التفسير التربويالجزء 1 · ص 55 - 62

الآيات 45-46

الآيات 45-46

قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: 45-46)

يأمر الله تعالى المؤمنين بأن يستعينوا بالصبر والصلاة على طاعته ومرضاته والوفاء بعهده، ويقول: إنّ هذه الاستعانة ثقيلة وصعبة إلا على الخاضعين المتواضعين الذين أيقنوا بلقاء الله وأيقنوا بالرجوع إليه بعد الموت.

(1) والصبر حبس النفس على مرضاة الله، وله أنواع: الصبر عن المعاصي، والصبر على الطاعات، والصبر على المصائب، وقيل: إنّ الصبر في هذه الآية معناه الصوم، والصحيح أنّ الصوم من الصبر وليس كل الصبر. ومع أنّ الصبر طاعة والصلاة طاعة، إلا أنّ الله تعالى يرشدنا إليهما هنا باعتبارهما وسيلتان تربويتان لتحقيق التربية الإسلامية الصحيحة في شخصية الفرد المسلم، وفي بناء تلك الشخصية بناءً يحقق لها السعادة في الدنيا والآخرة. والصبر بأنواعه، عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب هو من باب جهاد النفس وقمعها ومنعها من التطاول، وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين، ولا إيمان من دون صبر، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد» (القرطبي). وقال الإمام الطبري معقبا على قول علي رضي الله عنه: «وصدق علي رضي الله عنه، وذلك أنّ الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، فمن لم يصبر على العمل بجوارحه لم يستحق الإيمان بالإطلاق، فالصبر على العمل بالجوارح نظير الرأس من الجسد للإنسان الذي لا تمام له إلا به». وإذا كان لكل عمل أجر محدد لقوله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُون) (الأنعام: 160)، وقوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّة) (البقرة: 261)، فإنّ أجر الصبر ليس له حدود لقوله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب) (الزمر: 10). أمر الله بالصبر في هذه الآية وفي غيرها من الآيات، لأنّ الصبر هو الزاد الذي لابد منه لكل مؤمن في رحلته الطويلة ... رحلة الإيمان في حياة تعجّ بالجاهلية، ولذلك كان الصبر من عزائم الأمور، قال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُور) (الشورى: 43). ومن فضائل الصبر أنّ الله تعالى وصف به نفسه، ففي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس أحد أصبرَ على أذى سمعه من الله تعالى، إنهم ليدعون له ولدا وإنه ليعافيهم ويرزقهم» (البخاري).

55

(2) وخصّ الصلاة هنا كوسيلة تربوية دون سائر العبادات لما فيها من تلاوة القرآن الداعية إلى هجر الدنيا والتذكير بالآخرة، وتسلية النفوس عما تلاقيه من المصائب والشدائد، ولعلنا نجد ذلك في سلوك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى عنه حُذيفة بن اليمان رضي الله عنه فقال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» (أحمد). ونجد ذلك أيضا في سلوك صحابته، حيث رُوي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه ((أنه نُعي إليه أخوه قُثم وهو في سفر، فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق، فأناخ راحلته، فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)) (الطبري).

(3) قوله تعالى: (إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِين). امتدح الله الخاشعين بأنّ الاستعانة بالصبر والصلاة ليست ثقيلة عليهم كما هي ثقيلة على غيرهم. والخشوع في اللغة: التواضع والتذلل والاستكانة. وفي الاصطلاح: هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع. قال الإمام القرطبي في تفسيره: «قال سفيان الثوري: سألت الأعمش عن الخشوع، فقال: يا ثوريّ، أنت تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع، سألت إبراهيم النخعي عن الخشوع، فقال: أعيمش، تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع، ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطئ الرأس، لكنّ الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء، وتخشع لله في كل فرض فرضه الله عليك». ثم قال القرطبي: «قلت: هذا هو الخشوع المحمود، لأنّ الخوف إذا سكن القلب أوجب خشوع الظاهر فلا يملك صاحبه دفعه، فتراه مطرقا متأدبا متذللا، وقد كان السلف يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك، وأما المذموم فتكلفه والتباكي وطأطأة الرأس كما يفعله الجهال ليُروا بعين البر والإجلال، وذلك خُدع من الشيطان وتسويل من نفس الإنسان». ومبعث الخشوع كما هو ظاهر النص القرآني: اليقين بلقاء الله والرجوع إليه بعد الموت، وذلك قوله تعالى: (إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون).

