التفسير التربويالجزء 1 · ص 2935 - 2942

الآيات 6-7

الآيات 6-7

(6) و (7) قوله تعالى: (لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد. عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم). أعاد التأكيد على الاقتداء بإبراهيم عليه السلام والذين معه، وشدد في التأسي بهم بأن ربط بينه وبين الإيمان بالله واليوم الآخر، كما شدد فيه بأن بين أن الله غني عنه لأن الطاعة تفيد صاحبها ولا تزيد في ملك الله شيئا كما المعصية تضر صاحبها ولا تنقص من ملك الله شيئا. ولما أمر الله تعالى المؤمنين بعداوة الكفار شددوا في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع أقاربهم والبراءة منهم فأنزل الله تعالى: (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة) وذلك بميلهم إلى الإسلام ومخالطتهم مع أهل الإسلام. وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان، فلانت عند ذلك عريكة أبي سفيان، واسترخت شكيمته في العداوة. فقوله تعالى: (لقد كان لكم فيهم) يعني: في إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء (أسوة حسنة) يعني: في التبرؤ من الكفار، وقيل: كرر للتأكيد (ومن يتول) يعني: عن الإسلام وقبول هذه المواعظ (فإن الله هو الغني) يعني: لم يأمرهم بالعبادة لحاجته إليهم (الحميد) في نفسه وصفاته. ولما نزلت الآيات السابقة عادى المسلمون أقرباءهم من المشركين فعلم الله شدة وجد المسلمين في ذلك فنزلت: (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة) وهذا يكون بأن يسلم الكافر، وقد أسلم قوم منهم بعد فتح مكة وخالطهم المسلمون، كأبي سفيان ابن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام. وقيل: المودة تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان، فلانت عند ذلك عريكة أبي سفيان، واسترخت شكيمته في العداوة. (والله قدير) يعني: على كل شيء، وفيه ترهيب (والله غفور) لمن تاب (رحيم) بمن أناب، وفيه ترغيب.

2935

الآيات 8-9

(8) و (9) قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون). ثم إنه تعالى بعدما ذكر من ترك انقطاع المؤمنين بالكلية عن الكفار رخص في صلة الذين لم يقاتلوهم من الكفار. وفي هاتين الآيتين قاعدة مهمة في علاقة المسلمين بغيرهم، وهي قاعدة السلم والحرب، فمن اختار الحرابة وجب قتاله ومن اختار السلام وجب مسالمته والتعايش معه وفق قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات (لهم ما لنا وعليهم ما علينا). فقوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم) وهذه الآية رخصة من الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم. وقال أكثر أهل التأويل: هي محكمة، واحتجوا بأن أسماء بنت أبي بكر سألت النبي صلى الله عليه وسلم: هل تصل أمها حين قدمت عليها مشركة؟ قال: «نعم» (البخاري ومسلم). وقوله تعالى: (أن تبروهم) يعني: لا ينهاكم الله عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم، فأمر ببرهم والوفاء لهم (وتقسطوا إليهم) يعني: تعطوهم قسطا من أموالكم على وجه الصلة، وليس المراد منه العدل لأن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل (إن الله يحب المقسطين) يعني: العادلين والمحسنين. (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين) يعني: قاتلوكم لأجل الدين (وأخرجوكم من دياركم) يعني: أرغموكم على الخروج من دياركم لأجل إيمانكم (وظاهروا) يعني: وعاونوا على إخراجكم (أن تولوهم) يعني: أن تتخذوهم أولياء (ومن يتولهم) يعني: يتخذهم أولياء وأنصارا وأحبابا (فأولئك هم الظالمون) والظلم في الأصل: وضع الشيء في غير محله، وهو هنا بمعنى الكفر والفسق والمعصية.

