التفسير التربويالجزء 1 · ص 2943 - 2950

الآية 5

الآية 5

(5) قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أنى رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدى القوم الفاسقين). فيه تسلية وعزاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من قومه من الأذى وعما يبدر منهم من الزيغ عن الهدى. وفيه تربية على عظيم التناقض بين الفكر والسلوك في قوم موسى عليه السلام حيث كانوا يقابلونه بالأذى مع علمهم بنبوته لأن العلم بالنبوة يوجب التعظيم والتوقير. وفيه تربية على أن الجزاء من جنس العمل، فمن زاغ بعمله عن الصواب أزاغ الله قلبه عن الهدى. وفيه تنبيه على عظيم إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم حتى إنه يؤدي إلى الكفر وزيغ القلوب عن الهدى. فقوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه) لما ذكر أمر الجهاد بين أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد وجاهدا في سبيل الله، وحل العقاب بمن خالفهما، أي واذكر لقومك يا محمد هذه القصة (يا قوم لم تؤذونني) وذلك حين رموه بالأدرة، ومن الأذى قولهم: (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) (الأعراف: 138)، ومن الأذى قولهم: (فاذهب أنت وربك فقاتلا) (المائدة: 24)، وغير ذلك كثير (وقد تعلمون أني رسول الله إليكم) والرسول يحترم ويعظم (فلما زاغوا) يعني: مالوا عن الحق والإيمان والطاعة (أزاغ الله قلوبهم) يعني: أمالها عن الهدى والثواب، وقيل: لما تركوا ما أمروا به من احترام الرسول عليه السلام وطاعة الرب، خلق الله الضلالة في قلوبهم عقوبة لهم على فعلهم (والله لا يهدي القوم الفاسقين) يعني: الخارجين على طاعة الله.

2943

الآيات 6-7

(6) و (7) قوله تعالى: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين. ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين). فيه تربية على أن مهمة الأنبياء واحدة وهي تصديق من كان قبلهم من الأنبياء والتبشير بمن يأتي بعدهم من الأنبياء. وفيه تحذير من الشبهات التي أوردها المكذبون بالأنبياء وهي اتهام النبوة بالسحر تعليلا للمعجزات التي أيد الله بها الأنبياء. وفيه تحذير من أقبح أنواع الظلم وهو افتراء الكذب على الله بنفي النبوة عن أي نبي من أنبياء الله خاصة بعد العلم أن ما نالوه من نعمة وكرامة فإنما نالوه من الله تعالى. وفيه ترهيب من الظلم من خلال الوعيد عليه بعد الهداية والبعد عن الصواب في المنهج والقول والعمل وعدم التوفيق إلى طاعة الله. فقوله تعالى: (وإذ قال عيسى بن مريم) يعني: واذكر لهم هذه القصة أيضا، وقال: (يا بني إسرائيل) ولم يقل: (يا قوم) كما قال موسى لأنه لا نسب له فيهم فيكونون قومه (إني رسول الله إليكم) يعني: بالإنجيل (مصدقا لما بين يدي من التوراة) لأن في التوراة صفتي ولم آتكم بشيء يخالف التوراة فتنفروا عني (ومبشرا برسول) يعني: إعلاما وتصديقا (يأتي من بعدي اسمه أحمد) وهو اسم نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو اسم علم منقول من صفة لا من فعل، فتلك الصفة أفعل التي يراد بها التفضيل، ومعنى (أحمد) أنه أحمد الحامدين لربه، والأنبياء صلوات الله عليهم كلهم حامدون الله، ونبينا أحمد أكثرهم حمدا، وأما محمد فمنقول من صفة أيضا وهي في معنى محمود، ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار، ومحمد هو الذي حمد مرة بعد مرة، فاسم محمد مطابق لمعناه، والله سبحانه سماه قبل أن يسمي به نفسه، فهذا علم من أعلام نبوته، إذ كان اسمه صادقا عليه، فهو محمود في الدنيا لما هدى إليه ونفع به من العلم والحكمة، وهو محمود في الآخرة بالشفاعة، وفي الصحيح: «لي خمسة أسماء: أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي تحشر الناس على قدمي وأنا العاقب» وقوله: (فلما جاءهم بالبينات) يعني: عيسى عليه السلام، وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم (قالوا هذا سحر مبين) نعتا لما جاء به الرسول، وفي قراءة: (هذا ساحر مبين) نعتا للرسول نفسه. (ومن أظلم) يعني: لا أحد أظلم (ممن افترى على الله الكذب) والكذب هو الكلام المخالف للواقع، والافتراء هو الكلام الذي ليس له واقع (وهو يدعى إلى الإسلام) وهذا تعجيب ممن كفر بعيسى ومحمد بعد المعجزات التي ظهرت لهما (والله لا يهدي القوم الظالمين) يعني: من كان في حكمه ظالما يختم الله له بالضلالة.