56

الآيات 47-48

قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (البقرة: 47-48)

(1) قوله تعالى: (أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ). هذا خطاب لليهود في زمن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم مع أنه أنعم على آبائهم وفضّل أسلافهم، لأنّ مآثر الآباء هي مآثر للأبناء، والنعم على الآباء هي نعم على الأبناء، وهذا أسلوب تربوي له أثره في النفس البشرية. فقوله تعالى: (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِين) خرج مخرج العموم والمراد به الخصوص، حيث إنّ الله تعالى فضّل بني إسرائيل على عالمي زمانهم وبشرط قيامهم بالإيمان ومستلزماته، فهو تفضيل مخصوص بزمن محدد وشرط محدد، ولما لم يقوموا بهذا الشرط غضب الله عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير.

وفي ذلك تربية للأمة المسلمة التي فضّلها الله على الناس جميعا، من لدن آدم عليه السلام إلى قيام الساعة حيث قال: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه) (آل عمران: 110)، وهذا تحذير للأمة المسلمة كي لا تغفل عن شرط التفضيل، فإن غفلت خسرت هذا التفضيل واستحقت غضب الله عليها. سئل عبد الرحمن بن زيد عن تفسير قوله تعالى: (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِين)؟ فقال: ((عالم أهل ذلك الزمان، وقرأ قوله تعالى: (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِين) (الدخان: 32)، ثم قال: هذه لمن أطاعه واتبع أمره، وقد كان فيهم القردة وهم أبغض خلقه إليه، وقال لهذه الأمة: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس)، ثم قال: هذه لمن أطاع الله واتبع أمره واجتنب محارمه)) (الطبري). وفي تذكيره تعالى لبني إسرائيل بتفضيلهم على العالمين إطماع لهم على الدخول في الإسلام والعودة إلى موكب الإيمان، لكي يعودوا إلى ذلك المقام الرفيع من التكريم الذي أصبح للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

(2) قوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئا). هذا أمر ومعناه الوعيد والتحذير لبني إسرائيل وللمسلمين من بعدهم، فالعبرة عامة وإن كان السبب خاصا.

57

الآيات 49-50

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (البقرة: 49-50)

في هذه الآيات مجموعة من الوقفات التربوية:

(1) قرن الله تعالى في هذه الآيات بين مشهد الشدة ومشهد النجاة، ليعلم كل من يمر بشدة أنّ هذه الشدة ما هي إلا ابتلاء واختبار وسيتلوها نجاة، وهذا كقوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرا) (الشرح: 5ــ 6)، حيث جعل الله مع كل عسر يسرين، وبالتالي فعلى من يمر بالشدة أن يستفيد منها وينتفع بها، بالخبرة والمعرفة وتجربة الصبر في الدنيا، وباتخاذها زادا إلى الآخرة. ولهذا الربط مدلول آخر وهو عدم اليأس من الشدة والبلاء لأنّ الفرج قادم من الله، والألم يهون على النفس البشرية حين تعيش شدتها بهذا التصور القرآني، وهذا التصور هو من قبيل تربية المسلم على مواجهة الشدائد والخروج منها بربح في الدنيا وفي الآخرة.

(2) الحديث عن قصة فرعون مع موسى عليه السلام هو من قبيل إعداد الأمة المسلمة وتهيئتها، حيث إنها ستمر بتجارب كثيرة مثل هذه التجربة، تكون الأمة المسلمة فيها كبني إسرائيل، ويكون أعداؤها كفرعون وجنوده.

(3) نسب الله تعالى الأفعال إلى آل فرعون مع أنهم كانوا يفعلون ذلك بأمر فرعون، ولم يكونوا سوى منفذين لأوامره، ليعلم الناس أنّ الفاعل مأخوذ بفعله والآمر مأخوذ بأمره، فإذا أمر ظالم إنسانا بقتل آخر ففعل ذلك، فالآمر والقاتل في الذنب سواء.

