التفسير التربويالجزء 1 · ص 360 - 367

الآيات 133-136

الآيات 133-136

قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِين﴾ (آل عمران: 133-136)

(1) قوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُم). معناه: وسارعوا إلى توبة توجب المغفرة, وهذا الترغيب في التوبة لأنّ الذي يشجع على ذلك هو الله الذي يقبل التوبة من عباده, والاستغفار ليس مجرد القول باللسان: أستغفر الله, بل هو طلب المغفرة من الله وذلك يكون بعد التوبة, أما أن يطلب المذنب المغفرة من الله وهو غير تائب من ذنبه فذلك طلب لا معنى له, قال الإمام القرطبي: «قال علماؤنا: الاستغفار المطلوب هو الذي يُحِل عقد الإصرار ويثبت معناه في الجنان, لا التلفظ باللسان, فأما من قال بلسانه أستغفر الله وقلبه مصر على معصيته, فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار, وصغيرته لاحقة بالكبائر، ورُوي عن الحسن البصري أنه قال: استغفارنا يحتاج إلى استغفار، قلت: هذا يقوله في زمانه, فكيف في زماننا هذا؟ الذي يُرى فيه الإنسان مكبّا على الظلم, حريصا عليه لا يقلع عنه, والسبحة في يده زاعما أنه يستغفر الله من ذنبه, وذلك استهزاء منه واستخفاف».

(2) قوله تعالى: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين). معناه: وسارعوا إلى جنة عرضها السموات والأرض وتلك الجنة معدة لمن اتقى الله, وفيه ترغيب في دخول الجنة من خلال تبيان عظم سعتها, فإذا كان عرضها السماوات والأرض فطولها أكبر من ذلك, وفيه ترغيب للمسلم بأن يكون من المتقين كي يدخل الجنة لأنّ الجنة معدة للمتقين, ثم ذكر صفات المتقين مرغبا المسلمين كي يتصفوا بها فيفوزا بدخول الجنة فذكر هنا خمس صفات هي: (الأولى) الذين ينفقون في السراء والضراء. (والثانية) والكاظمين الغيظ. (والثالثة) والعافين عن الناس. (والرابعة) والله يحب المحسنين. (والخامسة) التوبة من الذنوب بعدم الإصرار عليها. فلنتكلم عن هذه الصفات ومدلولاتها التربوية عسى أن نتصف بها فنفوز بثوابها وهو الجنة.

(3) قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاء). السراء: اليسر والرخاء, والضراء: العسر والشدة, وقد تكلمنا عن المدلولات التربوية للإنفاق في أكثر من موضع ونوجز هنا فنقول: في الإنفاق تهذيب وتزكية وتطهير لنفس المنفق, وفيه ترضية وتندية لنفس المنفق عليه, وفيه إقامة لمبدأ التكافل الاجتماعي في المجتمع المسلم وإقامة لحبل المودة والألفة والأخوة بين المسلمين. وخصّ في هذه الآية الإنفاق في السراء أي في اليسر والرخاء لأنّ اليسر قد يؤدي إلى البطر وبالتالي ترك الإنفاق, وخصّ في هذه الآية الإنفاق في الضراء أي في العسر والشدة لأنّ العسر قد يؤدي إلى الضجر والنسيان وبالتالي ترك الإنفاق.

360

(4) قوله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ). معناه: السكوت على الغيظ وعدم إظهاره ورده إلى الجوف, والغيظ أوسع من الغضب وإن كان من جنسه, وقيل: الفرق بينهما أنّ الغضب يظهر على الجوارح والغيظ لا يظهر. وقد ذكر القرآن كظم الغيظ على سبيل الترغيب فيه لأنّ في إظهاره وإخراجه فساد بين الناس وإيذاء لهم في القول وفي العمل, وفي إظهاره جماع الشر كله, ومن هنا كان الترغيب في كظم الغيظ لإبقاء حبل المودة والألفة بين المسلمين, وفي السنة أحاديث ترغب في كظم الغيظ وعدم الغضب, منها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (البخاري), وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من جرعة يتجرعها العبد خير له وأعظم أجرا من جرعة غيظ في الله» (ابن ماجة)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيّره في أي الحور شاء» (أبو داود). وفي السنة النبوية علاج للغضب والغيظ يساعد المؤمن على جهاد نفسه في حال الغضب, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنّ الغضب من الشيطان، وإنّ الشيطان خُلق من نار, وإنما تطفأ النار بالماء, فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» (أبو داود)، فالوضوء علاج الغضب, وهنا علاج آخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس, فإن ذهب عنه وإلا فليضطجع» (أحمد وأبو داود).

