الآيات 142-143
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُون﴾ (آل عمران: 142-143)
(1) قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِين). هذه الآية تدل على أنّ دخول الجنة لا يكون إلا بالجهاد والصبر, وفيها تربية على أن دخول الجنة لا يكون بمجرد القول والادعاء بل لا بد لهذا الادعاء الإيماني من تصديق عملي, وهذا التصديق يكون بجهاد أعداء الله وبالصبر على هذا الجهاد. قال الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: ((المراد أنّ دخول الجنة وترك المصابرة على الجهاد لا يجتمعان، ثم قال: واعلم أنّ حاصل الكلام أنّ حب الدنيا لا يجتمع مع سعادة الآخرة, فبقدر ما يزداد أحدهما ينتقص الآخر, وذلك لأنّ سعادة الدنيا لا تحصل إلا باشتغال القلب في طلب الدنيا, والسعادة في الآخرة لا تحصل إلا بفراغ القلب من كل ما سوى الله وامتلائه من حب الله, وهذان الأمران مما لا يجتمعان, فلهذا السر وقع الاستبعاد الشديد في هذه الآية من اجتماعهما, وأيضا حب الله وحب الآخرة لا يتم بالدعوى, فليس كل من أقر بدين الله كان صادقا, ولكن الفصل فيه تسليط المكروهات والمحبوبات, فإنّ الحب هو الذي لا ينتقص بالجفاء ولا يزداد بالوفاء, فإن بقي الحب عند تسليط أسباب البلاء ظهر أنّ ذلك الحب كان حقيقيا, فلهذه الحكمة قال (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ) بمجرد تصديقكم الرسول قبل أن يبتليكم الله بالجهاد وتشديد المحنة، والله أعلم)).
(2) قوله تعالى: (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُون). المدلول التربوي لهذه الآية هو دور التجربة في تحويل الأمر من الخيال إلى الواقع, ومن هنا ضرورة أن يوازن المسلم في إحساسه بين تمني القتال وبين الثبات على القتال, ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو, وسلوا الله العافية, فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنّ الجنة تحت ظلال السيوف» (البخاري), وتمني الموت هنا هو تنمي قتال العدو والفوز بالشهادة المبنية على الجهاد والصبر لا أن يضع المسلم نفسه في موضع القتل فذاك معصية وانتحار. قال الإمام القرطبي: «الآية عتاب في حق من انهزم, ولاسيما كان منهم حمل للنبي صلى الله عليه وسلم على الخروج من المدينة, وتمني الموت يرجع من المسلمين إلى تمني الشهادة المبنية على الثبات والصبر على الجهاد, لا إلى قتل الكفار لهم, لأنه معصية وكفر ولا يجوز إرادة المعصية, وعلى هذا يحمل سؤال المسلمين من الله أن يرزقهم الشهادة, فيسألون الصبر على الجهاد وإن أدى إلى القتل».