2936

الآيات 10-11

(10) و (11) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم. وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون). قال الرازي في الترتيب التربوي لهذه الآيات: ((في نظم هذه الآيات وجه حسن معقول، وهو أن المعاند لا يخلو من أحد أحوال ثلاثة، إما أن يستمر عناده، أو يرجى منه أن يترك العناد، أو يترك العناد ويستسلم. وقد بين الله تعالى في هذه الآيات أحوالهم، وأمر المسلمين أن يعاملوهم في كل حالة على ما يقتضيه الحال. أما قوله تعالى: (قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه) فهو إشارة إلى الحالة الأولى، ثم قوله: (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة) إشارة إلى الحالة الثانية، ثم قوله: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات) إشارة إلى الحالة الثالثة. ثم فيه لطيفة وتنبيه وحث على مكارم الأخلاق، لأنه تعالى ما أمر المؤمنين في مقابلة تلك الأحوال الثلاث بالجزاء إلا بالتي هي أحسن، وبالكلام إلا بالذي هو أليق)). وفيه تربية على المعاملة بالمثل بالمعنى الجماعي لهذه القاعدة لأن المؤمنين كالجسد الواحد. فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن) لما أمر المسلمين بترك موالاة المشركين اقتضى ذلك مهاجرة المسلمين عن بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، وكان التناكح من أوكد أسباب الموالاة، فبين أحكام مهاجرة النساء. قال ابن عباس: جرى الصلح مع مشركي قريش عام الحديبية، على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم، فجاءت سعيدة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب، والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية بعد، فأقبل زوجها وكان كافرا، وهو صيفي بن الراهب، فقال: يا محمد، اردد علي امرأتي فإنك شرطت ذلك! وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فجاء أهلها يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردها. وقيل: هربت من زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها عمارة والوليد، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخويها وحبسها، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، ردها علينا للشرط، فقال صلى الله عليه وسلم: (كان الشرط في الرجال لا في النساء) فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقالت طائفة من أهل العلم: لم يشترط ردهن في العقد لفظا، وإنما أطلق العقد في رد من أسلم، فكان ظاهر العموم اشتماله عليهن مع الرجال، فبين الله تعالى خروجهن عن عمومه. وقوله تعالى: (فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن) يعني: هذا الامتحان لكم، والله اعلم بإيمانهن، لأنه متولي السرائر. قال ابن عباس: كانت المحنة أن تستحلف بالله أنها ما خرجت من بغض زوجها، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقا لرجل من المسلمين، بل حبا لله ولرسوله، فإذا حلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك، أعطى النبي صلى الله عليه وسلم زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردها، فذلك قوله تعالى: (فإن علمتموهن مؤمنات) يعني: بما يظهر من الإيمان (فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) يعني: لم يحل الله مؤمنة لكافر سواء كان محاربا أو مسالما، ولا نكاح مؤمن لمشركة إن كانت حربية، وهذا أدل دليل على أن الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها إسلامها لا هجرتها، والذي أوجب فرقة الكافرة لزوجها المؤمن هو حربيتها لا كفرها (وآتوهم ما أنفقوا) يعني: أمر الله تعالى إذا أمسكت المرأة المسلمة أن يرد على زوجها ما أنفق وذلك من الوفاء بالعهد، لأنه لما منع من أهله بحرمة الإسلام، أمر برد المال إليه حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين: الزوجة والمال (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن) يعني: إذا أسلمن وانقضت عدتهن لما ثبت من تحريم نكاح المشركة الحربية أو المعتدة (إذا آتيتموهن أجورهن) يعني: أباح نكاحها بشرط المهر (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) يعني: ولا تتمسكوا بعقد نكاح الكوافر الحربيات (واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا) قال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات مرتدات إلى الكفار من أهل العهد يقال للكفار: هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين إذا جاءت إحدى الكافرات مسلمة مهاجرة: ردوا إلى الكفار مهرها، وكان ذلك نصفا وعدلا بين الحالتين (ذلكم حكم الله يحكم بينكم) يعني: ما ذكر في هذه الآية (والله عليم) بالباطن والظاهر (حكيم) في تشريعه للناس. (وإن فاتكم شيء من أزواجكم) في الخبر: أن المسلمين قالوا: رضينا بما حكم الله، وكتبوا إلى المشركين فامتنعوا فنزلت: (وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم) يعني: صنعتم كما صنعوا بكم (فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا) قال ابن عباس: يقول إن لحقت امرأة مؤمنة بكفار أهل مكة، وليس بينكم وبينهم عهد ولها زوج مسلم فغنمتم، فأعطوا هذا الزوج المسلم مهره من الغنيمة (واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون) يعني: احذروا أن تتعدوا ما أمركم به.

