التفسير التربويالجزء 1 · ص 352 - 359

الآيات 121-122

الآيات 121-122

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون﴾ (آل عمران: 121-122)

(1) النصف الأمل من هذه السورة نزل في وفد نجران وكان موضوعه الدعوة إلى الله بالحوار والبيان والحجة واللسان, والنصف الثاني من هذه السورة اعتبارا من هذه الآية وإلى أواخر السورة تقريبا نزل في غزوة أحد وموضوعه الدعوة إلى الله من خلال القتال, وفيه تقييم لهذه التجربة بحسناتها وسيئاتها. ومع أنّ النصف الثاني من السورة نزل قبل النصف الأول فإنّ الترتيب في القرآن جاء معاكسا للنزول الزمني والتسلسل الزمني للأحداث، فدل هذا الترتيب على أمر تربوي هام وهو أنّ الدعوة إلى الله بطريق الحوار والحجة والبيان والكلام يجب أن تسبق الدعوة إلى الله بطريق القتال أي باختصار: معركة القلم قبل معركة السيف, وإذا تحققت أهداف الدعوة من خلال القلم فلا حاجة للسيف.

(2) وفي هذه السورة، واعتبارا من هذه الآية، سبعون آية موضوعها غزوة أحد, وهذه الدراسة النقدية لغزوة أحد وتبيان الأخطاء التي وقع فيها المسلمون والتي كانت سببا في هزيمتهم, هذه الدراسة تدل على منهج الإسلام في التربية, ذلك المنهج القائم على الاستفادة من التجارب بشكل عام, والاستفادة من تجارب المسلمين أنفسهم بشكل خاص, والاستفادة من التجربة الذاتية بشكل أخص, والاستفادة من التجربة تقوم على دراسة التجربة دراسة نقدية سواء كانت التجربة ناجحة أم كانت فاشلة, وسواء كانت التجربة نصرا أم كانت هزيمة, ولعل الدراسة النقدية للتجربة الفاشلة التي انتهت بالهزيمة والاستفادة منها أهم من دراسة التجربة الناجحة وهذا ما حصل في غزوة أحد.

352

(3) قوله تعالى: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِك). لو أنّ الله تعالى لم يقل (مِنْ أَهْلِكَ) لكان معنى الآية تاما, فلماذا ذكر الأهل في هذه الآية؟ لقوله تعالى (مِنْ أَهْلِكَ) مدلولان تربويان: (الأول) إنّ خطر الموت والقتل في المعركة قائم, والذي يحزّ في قلب الإنسان هو مفارقة الأهل بسبب من الموت والقتل, وذلك للمسؤولية التي يحملها الإنسان تجاه أهله وخاصة زوجته, فهو يُحِسُّ أنه يتركهم من غير حافظ يحفظهم ومن غير مدبر يقوم بشؤونهم ويرعاهم, ولأنّ هذه التجربة قد يمر بها كل مقاتل في سبيل الله فقد خصّ هنا رسول الله بالذكر ليكون أسوة وقدوة للمجاهدين في سبيل الله, فإحساس المسلم أنّ التجربة التي يمر بها شبيهة بتجربة رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفعه للمضي قدما في هذه التجربة. (والثاني) قوله تعالى: (مِنْ أَهْلِكَ) المراد به من عند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها, فدلّ ذلك على أنها أهل للنبي صلى الله عليه وسلم, ودل ذلك على براءتها من كل قبيح لأنّ في ذكرها في القرآن تكريم لها, ودل ذلك على الأدب التربوي الذي يجب على كل مسلم أن يحمله تجاه السيدة عائشة رضي الله عنها, قال الإمام الرازي: ((يُروى أنه عليه السلام غدا من منزل عائشة رضي الله عنها فمشى على رجليه إلى أحد, وهذا قول مجاهد والواقدي, فدل هذا النص على أنّ عائشة كانت أهلا للنبي صلى الله عليه وسلم, وقال تعالى: (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُون) (النور: 26), فدلّ هذا النص على أنها مطهرة مبرأة من كل قبيح, ألا ترى أنّ ولد نوح لما كان كافرا قال تعالى: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِك) (هود: 46) وكذلك امرأة لوط)).

(4) قوله تعالى: (تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم). المراد بقوله (تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ) هو مشاورته صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم أحد في الإقامة بالمدينة أو الخروج منها لملاقاة المشركين, فمنهم من قال: أقم بالمدينة, ومنهم من قال: أخرج منها لملاقاة المشركين, (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي: سميع لما قاله المسلمون من الإقامة أو الخروج, عليم: بنياتهم وضمائرهم إن كانوا صادقين في قولهم أو كان لهم غرض آخر من القول, فدلّ ذلك على أنّ المستشار مؤتمن وأنّ الله مطلع على سريرته مهما قال, وفي ذلك تربية للمسلمين على الإخلاص في المشورة وأن يكون باطنهم كظاهرهم, فلا يشيرون برأي ولهم غرض آخر منه.