(4) وفي قصة صراع بني إسرائيل مع فرعون نلمح صراعا بين الحق والقوة، فبنو إسرائيل كانوا أصحاب حق، وآل فرعون كانوا أصحاب قوة، وكانت النهاية انتصارا للحق على القوة، فكأنه تعالى يقول لقريش: لا تغتروا بقوتكم وبضعف محمد صلى الله عليه وسلم وأنصاره، فإنّ الحق منتصر على الباطل وإن كان الحق ضعيفا والباطل قويا. وهذه قاعدة تربوية لكل فئة مسلمة تسير وفق المنهج الإلهي. وهذه القاعدة قاعدة انتصار الحق على الباطل وإن كان الحق ضعيفا والباطل قويا، هي بمثابة الترغيب للمسلمين على طاعة الله والترهيب له من معصية الله ومخالفة أمره.

(5) اعتبارا من هذه الآيات يبدأ السياق القرآني ببيان النعم الحاصلة لبني إسرائيل على سبيل التفصيل بعد أن ذكرت على سبيل الإجمال، وهذا البيان له فوائد: (الأولى) إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ ما كان له أن يخبر بهذه الأحداث التاريخية على سبيل التفصيل لولا الوحي الذي يأتيه من السماء. (الثانية) تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما يلاقيه من مشركي قومه ومن اليهود ومن النصارى، فكأنه تعالى يأمره بالصبر كما صبر موسى عليه السلام والأنبياء قبله في مواجهة أقوامهم. (الثالثة) التنبيه على البلادة العقلية وقلة الذكاء وقلة الفطنة وكثرة العناد، وغيرها من الصفات التي تميّز بها اليهود، والتي بسببها احتاجوا إلى كثرة المعجزات وكثرة البراهين، خلافا لغيرهم من الأقوام والأمم. (الرابعة) بيان شدة عداوة اليهود لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه المسلمين، حيث إنّ هذه الشدة في العداوة لم تخفّ حتى الآن.

58

الآيات 51-53

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 51-53)

(1) قوله تعالى: (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِك) يدل على رحمته تعالى بالناس ورأفته بهم، ولو شاء لم يعف عن مذنب، ولكنه تعالى كريم حليم، ومن كرمه قبول العفو، ومن حلمه الصبر على الناس رغم تمردهم وعصيانهم، وهذه النعمة هي نعمة العفو.

(2) قوله تعالى: (لعلكم تشكرون). معنى الشكر في اللغة: هو الظهور، ويقال دابة شكور: إذا ظهر عليها من السِمَن فوق ما تعطى من العلف، وحقيقة الشكر هي: الثناء على المحسن بما أولاك من معروف، وللعلماء عبارات في الشكر أوردها الإمام القرطبي في تفسيره فقال: ((قال سهل بن عبد الله: الشكر الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السر والعلن. وقالت فرقة أخرى: الشكر هو الاعتراف في تقصير الشكر للمنعم، ولذلك قال تعالى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرا) (سـبأ: 13)، فقال داود: كيف أشكرك يا رب والشكر نعمة منك؟ قال: الآن قد عرفتني وشكرتني، إذ قد عرفت أنّ الشكر مني نعمة، قال داود: يا رب فأرني أخفى نعمك علي؟ قال: يا داود تنفس، فتنفس داود، فقال الله تعالى: من يحصي هذه النعمة الليل والنهار؟!. وقال موسى عليه السلام: كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك لا يجازى بها عملي كله؟ فأوحى الله إليه: يا موسى، الآن شكرتني. وقال ذو النون المصري: الشكر لمن فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان والإفضال)). والشكر سلوك تربوي ينبغي تربية المسلم عليه، سواء كان شكرا لله أم كان شكرا للناس، لأنّ من لا يشكر الناس إذا قدموا له الإحسان لا يشكر الله مهما قدم له من إحسان، فكفران النعم عادة وطبع، وهذا الكلام هو معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (الترمذي وأبو داود).

(3) قوله تعالى: (لعلكم تهتدون) يدل على رحمة الله بالناس حيث بعث الرسل وأنزل الشرائع، ولو شاء لطالبهم بالإيمان به على أساس ما وهبهم من العقل، ولكن لرحمته بالناس لم يفعل ذلك، ونلمح في قوله (لعلكم تهتدون) حرصه تعالى على اهتداء الناس واختيارهم للإيمان، وهذه النعمة هي نعمة الهداية.

