التفسير التربويالجزء 1 · ص 2799 - 2806

الآيات 38-40

الآيات 38-40

(38) و (39) و (40) قوله تعالى: (وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين. فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون. فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم). فيه دليل على رحمته تعالى بالناس حين لم يرسل لهم الرسول إلا وحجته معه، سواء كانت هذه الحجة هي المعجزات القاهرة أو كانت البراهين القاطعة والأدلة الناصعة التي يسلم بها العقل السليم والفهم القويم. وفيه بيان على العلاقة بين السحر والجن من خلال اتهام فرعون لموسى عليه السلام بالسحر أو الجنون، فالساحر والمجنون كلاهما أمره مع الجن، غير أن الساحر يأتيهم باختياره، والمجنون يأتونه من غير اختياره. وفي هذه الآيات بشارة للمؤمنين، وهي أن من التقمه الحوت وهو مليم نجاه الله تعالى بتسبيحه، ومن أهلكه الله بتعذيبه لم ينفعه إيمانه حين قال: (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) (يونس: 90). فقوله تعالى: (وفي موسى) يعني: وتركنا أيضا في قصة موسى آية (إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين) يعني: بحجة بينة وهي العصا، وقيل: بالمعجزات من العصا وغيرها. (فتولى) يعني: فرعون أعرض عن الإيمان (بركنه) يعني: بمجموعه وأجناده، وقيل: الركن جانب البدن وهذا عبارة عن المبالغة في الإعراض عن الشيء (وقال ساحر أو مجنون) أو: بمعنى الواو، لأنهم قالوهما جميعا. (فأخذناه وجنوده) لكفرهم وتوليهم عن الإيمان (فنبذنا هم) يعني: طرحناهم (في اليم) وهو البحر (وهو مليم) يعني: فرعون، لأنه أتى ما يلام عليه.

2799

الآيات 41-42

(41) و (42) قوله تعالى: (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم. ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم). قال صاحب الظلال في المدلول التربوي لهاتين الآيتين: «والريح قوة من قوى هذا الكون، وجند من جند الله، وما يعلم جنود ربك إلا هو، يرسلها في إطار مشيئته وناموسه في صورة ما من صورها، وفي الوقت المقدر، على من يريد، بالهلاك والدمار أو بالحياة. ولا مكان في مثل هذه المواضع للاعتراض السطحي الساذج بالقول بأن الريح تجري وفق نظام كوني وتهب هنا أو هناك تبعا لعوامل طبيعية، فالذي يجريها وفق ذلك النظام وتبع هذه العوامل هو الذي يسلطها على من يشاء عندما يشاء وفق تقديره وتدبيره، وهو قادر على أن يسلطها كما يريد في إطار النظام الذي قدره والعوامل التي جعلها، ولا مخالفة ولا شبهة ولا اعتراض». فقوله تعالى: (وفي عاد) يعني: وتركنا في عاد آية لمن تأمل (إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم) وهي التي لا تلقح سحابا ولا شجرا، ولا رحمة فيها ولا بركة ولا منفعة، ومنه امرأة عقيم لا تحمل ولا تلد. (ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم) يعني: كالشيء الهشيم، يقال للنبت إذا يبس وتفتت: رميم وهشيم.

2800

الآيات 43-45

(43) و (44) و (45) قوله تعالى: (وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين. فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون. فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين). وما يقال في الحجارة التي أرسلت على قوم لوط، وفي الريح التي أرسلت على عاد، يقال في الصاعقة التي أرسلت على ثمود، فكلها قوى كونية مدبرة بأمر الله، مسخرة بمشيئته وبنواميسه، يسلطها على من يشاء في إطار تلك النواميس، فتؤدي دورها الذي يكلفها الله، كأي جند من جند الله. فقوله تعالى: (وفى ثمود إذ قيل لهم تمتعوا) يعني: وفيهم أيضا عبرة وآية حين قيل لهم عيشوا متمتعين بالدنيا (حتى حين) يعني: إلى وقت الهلاك وهو ثلاثة أيام. (فعتوا عن أمر ربهم) يعني: خالفوا أمر الله فعقروا الناقة (فأخذتهم الصاعقة) يعني: الموت، وقيل: هي كل عذاب مهلك (وهم ينظرون) إليها نهارا. (فما استطاعوا من قيام) يعني: من نهوض، وقيل: ما أطاقوا أن يستقلوا بعذاب الله وأن يتحملوه ويقوموا به ويدفعوه عن أنفسهم (وما كانوا منتصرين) يعني: ممتنعين من العذاب حين أهلكوا.

2801

الآية 46

(46) قوله تعالى: (وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين). فيه تربية بالإشارة السريعة التي تلمس القصة لمسة واحدة بدون إيضاح، كأنما يقال: واذكر قوم نوح، والقصة معروفة بالنسبة لمن يقرأ القرآن لأنها مفصلة في كثير من السور. فقوله تعالى: (وقوم نوح من قبل) يعني: وأهلكنا قوم نحن من قبل الأقوام المذكورين (إنهم كانوا قوما فاسقين) يعني: خارجين عن طاعة الله وعلى طاعة الله.