2944

الآيات 8-9

(8) و (9) قوله تعالى: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره وله كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون). فيه بيان لنوع من الأفعال القبيحة الصادرة عن أعداء الإسلام وهو سعيهم في إبطال أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وجدهم في إخفاء الدلائل الدالة على صحة شرعه وقوة دينه بالكلام الركيك والشبهات السخيفة التي لا قيمة لها إلا كونها هواء يصدر من الفم عن طريق الضغط، والمراد من النور الدلائل الدالة على صحة النبوة كالمعجزات القاهرة والقرآن العظيم. وفيه بشرى للمسلمين بظهور هذا الدين وعلوه على سائر الأديان وعدا من الله والله لا يخلف الميعاد. فقوله تعالى: (يريدون ليطفئوا) والإطفاء هو الإخماد، ويستعملان في النار وفيما يجري مجراها من الضياء والظهور، ويفترق الإطفاء والإخماد من وجه، وهو أن الإطفاء يستعمل في القليل والكثير، والإخماد يستعمل في الكثير دون القليل، فيقال: أطفأت السراج، ولا يقال أخمدت السراج (نور الله بأفواههم) يعني: القرآن بتكذيبه بالقول، وقيل: الإسلام بدفعه بالكلام، وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم بإهلاكه بالأراجيف، وقيل: حجج الله ودلائله بإنكارها، وقيل: هو مثل مضروب، فمن أراد إطفاء نور الشمس بفيه وجده مستحيلا ممتنعا فكذلك من أراد إبطال الحق (والله متم نوره) يعني: بإظهاره في الآفاق (ولو كره الكافرون) يعني: من سائر الأصناف. (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق) يعني: محمدا بالحق والرشاد (ليظهره على الدين كله) يعني: بالحجج، ومن الإظهار الغلبة باليد في القتال، وليس المراد بالظهور أن لا يبقى دين آخر من الأديان، بل المراد يكون أهل الإسلام عالين غالبين، ومن الإظهار أن لا يبقى دين سوى الإسلام في آخر الزمان وذلك إذا نزل عيسى عليه السلام، فهذه الآية تبشر بنزوله في آخر الزمان، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لينزلن ابن مريم حكما عادلا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد». وقيل: (ليظهره على الدين كله) يعني ليطلع محمدا صلى الله عليه وسلم على سائر الأديان، حتى يكون عالما بها، عارفا بوجوه بطلانها، وبما حرفوا وغيروا منها (ولو كره المشركون) يعني: من سائر الأديان.