2937

الآية 12

(12) قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم). فيه تربية على المساواة بين الرجال والنساء، فكما للرجال بيعة كذلك للنساء بيعة مع الفارق وهو أن النساء لا يبايعن على القتال لأنه ليس واجبا عليهن. وهذه البيعة وإن ذكرت بحق النساء إلا أن مبايعة الرجال عليها جائز بإجماع أهل العلم. وفي ترتيب الأشياء المذكورة في هذه الآية نقول: قدم الأقبح على ما هو أدنى منه في القبح، وقيل: قدم الأظهر على ما هو أقل منه ظهورا. فقوله تعالى: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك) لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جاء نساء أهل مكة يبايعنه، فأمر أن يأخذ عليهن ألا يشركن بالله شيئا، إلى آخر الآية. وفي صحيح مسلم عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحن بقول الله تعالى: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين) إلى آخر الآية. قالت عائشة: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انطلقن فقد بايعتكن)، لا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط، غير أنه بايعهن بالكلام. قال القرطبي: ((روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (على ألا يشركن بالله شيئا) قالت هند بنت عتبة وهي منتقبة خوفا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرفها لما صنعته بحمزة يوم أحد: والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيتك أخذته على الرجال، وكان بايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا يسرقن) فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصيب من ماله قوتنا، فقال أبو سفيان: هو لك حلال، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وعرفها وقال: (أنت هند)؟ فقالت: عفا الله عما سلف. ثم قال: (ولا يزنين) فقالت هند: أو تزني الحرة! ثم قال: (ولا يقتلن أولادهن) يعني: لا يئدن الموءودات ولا يسقطن الأجنة، فقالت هند: ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا يوم بدر، فأنتم وهم أعلم. ثم قال: (ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن) يعني: النميمة (وأرجلهن) يعني: الزنا فيلحقن برجالهن ولدا من غيرهم، وقيل: ما بين يديها ورجليها كناية عن الولد، لأن بطنها الذي تحمل فيه الولد بين يديها، وفرجها الذي تلد منه بين رجليها، وهذا عام في الإتيان بولد وإلحاقه بالزوج وإن سبق النهي عن الزنى. وروي أن هندا لما سمعت ذلك قالت: والله إن البهتان لأمر قبيح، ما تأمر إلا بالرشد ومكارم الأخلاق!. ثم قال: (ولا يعصينك في معروف) وهو عام في كل ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: لا ينحن، ولا تخلو امرأة منهن إلا بذي محرم، ولا يشققن جيبا، ولا يدعون ويلا، ولا ينشرن شعرا. وفي صحيح مسلم عن أم عطية لما نزلت هذه الآية: (ولا يعصينك في معروف) قالت: (كان منه النياحة) قالت: فقلت يا رسول الله، إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلا آل فلان». وقوله تعالى: (فبايعهن) يعني: على هذه الشروط (واستغفر لهن الله) يعني: ادع لهن بالمغفرة (إن الله غفور رحيم).