2802

الآيات 47-49

(47) و (48) و (49) قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون. والأرض فرشناها فنعم الماهدون. ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون). وفي هذه الآيات دلائل كونية على التوحيد بعد أن كانت الآيات السابقة دلائل تاريخية على الحشر يوم القيامة، فانتقل السياق القرآني إلى إقامة الدليل بعد أن كان يدعو الناس من خلال التهديد والوعيد حتى لكأنما هذه الآيات تدخل في الترغيب بينما تدخل الآيات السابقة في الترهيب. والدلائل الكونية في هذه الآيات على التوحيد هي بناء السماء وفرش الأرض ونظام الزوجية في عالم الحياة وفي عالم الجماد. وقد فرق في الوصف بين السماء والأرض فوصف السماء بالبناء ووصف الأرض بالفرش لأن البناء باق إلى يوم القيامة لم يسقط منه شيء ولم يعدم منه جزء، وأما الأرض فهي في التبدل والتغير كالفراش الذي يبسط ويطوى وينقل. فقوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد) لما بين هذه الآيات قال: وفي السماء آيات وعبر تدل على أن الصانع قادر على الكمال، فعطف أمر السماء على قصة قوم نوح لأنهما آيتان، ومعنى (بأيد) أي بقوة وقدرة (وإنا لموسعون) يعني: في البناء، وقيل: وإنا لذو سعة بخلقها وخلق غيرها لا يضيق علينا شئ نريده. (والأرض فرشناها) يعني: بسطناها كالفراش على وجه الماء ومددناها (فنعم الماهدون) يعني: فنعم الماهدون نحن لهم، والتمهيد: التسوية والإصلاح. (ومن كل شئ خلقنا زوجين) يعني: ذكر وأنثى، وقيل: الذكر والأنثى، والسماء والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والنور والظلام، والسهل والجبل، والجن والإنس، والخير والشر، والبكرة والعشي، أي جعلنا هذا كهذا دلالة على قدرتنا، ومن قدر على هذا يقدر على الإعادة (لعلكم تذكرون).

2803

الآيات 50-51

(50) و (51) قوله تعالى: (ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين. ولا تجعلوا مع الله إله آخر إني لكم منه نذير مبين). فيه تربية على طبيعة النقلة من الكفر إلى الإيمان وأنها نجاة من الغرق كما هي نجاة من الحريق وكما هي نجاة من الموت، ومن هنا ينبغي الإسراع فيها على طريقة الفرار وهي سرعة في النقلة والانتقال. وفيه تأكيد على طبيعة الإيمان وأنه توحيد خالص لا شرك فيه ولا التباس. وفيه بيان لمهمة الرسول وتأكيد عليها من خلال تكرارها وهي النذارة الواضحة من النار وجحيمها. فقوله تعالى: (ففروا إلى الله) يعني: فروا من معاصيه إلى طاعته، وقيل: فروا إليه بالتوبة من الذنوب، وقيل: هو أمر بالهجرة، وقيل: فروا من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الشكر (إني لكم منه نذير مبين) يعني: أنذركم عقابه على الكفر والمعصية في الدنيا والآخرة. (ولا تجعلوا مع الله إلها آخر) أمر محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا للناس وهو النذير (إني لكم منه نذير مبين) يعني: أنذركم عقابه على الكفر والمعصية في الدنيا والآخرة.

2804

الآيات 52-53

(52) و (53) قوله تعالى: (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون. أتواصوا به بل هم قوم طاغون). فيه تسلية وعزاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل من يقوم مقامه بحمل الأمانة وأداء الرسالة عما يلاقيه من قومه من اتهامهم له بالسحر أو الجنون، وأن ذلك هو منهج الكافرين في تكذيب الرسل من خلال اتهامهم بالسحر أو الجنون حتى لكأنهم متفقون رغم تباعد الأزمان وتنوع الأوطان. فقوله تعالى: (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون) يعني: كما كذبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون، كذب من قبلهم وقالوا مثل قولهم. (أتواصوا به) يعني: أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب وتواطئوا عليه، والاستفهام للتوبيخ والتعجب (بل هم قوم طاغون) يعني: لم يوص بعضهم بعضا بل جمعهم الطغيان، وهو مجاوزة الحد في الكفر.

2805

الآيات 54-55

(54) و (55) قوله تعالى: (فتول عنهم فما أنت بملوم. وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين). فيه عزاء آخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لأنه كان من كرم الأخلاق ينسب نفسه إلى التقصير، ويقول إن عدم إيمانهم لتقصيري في التبليغ فيجتهد في الإنذار والتبليغ، فقال تعالى: قد أتيت بما عليك، ولا يضرك التولي عنهم، وكفرهم ليس لتقصير منك، فلا تحزن فإنك لست بملوم بسبب التقصير، وإنما هم الملومون بالإعراض والعناد. وفيه بيان أن التولي ليس مطلقا بل تول وأقبل، وأعرض وادع، فلا التولي يضرك إذا كان عنهم، ولا التذكير ينفع إلا إذا كان مع المؤمنين. فقوله تعالى: (فتول عنهم) يعني: أعرض عنهم وأصفح عنهم (فما أنت بملوم) عند الله لأنك أديت ما عليك من تبليغ الرسالة. (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) يعني: أقبل عليهم بالموعظة، وقيل: (وذكر) بالقرآن (فإن الذكرى) به (تنفع المؤمنين) وخص المؤمنين لأنهم المنتفعون بها.

2806