، فقال الحسن: عقلها والله! وفهمها إذ ضيعها الجاهلون. وبالجملة العفو مندوب إليه، ثم قد ينعكس الأمر في بعض الأحوال فيرجع ترك العفو مندوبا إليه، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي وقطع مادة الأذى، وعن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل عليه، وهو أن زينب أسمعت عائشة رضي الله عنهما بحضرته فكان ينهاها فلا تنتهي، فقال لعائشة: «دونك فانتصري» (مسلم).

2611

الآيات 44-46

(44) و (45) و (46) قوله تعالى: (ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل. وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم. وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل). فيه تحذير من الضلال من خلال التذكير بانتفاء الولاية الربانية عن الضالين والمضلين، ومن خلال التذكير بأن الضالين والمضلين يطلبون الرجعة إلى الدنيا كي لا يقعوا في الضلال، ومن خلال بيان حالهم يوم القيامة حيث الخوف والذل والخسارة والخلود في النار. فقوله تعالى: (ومن يضلل الله) يعني: يخذله (فما له من ولي من بعده) يعني: ينصره من بعد الله (وترى الظالمين لما رأوا العذاب) يعني: جهنم، وقيل رأوا العذاب عند الموت (يقولون هل إلى مرد من سبيل) يعني: يطلبون أن يردوا إلى الدنيا ليعملوا بطاعة الله فلا يجابون إلى ذلك. (وتراهم يعرضون عليها) يعني: على النار (خاشعين من الذل) والخشوع: الانكسار والتواضع (ينظرون من طرف خفي) يعني: لا يرفعون أبصارهم للنظر رفعا تاما لأنهم ناكسو الرؤوس، والعرب تصف الذليل بغض الطرف، كما يستعملون في ضده حديد النظر إذا لم يتهم بريبة فيكون عليه منها غضاضة (وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة) يعني: الخسارة الحقيقية في الآخرة وأما خسارة الدنيا فإنها قابلة للتعويض (ألا إن الظالمين في عذاب مقيم) يعني: دائم. (وما كان لهم من أولياء) يعني: أعوانا (ينصرونهم من دون الله) يعني: من عذابه (ومن يضلل الله فما له من سبيل) يعني: ما له من طريق يصل به إلى الحق في الدنيا والجنة في الآخرة، لأنه قد سد على نفسه طريق النجاة.

2612