التفسير التربويالجزء 1 · ص 368 - 376

الآيات 142-143

الآيات 142-143

قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُون﴾ (آل عمران: 142-143)

(1) قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِين). هذه الآية تدل على أنّ دخول الجنة لا يكون إلا بالجهاد والصبر, وفيها تربية على أن دخول الجنة لا يكون بمجرد القول والادعاء بل لا بد لهذا الادعاء الإيماني من تصديق عملي, وهذا التصديق يكون بجهاد أعداء الله وبالصبر على هذا الجهاد. قال الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: ((المراد أنّ دخول الجنة وترك المصابرة على الجهاد لا يجتمعان، ثم قال: واعلم أنّ حاصل الكلام أنّ حب الدنيا لا يجتمع مع سعادة الآخرة, فبقدر ما يزداد أحدهما ينتقص الآخر, وذلك لأنّ سعادة الدنيا لا تحصل إلا باشتغال القلب في طلب الدنيا, والسعادة في الآخرة لا تحصل إلا بفراغ القلب من كل ما سوى الله وامتلائه من حب الله, وهذان الأمران مما لا يجتمعان, فلهذا السر وقع الاستبعاد الشديد في هذه الآية من اجتماعهما, وأيضا حب الله وحب الآخرة لا يتم بالدعوى, فليس كل من أقر بدين الله كان صادقا, ولكن الفصل فيه تسليط المكروهات والمحبوبات, فإنّ الحب هو الذي لا ينتقص بالجفاء ولا يزداد بالوفاء, فإن بقي الحب عند تسليط أسباب البلاء ظهر أنّ ذلك الحب كان حقيقيا, فلهذه الحكمة قال (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ) بمجرد تصديقكم الرسول قبل أن يبتليكم الله بالجهاد وتشديد المحنة، والله أعلم)).

(2) قوله تعالى: (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُون). المدلول التربوي لهذه الآية هو دور التجربة في تحويل الأمر من الخيال إلى الواقع, ومن هنا ضرورة أن يوازن المسلم في إحساسه بين تمني القتال وبين الثبات على القتال, ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو, وسلوا الله العافية, فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنّ الجنة تحت ظلال السيوف» (البخاري), وتمني الموت هنا هو تنمي قتال العدو والفوز بالشهادة المبنية على الجهاد والصبر لا أن يضع المسلم نفسه في موضع القتل فذاك معصية وانتحار. قال الإمام القرطبي: «الآية عتاب في حق من انهزم, ولاسيما كان منهم حمل للنبي صلى الله عليه وسلم على الخروج من المدينة, وتمني الموت يرجع من المسلمين إلى تمني الشهادة المبنية على الثبات والصبر على الجهاد, لا إلى قتل الكفار لهم, لأنه معصية وكفر ولا يجوز إرادة المعصية, وعلى هذا يحمل سؤال المسلمين من الله أن يرزقهم الشهادة, فيسألون الصبر على الجهاد وإن أدى إلى القتل».

368

الآية 144

قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِين﴾ (آل عمران: 144)

(1) أهم مدلول تربوي لهذه الآية هو تربية المسلمين على إخلاص العبادة لله وإخلاص الارتباط بالله وأنّ محمدا صلى الله عليه وسلم له دور محدد في القيام بالرسالة وأنه سيموت, ومن ثم يجب التمسك برسالته بعد موته لا التمسك بشخصه, فهناك فرق بين شخص محمد صلى الله عليه وسلم وبين رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد ظهر هذا الأثر تربويا عندما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة فاضطرب الصف الإسلامي, ولكن الصدّيق أبا بكر وقف على المنبر وخطب بالناس فقال: «من كان يعبد محمدا فإنّ محمدا قد مات, ومن كان يعبد الله فإنّ الله حي لا يموت» (ابن ماجة).

(2) وقد نزلت هذه الآية في غزوة أحد عندما شاع أنّ محمدا صلى الله عليه وسلم قد مات, وهذا قبل موته الحقيقي الذي حصل بعد سنوات عديدة من غزوة أحد, فكان لهذه الحادثة مدلولات تربوية: (الأول) أراد الله بهذه الحادثة منع التعلق الشديد بشخص محمد صلى الله عليه وسلم وتحويل وهذا التعلق إلى الله. (والثاني) أراد الله من هذه الحادثة تهيئة المسلمين وإعدادهم لتلقي الصدمة الكبرى بموت محمد صلى الله عليه وسلم حقيقة لا إشاعة. (والثالث) أراد الله من هذه الحادثة تصحيح التصور الذي يحمله المسلمون عن محمد صلى الله عليه وسلم، فكونه نبي لا يعني أنه لا يموت بل هو كإخوانه المرسلين الذين سبقوه في الرسالة وسبقوه في الموت, فلابد أن يموت, ومن ثم ينبغي أن لا يكون ذلك الموت سببا في ردة أحد أو شكه في الإيمان أو تردده في أمر الإسلام, وقد قرن الله في هذه الآية بين الترهيب والترغيب, الترهيب من الارتداد عن الإيمان بقوله (وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئا), والترغيب في الإيمان بالله والمدلول العملي لهذا الإيمان وهو الشكر بالقول والعمل فقال تعالى (وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ).