(5) قوله تعالى: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم). حقيقة الحضور الإلهي بسمعه وعلمه حقيقة من أهم أركان التربية القرآنية, وهذه الحقيقة يحرص القرآن على تقريرها والتذكير بها دائما, لأنّ منهج التربية في الإسلام يقوم على هذه الرقابة الدائمة من الله للناس, والضمير البشري لا يستقيم على التكاليف الإلهية ما لم تستقر فيه هذه الحقيقة بكل قوتها وكل حيويتها, والمسلم لا يقصّر في أداء الطاعة أو يفرّط فيقع في المعصية إلا في غفلة عن هذه الحقيقة, فحذار أيها المسلم من نسيان هذه الحقيقة أو الغفلة عنها.

353

(6) قوله تعالى: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا). نقف هنا أمام حالة من الضعف والفشل والجبن البشري الذي أصاب طائفتين من الأنصار هما: بنو حارثة وبنو سلمة, وذلك أنّ عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق، لما رجع بثلث الجيش لأنّ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لم يأخذ برأيه في البقاء في المدينة تذرع بأنه لا قتال ولو يعلم أنّ القتال حاصل لبقي مع المسلمين, فراود الضعف والجبن البشري هاتين الطائفتين من الأنصار بسبب من موقف ابن سلول, فكان العلاج القرآني التربوي لهذه الحالة قوله تعالى (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) وكان الأثر التربوي لهذا النص ما قاله جابر بن عبد الله الأنصاري: ((فينا نزلت (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا), ونحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب (أو ما يسرني) أنها لم تنزل لقوله تعالى: (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا)) (البخاري), فانظر إلى أثر هذه الجملة في نفوس صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(7) قوله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون). قال الطبري: «أي: من كان به ضعف من المؤمنين أو وهن فليتوكل عليّ, وليستعن بي أعنه على أمره وأدفع عنه, حتى أبلغ به وأقويه على نيته». إنّ المدلول التربوي لهذه الآية هو ضرورة التوكل على الله خاصة إذا ضاقت بالمؤمن السبل وتقطعت به الأسباب واسودّت في وجهه الدنيا, فالمؤمن لا يطلب الدنيا إلا من الله, ومن طلب الدنيا من غير الله فشل وذل وخاب وخسر، والتوكل في اللغة إظهار العجز والاعتماد على الغير, وفي الشرع التوكل هو الاعتماد على الله بعد الأخذ بالأسباب, والاعتماد على الله مع ترك الأخذ بالأسباب هو من التواكل الذي نهى عنه الله ورسوله, قال سهل بن عبد الله التستري: ((من قال: إنّ التوكل يكون بترك السبب فقد طعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , لأنّ الله عز وجل يقول: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبا) (الأنفال: 69) والغنيمة سبب)) (القرطبي), وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعقلها وتوكل» (الترمذي).

354

الآية 123

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ (آل عمران: 123)

(1) قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ أَذِلَّة). قال الحسن البصري: «أي: قليل» (الطبري), وقال ابن اسحق: «أي: أقل عدد وأضعف قوة» (الطبري), فالمراد من الذلة هنا قلة العدد وضعف الحال وقلة السلاح والمال, وليس الذلة بالمعنى الإيماني, إذ إنّ المسلمين أعزة وإن كانوا قليلين, فهم أعزة بإيمانهم وارتباطهم بالله, وذلك معنى قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِين) (المنافقون: 8)، وقوله تعالى: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين) (آل عمران: 139).

(2) قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون). قال ابن اسحق: «فاتقون فإنه شكر نعمتي» (الطبري), و(لعل) هنا ليست للترجي وإنما هي بمعنى (كي) فهي تفيد اليقين, قال الطبري: «يقول: لتشكروه على ما منّ به عليكم من النصر على أعدائكم وإظهار دينكم ولما هداكم من الحق الذي ضل عنه مخالفوكم», وفي هذه الآية بيان وتربية للمسلمين على أنّ شكر الله على نعمه ليس بالثناء القولي وإنما بالتقوى, فمن اتقى الله بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه فقد شكر, ومن خالف الله فيما أمر به أو نهى عنه فلم يشكر الله وإن تلفظ بكلمة الشكر فقالها بلسانه.