2938

الآية 13

(13) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور). فيه نهي شديد عن موالاة الكافرين بشكل عام وعن موالاة اليهود بشكل خاص. وفيه تربية بضرب المثل حيث شبّه أمل اليهود في الجنة كأمل الحي في عودة الميت إلى الحياة. فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم) يعني: اليهود، وذلك أن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأخبار المؤمنين ويواصلونهم فيصيبون بذلك من ثمارهم فنهوا عن ذلك (قد يئسوا من الآخرة) يعني: تركوا العمل للآخرة وآثروا الدنيا، وقيل: المعنى يئسوا من ثواب الآخرة (كما يئس الكفار) يعني: الأحياء من الكفار (من أصحاب القبور) يعني: الموتى أن يرجعوا إليهم، وقيل: المعنى كما يئس الكفار الذين في القبور أن يرجعوا إلى الدنيا. قال المفسرون: إن الله تعالى ختم السورة بما بدأها من ترك موالاة الكفار، وهو خطاب عام في لفظه وإن كان لنزوله سبب مخصوص كما أسلفنا في قصة حاطب بن أبي بلتعة. والحمد لله رب العالمين.

2939

التفسير التربوي لسورة الصف

قال ابن كثير في التفسير: ((سورة الصف: وهي مدنية. روى الإمام أحمد عن عبد الله بن سلام قال: تذاكرنا: أيكم يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسأله: أي الأعمال أحب إلى الله؟ فلم يقم أحد منا، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا رجلا فجمعنا فقرأ علينا هذه السورة، يعني سورة الصف كلها. وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن سلام: أن أناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: لو أرسلنا إلى رسول الله نسأله عن أحب الأعمال إلى الله عز وجل؟ فلم يذهب إليه أحد منا، وهبنا أن نسأله عن ذلك، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر رجلاً رجلا حتى جمعهم، ونزلت فيهم هذه السورة: (سبح) الصف. قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها)).

وفي علاقة هذه السورة بالتي قبلها نقول: ((وجه التعلق بما قبلها هو أن في تلك السورة بيان الخروج جهادا في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وفي هذه السورة بيان ما يحمل أهل الإيمان ويحثهم على الجهاد. وقيل: لما ختمت الممتحنة بالأمر بتنزيهه سبحانه عن تولي من يخالف أمره بالتولي عنهم والبراءة منهم، افتتحت الصف بما هو كالعلة لذلك فقال: (سبح لله) أي أوقع التنزيه الأعظم للملك الأعظم الذي له ما في السموات وما في الأرض)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة تستهدف أمرين أساسيين واضحين في سياقها كل الوضوح، إلى جانب الإشارات والتلميحات الفرعية التي يمكن إرجاعها إلى الأمرين الأساسيين. تستهدف أولاً أن تقرر في ضمير المسلم أن دينه هو المنهج الإلهي للبشرية في صورته الأخيرة، سبقته صور منه تناسب أطوارا معينة في تاريخ البشرية، وسبقته تجارب في حياة الرسل وحياة الجماعات تمهد كلها لهذه الصورة الأخيرة من الدين الواحد، الذي أراد الله أن يكون خاتمة الرسالات، وأن يظهره على الدين كله في الأرض. ومن ثم يذكر رسالة موسى ليقرر أن قومه الذين أرسل إليهم آذوه وانحرفوا عن رسالته فضلوا ولم يعودوا أمناء على دين الله في الأرض. ويذكر رسالة عيسى ليقرر أنه جاء امتدادا لرسالة موسى، ومصداقا لما بين يديه من التوراة، وممهدا للرسالة الأخيرة، ومبشرا برسولها، ووصلة بين الدين الكتابي الأول والدين الكتابي الأخير. وكان مقررا في علم الله وتقديره أن تنتهي هذه الخطوات إلى قرار ثابت دائم، وأن يستقر دين الله في الأرض في صورته الأخيرة علي يدي رسوله الأخير. وهذا الهدف الأول الواضح في السورة يقوم عليه الهدف الثاني: فإن شعور المسلم بهذه الحقيقة، وإدراكه لقصة العقيدة، ولنصيبه هو من أمانتها في الأرض، يستتبع شعوره بتكاليف هذه الأمانة شعورا يدفعه إلى صدق النية في الجهاد لإظهار دينه على الدين كله كما أراد الله وعدم التردد بين القول والفعل، ويقبح أن يعلن المؤمن الرغبة في الجهاد ثم ينكص عنه، كما يبدو أنه حدث من فريق من المسلمين كما تذكر الروايات، ومن ثم يجيء في مطلع السورة بعد إعلان تسبيح الكون وما فيه لله. ثم يدعوهم في وسط السورة إلى أربح تجارة في الدنيا والآخرة. ثم يختم السورة بنداء أخير للذين آمنوا، ليكونوا أنصار الله كما كان الحواريون أصحاب عيسى أنصاره إلى الله، على الرغم من تكذيب بني إسرائيل به وعدائهم لله. هذان الخطان واضحان في السورة كل الوضوح، يستغرقان كل نصوصه تقريبا، فلا يبقى إلا التنديد بالمكذبين بالرسالة الأخيرة، وهذه قصتها، وهذه غايتها، وهذا التنديد متصل دائماً بالخطين الأساسيين فيها».