(5) قوله تعالى: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاس). المراد من ذلك العفو عمن ظلمهم وأساء إليهم وأذنب في حقهم, ومعنى العفو: المسامحة, وأن لا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد, وهذا من كمال جهاد النفس وكمال تزكيتها. وفي الحديث ترغيب في العفو عن الناس, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سرّه أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه, ويعط من حرمه, ويصل من قطعه» (الحاكم). قال القرطبي: ((رُوي عن ميمون بن مهران أنّ جاريته جاءت ذات يوم بصحفة فيها مرقة حارة, وعنده أضياف، فعثرت فصبت المرقة عليه, فأراد ميمون أن يضربها, فقالت الجارية: يا مولاي, استعمل قوله تعالى (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ), فقال لها: قد فعلت, فقالت: اعمل ما بعده (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ), فقال: قد عفوت عنك, فقالت الجارية: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ), قال ميمون: قد أحسنت إليك, فأنت حرة لوجه الله تعالى, ورُوي عن الأحنف بن قيس مثله)).

361

(6) قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين). ذكر صفة الإحسان, وذكر أنه يُحب من اتصف بها, والمسلم إذا علم أنّ الله يحب من اتصف بصفة معينة كان ذلك كالباعث له على الاتصاف بهذه الصفة لأنّ الوصول إلى محبة الله غاية كل مسلم. وللإحسان معنيان: (الأول) الإحسان بين العبد وبين الله, وهو المذكور في حديث جبريل عليه السلام حين سأل محمدا صلى الله عليه وسلم: «أخبرني عن الإحسان؟ فقال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (البخاري). والأثر التربوي للإحسان هنا هو إقامة الرقابة الدائمة على السلوك سواء كان قولا أو عملا, ولا يخفى أثر هذه الرقابة في سلوك المؤمن لما تحمله من ترغيب في الطاعات ومن ترهيب من المعاصي. (الثاني) الإحسان بين العبد وأخيه, ومعناه: التنازل عن بعض الحق أو كله لوجه الله وابتغاء مرضاته, ولا يخفى الأثر التربوي للإحسان بهذا المعنى, ففيه تربية وتطهير للنفس من خلال العطاء والتنازل, وفيه ترضية وتندية لنفس الآخذ, وقيه إقامة لحبل المودة والألفة بين المسلمين.

362

(7) قوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُون). في هذه الآية ترغيب بالتوبة وترغيب بعدم الإصرار على الذنب, وذلك أنّ الإنسان ليس معصوما عن الذنب ولكن كل إنسان باستطاعته التوبة من الذنب وعدم الإصرار عليه, وفي ذلك يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «كل بني آدم خطاء, وخير الخطائين التوابون» (الترمذي), والمسلم إذا وقع في الذنب (ذَكَرُوا اللَّهَ) أي تذكر وعيده وعقابه على الذنوب, (فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم) أي طلب المغفرة من الله على الذنب, ولكن الاستغفار يكون بعد التوبة, ومن استغفر من دون توبة لا مغفرة له, وللتوبة شروط لابد من الإتيان بها حتى يكون المسلم تائبا: (أولها) الإقلاع عن الذنب, فليس تائبا من كان مقيما على ذنبه لا ينزع عنه، لأنّ التوبة معناها: الرجعة, والمقيم على الذنب ليس براجع عنه، (والثاني) الندم على الذنب, (والثالث) العزم على عدم العودة إليه، وهذان الشرطان منبعثان من إحساس المسلم بأنه ارتكب ذنبا, والذي لم يندم على فعله ولم يعزم على عدم العودة إليه لم يستشعر أنه ارتكب ذنبا, ومن لم يستشعر أنه ارتكب ذنبا فليس بتائب. (والرابع) رد الحق إلى أصحابه إن كان الذنب متعلقا بحقوق العباد, والذي لم يرد الحق إلى أصحابه ليس بتائب. وقد توعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المصرين على الذنوب فقال: «ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون» (أحمد), وفرّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الإصرار والتكرار بقوله: «ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» (أبو داود). وتشريع التوبة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم هو من رحمة الله بها وتخفيفه عنها, قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «كانت بنو إسرائيل إذا أذنبوا أصبح مكتوبا على بابه الذنب وكفارته, فأعطينا هذه الآية خيرا من ذلك» (الطبري)، فليستشعر المسلم رحمة الله به وليبادر إلى الأخذ بها إذا وقع في الذنب كي لا يبقى مع الهالكين.