369

الآية 145

قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِين﴾ (آل عمران: 145)

(1) قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلا). ترغيب للمسلمين في القتال وعدم الإحجام عنه خوفا من الموت وذلك من خلال البيان بأنّ الإقدام في القتال والإحجام عن القتال لا يغيّران من الأجل فهو مكتوب عند الله لا يغيّره أفعال العباد حسنت أم ساءت.

(2) قوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِين). ترغيب للمسلمين في عمل الطاعات وترك المعاصي والعمل للآخرة لا للدنيا فقط, لأنّ ثواب العمل حاصل, فمن عمل للدنيا لا بد وأن يحصل له منها شيء, ومن عمل للآخرة لا بد وأن يحصل له من عمله ثواب, ولكن نصيب الدنيا يزول ونصيب الآخرة يبقى, والعاقل من يعمل لأجل الباقي لا من أجل الفاني.

(3) وفي هذه الآية ترغيب في إخلاص النية لله، لأنّ الأعمال قد تتشابه فتبقى النية هي الفاصلة, فمن تزوج ليقضي شهوته كان له ذلك, ومن تزوج طاعة لله قضى شهوته وكان له الثواب في الآخرة.

370

الآيات 146-148

قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾ (آل عمران: 146-148)

(1) نلمح في هذه الآيات أسلوب التربية بالقدوة، وذلك أنّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم نظراء من أصحاب الأنبياء قبلهم, والمطلوب منهم الاقتداء بهم والتأسي بأفعالهم خاصة في هذا الأمر, أمر قتال الأعداء والصبر على قتالهم, قال الإمام الرازي: «واعلم أنه تعالى من تمام تأديبه قال للمنهزمين يوم أحد: إنّ لكم بالأنبياء المتقدمين وأتباعهم أسوة حسنة, فلما كانت طريقة أتباع الأنبياء المتقدمين الصبر على الجهاد وترك الفرار, فكيف يليق بكم هذا الفرار والانهزام؟».

(2) قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِين). هذا ترغيب للمسلمين في الصبر على قتال أعدائهم وذلك من خلال إعلامهم أنّ الله يحب الصابرين, والمؤمن يكفيه أن يعلم ما يحبه الله حتى يسارع إلى فعله, ويكفيه أن يعلم ما لا يحبه الله حتى يسارع إلى تركه, واعلم أنّ من الصبر عدم الوهن في سبيل الله وعدم الضعف وعدم الاستكانة, وهذا يؤخذ من ترتيب الجمل في الآية. قال صاحب الظلال: «والتعبير بالحب من الله للصابرين له وقعه, وله إيحائه, فهو الحب الذي يأسو الجراح, ويمسح القرح, ويعوض ويربو عن الضر والقرح والكفاح المرير».

(3) قوله تعالى: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين). فيه تربية من الله وتأديب واختيار للألفاظ التي يستحب للمسلم أن يدعو بها ربه في النوائب والمحن وخاصة عند لقاء العدو, وفي القرآن والسنة أدعية مخصوصة ذكرها الله ورسوله للمؤمنين كي يتأدبوا بها فلا يعدلون عنها.

(4) قوله تعالى: (وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَة). خصّ ثواب الآخرة مقارنة مع ثواب الدنيا بالحسن للترغيب فيها والتشجيع عليها, فثواب الدنيا مهما جلّ فهو زائل, وثواب الدنيا مهما قلّ فإنه دائم.

(5) قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين) مع قوله تعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا) يدل على أنّ من اعترف بإساءته كان عند الله محسنا وكان عند الله محبوبا, ولذلك فإنّ الطريق للوصول إلى محبة الله يبدأ بالاعتراف بالذنب وطلب المغفرة عليه. ونلمح من خلال هذه الآيات وما قبلها وما بعدها في غزوة أحد تنوع أساليب القرآن في التربية من خلال الحدث الواحد, فتارة نجد التعزية والمواساة, وتارة نجد العقاب والاستنكار, وتارة نجد التقرير والتأكيد, وتارة نجد ضرب الأمثال, وتارة نجد ذكر الفضلاء للتأسي بهم, والمقصود من كل ذلك الوصول بالمسلمين إلى التصور الصحيح والعمل الصحيح والإعداد التام والكامل لأداء الرسالة, رسالة الخلافة في الأرض وإعمارها.