59

الآية 54

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 54)

(1) قوله تعالى: (فاقتلوا أنفسكم) معناه: ليقتل بعضكم بعضا، أي: ليقتل المطيع منكم العاصي، وهذا المعنى أجمع عليه المفسرون، فلماذا عبّر القرآن عن قتل بعضهم بعضا بقوله (فاقتلوا أنفسكم)؟. تحقيق ذلك أنّ الله تعالى يعتبر المؤمنين كالنفس الواحدة، فعليهم أن يكونوا كذلك. وهذه اللفتة التربوية نلمحها في كثير من آيات القرآن الكريم، كقوله تعالى: (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُم) (الحجرات: 11)، أي: إخوانكم من المؤمنين، وقوله تعالى: (فسلِمُوا عَلَى أَنْفُسِكُم) (النور: 61)، أي: ليسلم بعضكم على بعض، وقوله تعالى: (لوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرا) (النور: 12)، أي: بأمثالهم من المؤمنين. وفي هذه العقوبة ترغيب شديد لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في التوبة التي ليس فيها قتل كفارة عن الذنب كما هو الحال في بني إسرائيل، وذلك من شدة رحمته تعالى بهذه الأمة، قال سفيان بن عيينة: «التوبة نعمة من الله تعالى أنعم بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم، وكانت توبة بني إسرائيل القتل» (القرطبي). ونلمح في هذه العقوبة التطهير القاسي الذي يتناسب مع تلك النفوس الخوّارة المنهارة، فشدة العقوبة تتناسب ليس مع عظم الذنب فحسب، بل مع طبيعة النفوس ومدى تماسكها عن الشر ومقدار تناهيها عن المنكر.

(2) قوله تعالى: (فتوبوا إلى بارئكم). لماذا قال (إلى بارئكم) والتوبة لا تكون إلا إلى الباري، ولو قال (فتوبوا) لحصل المطلوب وهو الأمر بالتوبة؟. قال الإمام الرازي في تفسيره جوابا على هذا السؤال: «المراد منه النهي عن الرياء في التوبة، كأنه قال لهم لو أظهرتم التوبة لا عن القلب فأنتم ما تبتم إلى الله الذي هو مطلع على ضميركم وإنما تبتم إلى الناس، وذلك مما لا فائدة فيه فإنكم إذا أذنبتم إلى الله وجب أن تتوبوا إلى الله». وقال الإمام ابن كثير في تفسيره جوابا على هذا السؤال: ((قلت: وفي قوله ههنا (إلى بارئكم) تنبيه على عظم جرمهم، أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره)).

60

الآيات 55-57

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (البقرة: 55-57)

(1) قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَة). هذا من قبيل التجديف الذي لا يليق بمؤمن أن يقوله، فكيف يكون الحال إذا علمنا أنّ القائل هم السبعون المختارون، الذين اختارهم موسى من بني إسرائيل لميقات الله تعالى؟. والله تعالى إذ ذكر هذه القصة فإنما أراد تنبيه المؤمنين إلى أمرين مهمين هما: (الأول) تفسير التعنت الذي يبديه اليهود في المدينة في مواجهة الدعوة الإسلامية بأنه تعنت قديم كان صفة لأسلافهم قبل أن يكون صفة لهم. (والثاني) تخدير المؤمنين أن يطلبوا مثل هذا الطلب لأنّ فيه تجديفا لا يليق بمؤمن. هذا الطلب وغيره من الطلبات المشابهة، وكذلك الجدال والمماحكة والتعنت والتشديد، صفات اتصف بها بنو إسرائيل في علاقتهم مع نبيّهم موسى عليه السلام، وظهرت فيهم نتيجة فساد الفطرة الذي أصيبوا به بسبب طول فترة الإذلال التي عاشها اليهود في ظل حكم الفراعنة وطغيانهم، فليتنبه لذلك الدعاة المسلمون حيث إنّ قضاء فترة طويلة في ظل الطغيان يفسد الفطرة، ويحطم فضائل النفس البشرية، ويطبع الناس بأخلاق سيئة كالتمرد والبطر والبلادة العقلية، وغيرها من أخلاق العبيد وطباعهم .