355

الآيات 124-127

قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِين﴾ (آل عمران: 124-127)

(1) نلمح في هذه الآيات أسلوب التربية بالأحداث (غزوة أحد) وأسلوب التربية بالتعقيب على الأحداث (غزوة بدر), وهذا أسلوب تربوي معهود في القرآن, في هذه الآيات وفي غيرها، ولعل من أهم الأحداث هنا هو حضور الملائكة لغزوة بدر والمشاركة فيها. قال ابن عباس: «لم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر, وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون» (الطبري), وقال قتادة: «أمدوا بألف, ثم صاروا ثلاثة آلاف, ثم صاروا خمسة آلاف» (الطبري). وقال ابن عباس: «حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف على بدر, ونحن مشركان ننتظر الوقعة, على من تكون الدبرة فننتهب مع من ينتهب, قال: فبينا نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة, فسمعنا فيها همهمة خيل, فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم, قال: فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه, وأما أنا فكدت أهلك, ثم تماسكت» (الطبري). وقال أبو داود المازني, وكان شهد بدرا: «إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه, إذ وقع رأسه قبل أن يصل سيفي, فعرفت أنه قد قتله غيري» (الطبري). وسأل أبو لهب ابن أخيه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: «يا بن أخي, أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء والله, إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاءوا! وأيم الله, مع ذلك ما لمت الناس, لقينا رجالا بيضا على خيل بلق ما بين السماء والأرض, ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء» (الطبري). وقال ابن عباس: «كان الذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو أخو بني سلمة, وكان أبو اليسر رجلا مجموعا, وكان العباس رجلا جسيما, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي اليسر: كيف أسرت العباس؟ قال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده, هيئته كذا وكذا, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أعانك عليه ملك كريم» (الطبري). قال القرطبي: ((نزول الملائكة سبب من أسباب النصر لا يحتاج إليه الرب تعالى, وإنما يحتاج إليه المخلوق فليعلق القلب بالله وليثق به, فهو الناصر بسبب وبغير سبب: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون) (يس: 82)، أخبر بذلك ليمتثل الخلق ما أمرهم به من الأسباب التي قد خلت من قبل: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا) (الأحزاب: 62)، ولا يقدح ذلك في التوكل. وهو رد على من قال: إنّ الأسباب إنما سنت في حق الضعفاء لا الأقوياء, فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا الأقوياء وغيرهم هم الضعفاء, وهذا واضح)).

356

(2) قوله تعالى: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّه). قال القرطبي: «يعني نصر المؤمنين, ولا يدخل في ذلك نصر الكافرين, لأنّ ما وقع لهم من غلبة إنما هو إملاء ومحفوف بخذلان وسوء عاقبة وخسران». قلت: النصر كله من عند الله سواء كان نصرا للمؤمنين على الكافرين أم كان نصرا للكافرين على المؤمنين, فظاهر النص أنّ كلا النصرين من عند الله, والنص على عمومه وإطلاقه فلا تخصيص له من دون مخصص, ونصر المؤمنين ابتلاء من الله, ونصر الكافرين إملاء لهم من الله. قال صاحب الظلال: «وهكذا يحرص السياق القرآني على رد الأمر كله لله, كي لا يعلق بتصور المسلم ما يشوب هذه القاعدة الأصلية: قاعدة رد الأمر جملة إلى مشيئة الله الطليقة, وإرادته الفاعلة, وقدره المباشر. وتنحية الأسباب والوسائل عن أن تكون هي الفاعلة, وإنما هي أداة تحركها المشيئة, وتحقق بها ما تريد». قلت: ومع ذلك فالأخذ بالأسباب واجب شرعا كما سبق وقررنا ذلك بأدلته في أكثر من موضع.

357

الآيات 128-129

قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم﴾ (آل عمران: 128-129)

(1) قوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْء). قال ابن عمر رضي الله عنه: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم العن فلانا وفلانا, اللهم العن الحارث بن هشام, اللهم العن سهيل بن عمرو, اللهم العن صفوان بن أمية، فنزلت هذه الآية» (البخاري). والأدب التربوي الذي يؤخذ من هذا الحديث في سبب نزول الآية هو عدم جواز لعن الكافر الحي وإن كان جائزا لعن الكافرين بالجملة أو لعنهم على صفة الكفر, وذلك أنّ الكافر الحي لا أحد يعلم ما يختم الله له في عمله, واللعن معناه: الطرد من رحمة الله, وفي الحديث: «وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (مسلم). ومن الآداب التربوية في مسألة اللعن أنه لا يجوز لعن المؤمن حيا ولا ميتا, وكذلك لا يجوز لعن الفاسق حيا ولا ميتا, وإن كان جائزا لعن الفاسقين بالجملة أو لعنهم على صفة الفسق, فجائز لعن شارب الخمر بشكل عام ولا يجوز لعن شخص بعينه يشرب الخمر, ويؤخذ مما سلف عدم جواز لعن المعين الحي مهما كان كافرا أم فاسقا أم مؤمنا. ومن الآداب التربوية في اللعن أيضا عدم جواز اللعن بشكل دائم بحيث يكون ديدنا وصفة, وذلك معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعانا» (مسلم), وقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان» (الترمذي), والإنسان لا يسمى لعانا ما لم يكن ذلك ديدنا عنده وعادة.