371

الآيات 149-150

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِين﴾ (آل عمران: 149-150)

(1) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِين). فيه تحذير للمؤمنين وترهيب لهم من طاعة الكافرين لأنّ مصير هذه الطاعة هو الردة بعد الإيمان والخسارة في الدنيا والآخرة, وهذه الطاعة قد تحصل في حالات الهزيمة التي تحل بالمسلمين فيقع المؤمن في وهم الخلاص من الأذى بطاعة الكافرين ويبتغي العزة عند من لا يملك العزة, ومناسبة الآية هي هزيمة المسلمين في غزوة أحد وظنهم أنّ الرسول قد قتل, فانتهز المنافقون والكافرون الفرصة لدعوة المسلمين إلى العودة لدين الآباء والأجداد.

(2) قوله تعالى: (بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِين). فيه ترغيب للمؤمنين في طاعة الله وابتغاء العزة والنصرة عنده لأنه وحده الذي يملك العزة وهو الذي يمنح العزة للمؤمنين, ودلت هذه الآية بعد الآية السابقة على أنّ الطاعة من معاني الولاء, فالولاء معناه النصرة, والنصرة قد تكون في العقيدة وقد تكون في العمل, والطاعة هي النصرة في العمل, ودلت هذه الآية على أنّ الجزاء من جنس العمل, فمن تولى الله بنصرته نصره الله .

372

الآية 151

قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِين﴾ (آل عمران: 151)

(1) في هذه الآية ترهيب للكافرين من شركهم وكفرهم، وذلك من خلال الوعيد بالعقوبة الدنيوية وهي الهزيمة في معركتهم مع المسلمين, من خلال إلقاء الرعب في قلوبهم, والوعيد بالعقوبة الأخروية وهي العذاب الشديد في مقام هو شر مقام أي نار جهنم وبئس المقام. وفي هذه الآية ترغيب للمسلمين بالقتال وجهاد الكافرين من خلال وعدهم بالنصر عن طريق إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم وذلك إذا استقاموا على عهدهم مع الله وتمسكوا بطاعته خير التمسك.

(2) قوله تعالى: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانا). فيه تربية للمسلمين على أنّ قوتهم تكون بتمسكهم بما أنزل الله, ومعنى ذلك: إن تمسكوا بغير ذلك – كما هو حاصل الآن في ذراري المسلمين حيث يتمسكون بمناهج وضعية ما أنزل الله بها من سلطان – فإنّ الله سوف يلقي الرعب في قلوبهم, فلا تقوم لهم قائمة, ولا ينتصرون على عدو, وهذا حاصل لمن تأمله.

(3) قوله تعالى: (أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانا). فيه تربية على بطلان التقليد وذم له, وذلك أنّ الشرك إذ لم يكن عليه دليل فالقائل به يقلد غيره بأن يأخذ بقوله من غير دليل ويشيع ذلك القول من غير دليل, والتقليد هو قبول قول من دون دليل، أو اعتقاد صحته قول من لا يعلم صحة قوله.

373

الآية 152

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِين﴾ (آل عمران: 152)

(1) قوله تعالى: (وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّون). قال البراء بن عازب رضي الله عنه: «لما كان يوم أحد ولقينا المشركين أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أناسا من الرماة وأمّر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: لا تبرحوا مكانكم, إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا مكانكم, وإن رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تعينونا عليهم» (البخاري). والذي حصل بعد ذلك: انتصر المسلمون وانهزم المشركون وتنازع الرماة في النزول لجمع الغنائم, فنزل أكثرهم وبقي أقلهم فعصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هذه الآية يخاطب الله المسلمين على العموم فيقول (وعصيتم) ولم يقل: فعصى الرماة أو أكثرهم, والمدلول التربوي لذلك أنّ ضرر المعصية يعم الجميع وإن قام بها البعض, وهذا ما حصل في غزوة أحد حيث انقلب النصر العام إلى هزيمة عامة بسبب من معصية البعض, وفي ذلك تحذير للمسلمين أن لا يتهاونوا بالمعاصي وإن قلت, وأن لا يتساهلوا مع العصاة وإن قلوا.

(2) قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُم). قال الحسن البصري: «قال الله عز وجل: قد عفوت عنكم إذ عصيتموني, فلم أستأصلكم ... ثم قال: هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, في سبيل الله, غضاب لله, يقاتلون أعداء الله, نهوا عن شيء فصنعوه, فوالله ما تركوا حتى غموا بهذا الغم, فأفسق الفاسقين اليوم يتجرم كل كبيرة, ويركب كل داهية, ويسحب عليها ثيابه, ويزعم أنه لا بأس عليه! فسوف يعلم». والمدلول التربوي لذلك هو أنه قتل من المسلمين سبعون وجرح ما يعادل ذلك وانهزم المسلمون ومع ذلك عفا الله عنهم فلم يترك المشركين يستأصلونهم, وفي ذلك بيان لخطورة المعصية وما تستوجب عند الله من العقوبة, ومعناه: لولا العفو الإلهي عن المسلمين لاستؤصلوا بالمعصية.