(2) قوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون) يدل على رحمته تعالى وحلمه وعفوه، حيث أعاد القوم أحياء بعد موتهم ورغم سوء أدبهم ومعصيتهم، لتكون هذه التجربة لهم درسا، فيدركوا نعمة الله تعالى عليهم ويثوبوا إلى الطريق الصحيح.

(3) قوله تعالى: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى). هذه النعم الجديدة أنعم الله بها على بني إسرائيل وجعلها لهم بعد أن طلبوها وهم في الصحراء يتيهون، حيث لا طعام ولا شراب ولا ظلّ يقيهم شدة الصحراء اللاهبة. وهنا تظهر لنا فضيلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على سائر أصحاب الأنبياء، إذ إنهم لم يطلبوا منه أن يخرق لهم العادة أو أن يوجد أمرا مخالفا للناموس الكوني، رغم أنهم كانوا في ظروف مشابهة لبني إسرائيل من حيث الصحراء اللاهبة وقلة الطعام وقلة الشراب، كما حصل في غزوة تبوك على سبيل المثال، بل آثروا الصبر والثبات، وهذا الذي يليق بالمؤمن أن يفعله ويتصف به.

(4) قوله تعالى: (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون) يدل على أنّ بني إسرائيل عادوا إلى الظلم، ويدل على عظمة الله وجلاله، حيث لا تضره معصية عاص ولا تنفعه طاعة مطيع، ولا يزيد في ملكه عدل عادل ولا يُنقص من ملكه ظلم ظالم، بل الطاعة لصاحبها والمعصية على صاحبها، والعدل يعود على صاحبه والظلم يعود على صاحبه.

61

الآيات 58-59

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (البقرة: 58-59)

(1) قوله تعالى (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَة). الراجح في القرية التي أمر الله تعالى بني إسرائيل بدخولها أنها بيت المقدس، وهذا الأمر بالدخول للمرة الثانية حيث كان الأمر الأول بالدخول قبل أربعين سنة وكان في زمان موسى عليه السلام، أما الأمر الثاني فكان بعد وفاة موسى عليه السلام وفي زمن يوشع بن نون. لما رفض بنو إسرائيل الدخول في المرة الأولى وقالوا: (يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون) (المائدة: 24)، حرّمها الله عليهم أربعين سنة يتيهون في صحراء سيناء فقال: (فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِين) (المائدة: 26)، وكان ذلك التيه أربعين سنة، حتى نشأ جيل جديد من بني إسرائيل غير الجيل الأول، وبقيادة يوشع بن نون بعد وفاة موسى عليه السلام، فكان ذلك درسا تربويا قاسيا وشديدا، نلمح فيه العقوبة الإلهية لمن خالف أمره، ونلمح فيه العناية الإلهية بهؤلاء المعاقبين.

(2) قوله تعالى: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدا). هذا أمر بالتوبة لأنّ جواب الطلب هو قوله تعالى: (نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُم)، وهذا الأمر بالتوبة تضمّن شيئين: (الأول) إظهار التوبة بالجوارح. (والثاني) إظهار التوبة باللسان (وقولوا حطة) أي: احطط عنا خطايانا. وهنا أمر هام فيما يتعلق بالتوبة من الناحية التربوية فلا يكفي أن يتوب الإنسان بينه وبين نفسه، بل لا بد أن يحكي توبته لمن شاهد منه الذنب، كي يزيل بذلك التهمة عن نفسه ويمحو الأثر السيئ الذي أحدثه الذنب في قلوب المشاهدين له. وكذلك من عُرف بمذهب خاطئ ثم تاب منه بعد أن تبين له بطلانه يلزمه أن يعرّف الناس بتوبته وخاصة الذين عرفوا عنه وسمعوا منه ذلك المذهب الخاطئ. وكذلك من أساء إلى إنسان أمام جمع من الناس فلا يكفي أن يعتذر من ذلك الإنسان حين يكون وحده، بل يجب عليه أن يعتذر منه أمام نفس الجمع من الناس الذين حضروا الإساءة كي يزيل الآثار المترتبة عن إساءته.

62