2945

الآيات 10-13

(10) و (11) و (12) و (13) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين). فيه ترغيب بالطاعة والثواب من خلال التشبيه بالتجارة مع الله تعالى حيث الربح المؤكد والفوز المبين، وكما في التجارة أخذ وعطاء كذلك في العلاقة مع الله أخذ وعطاء، فأما العطاء فهو الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، وأما الأخذ فهو النجاة من العذاب الأليم، ومغفرة الذنوب، ودخول الجنة، والدرجات العالية من النعيم في الجنان، والنصر من الله في الدنيا بالفتوحات الواضحة الظاهرة. فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة) قال مقاتل: نزلت في عثمان بن مظعون، وذلك أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أذنت لي فطلقت خولة، وترهبت واختصيت وحرمت اللحم، ولا أنام بليل أبدا، ولا أفطر بنهار أبدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من سنتي النكاح ولا رهبانية في الإسلام، إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله، وخصاء أمتي الصوم، ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم، ومن سنتي أنام وأقوم وأفطر وأصوم، فمن رغب عن سنتي فليس مني) فقال عثمان: والله لوددت يا نبي الله أن أعلم أي التجارات أحب إلى الله فأتجر فيها، فنزلت. وقوله تعالى: (هل أدلكم) يعني: سأدلكم (على تجارة) والجهاد من التجارة مع الله لقوله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم) (التوبة: 111) الآية، وهذا خطاب لجميع المؤمنين (تنجيكم) يعني: تخلصكم (من عذاب أليم) يعني: مؤلم. (تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم) فذكر الأموال أولا لأنها يضن بها الإنسان عادة حتى يقال في الأمثال: المال أغلى من الروح، ولأهميتها في القتال حيث الحاجة إلى العدة (ذلكم) يعني: هذا الفعل (خير لكم) يعني: من أموالكم وأنفسكم (إن كنتم تعلمون) يعني: فاعلموا. (يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار) يعني: إذا آمنتم وجاهدتم (ومساكن طيبة) قال القرطبي: ((خرج أبو الحسين الآجري عن الحسن قال: سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن تفسير هذه الآية: (ومساكن طيبة) فقالا: على الخبير سقطت، سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال: (قصر من لؤلؤة في الجنة، فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا من زبرجدة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون فراشا من كل لون، على كل فراش سبعون امرأة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونا من الطعام، في كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة، فيعطي الله تبارك وتعالى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله)) وقوله: (في جنات عدن) يعني: إقامة، مأخوذ من قولهم: عدن في المكان إذا أقام فيه (ذلك الفوز العظيم) يعني: السعادة الدائمة الكبيرة، وأصل الفوز هو الظفر بالمطلوب. (وأخرى تحبونها) يعني: ولكم خصلة أخرى وتجارة أخرى تحبونها (نصر من الله) يعني: لكم نصر من الله في الدنيا (وفتح قريب) يعني: وغنيمة عاجلة في الدنيا (وبشر المؤمنين) يعني: برضا الله عنهم، وقيل: وبشر المؤمنين بالنصر العاجل والفتح القريب.

2946

الآية 14

(14) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحوارين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين). فيه تربية على نصرة الله من خلال الأمر بها والثبات عليها، ومن خلال الاقتداء بالحوارين في نصرة نبيهم وهم أصحاب عيسى ابن مريم عليه السلام، ومن خلال الوعد بالتأييد الإلهي وتحصيل النصر والغلبة في الدنيا قبل الآخرة. فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله) تأكيد لأمر الجهاد والمعنى: كونوا حواري نبيكم ليظهركم الله على من خالفكم كما أظهر حواري عيسى على من خالفهم (فآمنت طائفة من بنى إسرائيل وكفرت طائفة) والطائفتان في زمن عيسى افترقوا بعد رفعه إلى السماء (فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم) يعني: على الذين كفروا (فأصبحوا ظاهرين) يعني: غالبين. وقيل: أيد الله الطائفة المؤمنة على الكافرة فأصبحوا غالبين في زمن عيسى. وقيل: أيد الله الذين آمنوا في زمن عيسى بإظهار محمد على دين الكفار. وقيل: أيدنا الآن المسلمين على الفرقة الضالة لأن عيسى بن مريم لم يقاتل أحدا ولم يكن في دين أصحابه بعده قتال. والحمد لله رب العالمين.

2947

التفسير التربوي لسورة الجمعة

قال القرطبي في التفسير: ((سورة الجمعة: مدنية في قول الجميع، وهي إحدى عشرة آية. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة). وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا الله له: يوم الجمعة، فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى)).

وقال ابن كثير في التفسير: «سورة الجمعة: وهي مدنية. عن ابن عباس وأبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين. رواه مسلم في صحيحه».