(3) قوله تعالى: (وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِين). قال ابن اسحق: «وكذلك منّ الله على المؤمنين إن عاقبهم ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدبا وموعظة, فإنه غير مستأصل لكل ما فيهم من الحق له عليهم لما أصابوا من المعصية, رحمة لهم وعائدة عليهم, لما فيهم من الإيمان». والمدلول التربوي لذلك أنّ التعجيل بالعقوبة على الذنب في الدنيا يلغي عقوبة الآخرة, وفيه تأديب وتربية للمؤمنين, وفيه بيان لرحمة الله وفضله على المؤمنين.

374

الآية 153

قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون﴾ (آل عمران: 153)

(1) قوله تعالى: (فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَم). له مدلولان تربويان: (الأول) الثواب يستعمل في الخير ولا يستعمل في الشر إلا على سبيل التهكم, والمقام هنا ليس مقام تهكم من الله بالمؤمنين, وإنما معنى هذه الآية: إنّ الله عاقب المؤمنين على معصيتهم بعقوبة دنيوية ولم يؤخر ذلك إلى يوم القيامة وسمى ذلك ثوابا, فدل ذلك على أنه من الخير والثواب للمسلم أن يعجل الله له بالعقوبة على المعصية في الدنيا من أن يؤخر له تلك العقوبة إلى الآخرة. (والثاني) دلت هذه الآية على علاج الغم بالغم وذلك أنّ الإنسان إذا أصيب بمصيبة فأغمته, فإذا أصيب بمصيبة أكبر أذهبت المصيبة الأكبر المصيبة الأقل وكانت علاجا لها, ولذلك أمثلة في الطب كالعلاج بالكي في الآلام المعندة، والعلاج بالصدمة الكهربائية في كثير من الأمراض النفسية, وآلية ذلك أنّ الدماغ يستجيب للمنبه الألمي الأكبر وينسى المنبه الأصغر, ثم بعد مدة يزول المنبه الأكبر ويشفى المريض.

375

(2) قوله تعالى: (فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَم). والغموم في أحد كثيرة: (أولها) التفاف المشركين بقيادة خالد بن الوليد وقتلهم الرماة وعلوهم على المسلمين. (وثانيها) فوات الغنيمة. (وثالثها) الهزيمة. (ورابعها) الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم. (وخامسها) علو أبي سفيان وخطابه للمسلمين. وظاهر الآية ينفي فوات الغنيمة وينفي الهزيمة من الغموم لقوله تعالى (لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُم) أي: من الغنيمة (وَلا مَا أَصَابَكُم) أي: من الهزيمة, وبالتالي ينتفي السبب فيهما وهو التفاف المشركين, ويبقى غمّان: (الأول) الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم. (والثاني) علو أبي سفيان وخطابه مع المسلمين. أما الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم فكان له أثره التربوي وقد تحدثنا في قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل) (آل عمران: 144)، وأما كلام أبي سفيان مع المسلمين فقد أخرج البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «ثم إنّ أبا سفيان بن حرب أشرف علينا في نشز فقال: أفي القوم محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه، حتى قالها ثلاثا, ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاثا, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه, ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا, فلم يملك عمر رضي الله عنه نفسه دون أن قال: كذبت يا عدو الله, قد أبقى الله لك ما يخزيك به, فقال: اعل هبل, مرتين, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه, فقالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا له الله أعلى وأجلّ, قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجيبوه, قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: الله مولانا ولا مولى لكم، قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر, والحرب سجال, أما إنكم ستجدون مُثله, لم آمر بها ولم تسؤني» وفي رواية «قالوا: لا سواء, قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» (البخاري). وهذا الخطاب من أبي سفيان لا شك أنه أغمّ المسلمين غما شديدا, ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحكمته التربوية علمهم كيف يردون عليه, وفيه تربية بالحوار كوسيلة لتعليم المسلمين وتثبيت عقيدتهم حيث إنّ الحوار أقرب إلى الأفهام.

(3) قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون). قال الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: «أي: هو عالم بجميع أعمالكم وقصودكم ودواعيكم, قادر على مجازاتها, إن خيرا فخير وإن شرا فشر, وذلك من أعظم الزواجر للعبد على الإقدام على المعصية».

376