363

(8) قوله تعالى: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّه). استفهام إنكاري ومعناه: لا أحد يغفر الذنوب إلا الله, وهو أبلغ أثرا في التذكير بحقيقة مغفرة الله لذنوب عباده وفي الترغيب في طلب المغفرة، وفي تذكيره تعالى للمؤمنين بمغفرته للذنوب تذكير لهم بالتوبة. قال الإمام القرطبي: «قال علماؤنا: الباعث على التوبة وترك الإصرار إدامة الفكر في كتاب الله العزيز الغفار, وما ذكره الله سبحانه من تفاصيل الجنة ووعد به المطيعين, وما وصفه من عذاب النار وتهدد به العاصين, ودام على ذلك حتى قوي خوفه ورجاؤه فدعا الله رغبا ورهبا, والرغبة والرهبة ثمرة الخوف والرجاء, يخاف من العقاب ويرجو الثواب, والله الموفق للصواب». وقال الإمام الرازي في المدلول التربوي لقوله تعالى (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّه): «المقصود منه أن لا يطلب العبد المغفرة إلا منه, وذلك لأنه تعالى هو القادر على عقاب العبد في الدنيا والآخرة, فكان هو القادر على إزالة ذلك العقاب عنه, فصح أنه لا يجوز طلب الغفران إلا منه», فليس في الإسلام من يمنح صكوكا للغفران كما هو الحال في النصرانية, وليس من الإسلام في شيء أن يذهب المسلم إلى الشيخ فيقر له بالذنب كي يطلب الشيخ من الله أن يغفر لذلك المذنب, إنّ التوبة وطلب المغفرة علاقة مباشرة بين العبد وبين الله فلا وسيط بين المسلم وربه.

(9) قوله تعالى: (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا). اعلم أنّ المطلوب بالنسبة للمسلم المذنب أمران: (الأول) هو الأمن من العقاب على الذنب, وإليه الإشارة بقوله (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِم). (والثاني) هو الحصول على الثواب, وإليه الإشارة بقوله (وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) .

(10) قوله تعالى: (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِين). مديح على التقوى وترغيب على الاتصاف بصفات المتقين من خلال المديح بأجر المتقين وهو الجنة, وهذا يعني المديح على الثواب ترغيبا في العمل الذي كان سببا في ذلك الثواب.

364

الآيات 137-139

قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين﴾ (آل عمران: 137-139)

(1) قال الإمام الرازي: ((اعلم أنّ الله تعالى لما وعد على الطاعة والتوبة من المعصية الغفران والجنات, أتبعه بذكر ما يحملهم على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية, وهو تأمل أحوال القرون الخالية من المطيعين والعاصين فقال (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَن)), قلت: قوله تعالى (فَسِيرُوا) يفيد وجوب السياحة إلى أماكن وآثار الأمم المكذبة للتأمل والاعتبار بما حل بهم من نقمة الله ومن زوالهم من الأرض بعد أن كانوا فيها متكبرين متجبرين.

(2) قوله تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِين). قال ابن اسحق: ((استقبل ذكر المصيبة التي نزلت بهم، يعني بالمسلمين يوم أحد، والبلاء الذي أصابهم, والتمحيص لما كان فيهم, واتخاذ الشهداء منهم, فقال تعزية لهم وتعريفا لهم فيما صنعوا, وما هو صانع بهم (قد خلت) الآية, أي: قد مضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلي والشرك بي, عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين, فسيروا في الأرض تروا مثلات قد مضت فيهم, ولمن كان على مثل ما هم عليه من ذلك مني, وإن أمليت لهم, أي: لئلا تظنوا أنّ نقمتي انقطعت عن عدوي وعدوكم, للدولة التي أدلتها عليكم بها, لأبتليكم بذلك, لأعلم ما عندكم)) (الطبري). وقال قتادة: «متّعهم في الدنيا قليلا, ثم صيّرهم إلى النار» (الطبري). وفي هذه الآية ترغيب للمؤمنين على الصبر في الإيمان وعلى جهاد عدوهم, وفيها ترهيب للمشركين ووعيد بنصر المؤمنين عليهم في الدنيا وبالعقاب الشديد يوم القيامة.

(3) قوله تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِين). قال الإمام ابن كثير: ((ثم قال تعالى (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) يعني أنّ القرآن فيه بيان الأمور على جليتها وكيف كان الأمم الأقدمون مع أعدائهم, (وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ) يعني القرآن فيه خبر ما قبلكم, وهدى لقلوبكم, وموعظة أي زاجر عن المحارم والمآثم)), وخصّ المتقين بالبيان والهدى والموعظة لأنهم أهل الانتفاع بذلك, وذلك لامتلاكهم الرغبة في الحق والقدرة على اختيار الحق, ولامتلاكهم القلب المفتوح الذي يبحث عن الكلمة الهادية والعظة البالغة.