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «ولما ختمت الصف بإقبال بعض بني إسرائيل على جنابه الأقدس بعد أن زاغوا فأزاغ الله قلوبهم كلهم أو الشاذ منهم ثم تأييدهم على من استمر منهم على الزيغ، فثبت أن له تمام القدرة المستلزم لشمول العلم اللازم منه التنزه عن كل شائبة نقص، وكان سبحانه قد ذكر التسبيح الذي هو الأعظم الأشهر للتنزيه بلفظ الماضي ثلاث مرات في افتتاح ثلاث سور، وذلك نهاية الإثبات المؤكد، فثبت بذلك أنه وقع تنزيهه من كل ناطق وصامت».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «نزلت هذه السورة بعد سورة الصف السابقة. وهي تعالج الموضوع الذي عالجته سورة الصف، ولكن من جانب آخر، وبأسلوب آخر، وبمؤثرات جديدة. إنها تعالج أن تقر في أخلاد الجماعة المسلمة في المدينة أنها هي المختارة أخيرا لحمل أمانة العقيدة الإيمانية، وأن هذا فضل من الله عليها، وأن بعثة الرسول الأخير في الأميين وهم العرب منة كبرى تستحق الالتفات والشكر، وتقتضي كذلك تكاليف تنهض بها المجموعة التي استجابت للرسول، واحتملت الأمانة، وأنها موصولة على الزمان غير مقطوعة ولا منبتة، فقد قدر الله أن تنمو هذه البذرة وتمتد، بعدما نكل بنو إسرائيل عن حمل هذه الأمانة وانقطعت صلتهم بأمانة السماء، وأصبحوا يحملون التوراة كالحمار يحمل أسفارا، ولا وظيفة له في إدراكها، ولا مشاركة له في أمرها! تلك هي الحقيقة الرئيسية التي تعالج السورة إقرارها في قلوب المسلمين، من كان منهم في المدينة يومذاك على وجه الخصوص، وهم الذين أناط الله بهم تحقيق المنهج الإسلامي في صورة واقعة، ومن يأتي بعدهم ممن أشارت إليهم السورة، وضمتهم إلى السلسلة الممتدة على الزمان. وفي الوقت ذاته تعالج السورة بعض الحالات الواقعة في تلك الجماعة الأولى في أثناء عملية البناء النفسي العسيرة المتطاولة الدقيقة، وتخلصها من الجواذب المعوقة من الحرص والرغبة العاجلة في الربح، وموروثات البيئة والعرف، وبخاصة حب المال وأسبابه الملهية عن الأمانة الكبرى، والاستعداد النفسي لها. وتشير إلى حادث معين، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبهم في المسجد للجمعة حين حضرت قافلة من قوافلهم التجارية، فما إن أعلن نبأ قدومها حتى انفض المستمعون منصرفين إلى التجارة واللهو الذي كانت القافلة تحاط به، على عادة الجاهلية، من ضرب بالدفوف وحداء وهيصة! وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما، فيما عدا اثني عشر من الراسخين فيهم أبو بكر وعمر بقوا يستمعون! كما تذكر الروايات التي قد لا تكون دقيقة من حيث العدد ولكنها ثابتة من حيث وقوع هذه الحركة من عدد من الحاضرين اقتضى التنبيه إليها في القرآن الكريم. وفي السورة مباهلة مع اليهود بدعوتهم إلى تمني الموت للمبطلين من الفريقين وذلك ردا على دعواهم أنهم أولياء الله من دون الناس، وأنهم شعب الله المختار، وأن بعثة الرسول في غيرهم لا تكون! كما كانوا يدعون! مع جزم القرآن بأنهم لن يقبلوا هذه المباهلة التي دعوا إليها فنكلوا عنها لشعورهم ببطلان دعواهم. وتعقب السورة على هذا بتقرير حقيقة الموت الذي يفرون منه، وأنه ملاقيهم مهما فروا، وأنهم مردودون إلى عالم الغيب والشهادة فمنبئهم بما كانوا يعملون. وهو تقرير لا يخص اليهود وحدهم، إنما يلقيه القرآن ويدعه يفعل فعله في نفوس المؤمنين كذلك. فهذه الحقيقة لا بد أن تستقر في نفوس حملة أمانة الله في الأرض، لينهضوا بتكاليفها وهم يعرفون الطريق! هذا هو اتجاه السورة، وهو قريب من اتجاه سورة الصف قبلها، مع تميز كل منهما بالجانب الذي تعالجه، وبالأسلوب الذي تأخذ القلوب به، والظلال التي تلقيها هذه وتلك في الاتجاه الواحد العام».