(2) قوله تعالى: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُم) وكذلك قوله تعالى: (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء). قدم جانب التوبة والمغفرة على جانب العذاب ليدل على أنّ رحمته سبقت غضبه كما في الحديث: «إنّ الله كتب عنده في كتاب: إنّ رحمتي سبقت غضبي» (البخاري), وليدل على أنه لا يهلك على الله إلا من تعمد الهلاك وأصر عليه, وفي الحديث: «ولا يهلك على الله إلا هالك» (مسلم).

(3) قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض) بعد قوله: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُم). يدل على أنه ليس لله حاجة في عذاب أحد, لأنّ من يحتاج لتعذيب الآخرين يكون ناقص الملكية, فيعذب الآخرين كي يتم ملكه ويشبع حاجته إلى الملك, وهذا على الله محال لأنّ له الملك الكامل والمطلق وذلك قوله (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ).

358

الآيات 129-132

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ (آل عمران: 129-132)

(1) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَة). لهذا النهي عن أكل الربا في سياق الكلام على غزوة أحد مدلوله التربوي, فلننظر ما قاله المفسرون. قال القرطبي: ((هذا النهي عن أكل الربا اعتراض بيّن أثناء قصة أحد, قال ابن عطية: ولا أحفظ في ذلك شيئا مرويا. قلت: وإنما خص الربا من بين سائر المعاصي لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب في قوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِه) (البقرة: 279)، والحرب يؤذن بالقتل, فكأنه يقول: إن لم تتقوا الربا هزمتم وقتلتم. فأمرهم بترك الربا لأنه كان معمولا به عندهم والله أعلم)). وقال الرازي: «قال القفال: يحتمل أن يكون ذلك متصلا بما تقدم من جهة أنّ المشركين إنما أنفقوا على تلك العساكر أموالا جمعوها بسبب الربا, فلعل ذلك يصير داعيا للمسلمين إلى الإقدام على الربا حتى يجمعوا المال وينفقوه على العسكر فيتمكنون من الانتقام منهم, فلا جرم نهاهم الله عن ذلك». وقال صاحب الظلال: «ومن شأن هذا النظام، أي النظام الربوي، أن يفسد الحياة النفسية والخُلقية, كما إنّ من شأنه أن يفسد الحياة الاقتصادية والسياسية, ومن ثم تتبين علاقته بحياة الأمة كلها, وتأثيره في مصائرها جميعا, والإسلام وهو ينشئ الأمة المسلمة كان يريد لها نظافة الحياة النفسية والخلقية كما كان يريد لها سلامة الحياة الاقتصادية والسياسية, وأثر هذا وذاك في نتائج المعارك التي تخوضها الأمة معروف، فالنهي عن أكل الربا في سياق التعقيب على المعركة الحربية أمر يبدو إذن مفهوما في هذا النهج الشامل البصير».

(2) قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون). معناه: واتقوا الله لكي تفلحوا, و(لعل) هنا بمعنى (كي). والمدلول التربوي لهذه الآية هو أنّ من اتقى الله بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه أفلح في الآخرة وأنجح, ولا فلاح يوم القيامة من دون تقوى الله.

(3) قوله تعالى: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين). إنّ وصف النار بأنها (أُعِدَّت) أي فهي مهيأة ومجهزة وموجودة, له أثر كبير في الترهيب منها, وهو أكبر من الأثر التربوي الذي تحدثه هذه الآية لو كانت النار غير موجودة الآن وستوجد يوم القيامة.

(4) قوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون). معناه: لترحموا, ومدلوله التربوي هو الترغيب في طاعة الله والرسول كي يحصل المؤمن على رحمة الله, ولا يرحم الله من لا يطيع الله والرسول, وهذه الآية هي ترغيب جاء بعد ترهيب كما هي عادة القرآن في الجمع بين الترغيب والترهيب.

359