365

(4) قوله تعالى: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين). قال الإمام الرازي: ((اعلم أنّ الذي قدمه من قوله (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَن) وقوله (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاس) كالمقدمة لقوله (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا) كأنه قال: إذا بحثتم عن أحوال القرون الماضية علمتم أنّ أهل الباطل وإن اتفقت لهم الصولة لكن كان مآل الأمر إلى الضعف والفتور, وصارت دولة أهل الحق عالية, وصولة أهل الباطل مندرسة, فلا ينبغي أن تصير صولة الكفار عليكم يوم أحد سببا لضعف قلبكم ولجبنكم وعجزكم, بل يجب أن يقوى قلبكم, فإنّ الاستعلاء سيحصل لكم والقوة والدولة راجعة إليكم)). وقال الزهري: «كثر في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم القتل والجراح, حتى خلص إلى كل منهم البأس, فأنزل الله عز وجل القرآن فآسى فيه المؤمنين بأحسن ما آسى به قوما من المسلمين كانوا قبلهم من الأمم الماضية» (الطبري). وقال قتادة: «يعزي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كما تسمعون, ويحثهم على قتال عدوهم, وينهاهم عن العجز والوهن في طلب عدوهم في سبيل الله» (الطبري). قلت: لو كان مصدر التعزية من الناس لكان له أثر كبير في النفوس, فكيف يكون أثر التعزية والمواساة إذا كان مصدرها الله تعالى؟!.

366

الآيات 140-141

قوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِين﴾ (آل عمران: 140-141)

(1) قوله تعالى: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُه). معناه: إن يصيبكم أيها المؤمنون جراحات وقتل في غزوة أحد فقد أصاب المشركين جراحات وقتل في غزوة بدر وفي بداية غزوة أحد. والمدلول التربوي لهذا القول هو التهوين من المصيبة التي أصابت المسلمين يوم أحد من خلال تذكيرهم بمصيبة الكافرين يوم بدر وفي بداية أحد, وهذه قاعدة تربوية في تهوين المصائب من خلال التذكير بمصائب الآخرين.

(2) قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس). معناه: مرة ينتصر المسلمون ومرة ينهزم المسلمون, وذلك لحكمة يعلمها الله, فإن اجتهدنا في الكلام على هذه الحكمة نقول: هناك حكمة تربوية من ذلك وهي ابتلاء المسلمين بالنصر وابتلاء المسلمين بالهزيمة كي يظهر الخبيث من الطيب والصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق, وذلك أنّ الناس قد يصبرون على النصر ولا يصبرون على الهزيمة, وقد يكون العكس فيصبرون على الهزيمة ولا يصبرون على النصر, والصبر على النصر أصعب من الصبر على الهزيمة بخلاف ما قد يتصوره الناس من أنّ النصر لا حاجة للصبر فيه, وذلك أنّ المسؤولية في حال النصر تكبر وتزداد ويصبح المسلمون مسؤولين عن غيرهم كما هم مسؤولون عن أنفسهم حيث ينضم إليهم الناس على سبيل الإسلام أو على سبيل التعايش والقبول بحكم المسلمين.

(3) قوله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاء). فيه تربية على مفهوم جديد للشهادة, فقد يظن المسلم أنّ الشهادة بلاء ومصيبة, وقد يظن المسلم أنّ باستطاعته أن يصبح شهيدا وذلك بالقتال حتى الموت, وكلا التصورين ليس صحيحا, فالله هو الذي يختار الشهداء لنفسه (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ), وهو الذي يمنح الشهادة لمن يستحقها, فالشهادة منزلة عظيمة يوم القيامة قريبة من درجة النبوة, قال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقا) (النساء: 69).

(4) قوله تعالى: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِين). ترهيب من الظلم ووعيد عليه, وذلك أنّ المؤمن إذا علم أنّ الله لا يحب الظالمين اجتهد أن لا يكون منهم, واجتهد أن يكون ممن يحبهم الله.

(5) قوله تعالى: (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِين). معناه: إنّ الله ابتلى المؤمنين بالهزيمة ليميز الصادق من الكاذب, والمؤمن الخالص الإيمان من المؤمن الذي في إيمانه شوائب, والتحميص على مستوى الفرد هو كشف لمكنونات الشخصية وتطهير لها وتنقية مما يشوبها من الشوائب بحيث تصبح خالصة لله نقية وطاهرة, وعند ذلك تكون مستعدة للقيام بأمر الرسالة, رسالة الخلافة في الأرض وإعمارها, وأما محق الكافرين فهو استئصالهم وإهلاكهم والمراد به الكافرين من مشركي قريش وغيرهم وقد حصل ذلك.

367