2940

الآية 1

قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِين﴾ (الصف: 1)

(1) قوله تعالى: (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم). فيه تربية على التسبيح لأن الآية إخبار والمراد به الطلب فكأنه تعالى يقول للمؤمنين قولوا: سبحان الله تسبيحا كما يسبح الله ما في السماوات وما في الأرض. ووجه التعبير في بعض السور بلفظ الماضي كهذه السورة، وفي بعضها بلفظ المضارع، وفي بعضها بلفظ الأمر، الإرشاد إلى مشروعية التسبيح في كل الأوقات ماضيها ومستقبلها وحالها. فقوله تعالى: (سبح لله) يعني: نزه ومجد وقدس (ما في السماوات) يعني: السبع مما خلق (وما في الأرض) يعني: السبع مما خلق (وهو العزيز) يعني: في نقمته ممن عصاه منهم فكفر به وخالف أمره (الحكيم) يعني: في تدبيره إياهم.

2941

الآيات 2-4

(2) و (3) و (4) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص). فيه تربية بالسؤال المراد منه التعجيب من بعض المؤمنين الذين تخالف أعمالهم أقوالهم ويفترق سلوكهم عن مواقفهم، ومعنى التعجيب تعظيم الأمر في قلوب السامعين، لأن التعجيب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره. وفيه بيان وجواب لسؤال المؤمنين عن أحب الأعمال إلى الله بأنه وحدة الصف في القتال في سبيل الله. فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون) روى الدارمي في مسنده عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكرنا فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى لعملناه، فأنزل الله تعالى سورة الصف، فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ختمها. وهذه الآية توجب على كل من ألزم نفسه عملا فيه طاعة أن يفي بها. قال النخعي: ثلاث آيات منعتني أن أقص على الناس: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) (البقرة: 44)، (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) (هود: 88)، (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون). وقوله تعالى: (لم تقولون ما لا تفعلون) استفهام على جهة الإنكار والتوبيخ، على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير ما لا يفعله، أما في الماضي فيكون كذبا، وأما في المستقبل فيكون خلفا، وكلاهما مذموم. (كبر مقتا) يعني: بغضا (عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) يعني: أن تقولوا ثم لا تفعلوا. (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا) يعني: يصفون أنفسهم صفا (كأنهم بنيان مرصوص) قيل: مرصوص بالرصاص، وقيل: هو مأخوذ من رصصت البناء إذا لاءمت بينه وقاربت حتى يصير كقطعة واحدة، وقيل: هو من الرصيص وهو انضمام الأسنان بعضها إلى بعض، ومعنى الآية: يحب من يثبت في الجهاد في سبيل الله ويلزم مكانه كثبوت البناء، وهذا تعليم من الله تعالى للمؤمنين كيف يكونون عند قتال عدوهم.

2942