2948

الآية 1

قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِين﴾ (الجمعة: 1)

(1) قوله تعالى: (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم). فيه تربية على تسبيح الله تعالى وتقديسه وتعظيمه بالصفات الدالة على كمال قدره وجلال منزلته لأنه مستحق لذلك. وفيه ترغيب بالتسبيح من خلال التذكير بأن كل ما سوى الله يسبح الله، فإذا أقدم المسلم على التسبيح كان في تناسق وتناغم مع الحياة والكون والأحياء من حوله، وإذا لم يفعل كان في شقاق ونزاع مع الحياة والكون والأحياء من حوله. فقوله تعالى: (يسبح لله) يعني: ينزهه ويمجده ويعظمه طوعا وكرها (ما في السموات) يعني: السبع (وما في الأرض) يعني: من خلقه (الملك) يعني: الذي له ملك الدنيا والآخرة وسلطانهما، النافذ أمره في السموات والأرض وما فيهما (القدوس) يعني: الطاهر من كلّ ما يضيف إليه المشركون به ويصفونه به مما ليس من صفاته المبارك (العزيز) يعني: الشديد في انتقامه من أعدائه (الحكيم) يعني: في تدبيره خلقه وتصريفه إياهم فيما هو أعلم به من مصالحهم.

2949

الآيات 2-4

(2) و (3) و (4) قوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم). لما أثبت التوحيد في الآية السابقة أثبت النبوة في هذه الآيات. وفيه بيان أن مهمة الرسل هي التربية على منهج النبوة فالله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم معلما ومربيا ولم يبعثه جابيا. وفيه بيان أن التربية تقوم على ثلاثة أركان: العلم، والعمل، ومطابقة العمل للعلم. كما تتضمن التربية مر حلتين متداخلتين هما: التخلية والتحلية أو الهدم والبناء. ومن التربية: القراءة الصحيحة والكتابة السليمة والتطهير من الشرك والذنوب وقبائح الأمور. فقوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين) يعني: العرب كلهم، من كتب منهم ومن لم يكتب لأنهم لم يكونوا أهل كتابة، وقيل: الأميون الذين لا يكتبون وكذلك كانت قريش، وقيل: الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب (رسولا منهم) يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، وما من حي من العرب إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة وقد ولدوه. قال الماوردي: فإن قيل ما وجه الامتنان في أن بعث نبيا أميا؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: (أحدها) لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء. (والثاني) لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم. (والثالث) لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعا إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها. وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته. وقوله: (يتلو عليهم آياته) يعني: القرآن (ويزكيهم) يعني: يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان، وقيل: يطهرهم من دنس الكفر والذنوب (ويعلمهم الكتاب) يعني: القرآن (والحكمة) يعني: السنة، وقيل: (الكتاب) يعني: الكتابة (والحكمة) يعني: الفقه والفهم (وإن كانوا من قبل) يعني: من قبله وقبل أن يرسل إليهم (لفي ضلال مبين) يعني: ذهاب عن الحق واضح. (وآخرين منهم) يعني: وبعث في آخرين منهم (لما يلحقوا بهم) يعني: لم يكونوا في زمانهم وسيجيئون بعدهم، وقيل: لم يكونوا في مكانهم وبعث إليهم وهم العجم، وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه سورة الجمعة، فلما قرأ (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا، قال: وفينا سلمان الفارسي، قال: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء». وقوله تعالى: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) يعني: الإسلام، وقيل: الوحي والنبوة، وقيل: إنه المال ينفق في الطاعة، وقد روى مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم، فقال: «وما ذاك»؟ قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة». قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فلعنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ وقوله: (والله ذو الفضل العظيم) يعني: صاحب الفضل وماله يجعله حيث يشاء.

2950