الآيات 95-96
قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيما﴾ (النساء: 95-96)
(1) نلمح في هذه الآيات أسلوب التربية بالترغيب, فالله تعالى يرّغب المسلمين بالجهاد، وللقرآن وسائل متعددة في الترغيب تكاد لا تحصى، ذكر منها في هذا النص ثلاث وسائل: (الأولى) تقرير عدم الاستواء عند الله وعند المؤمنين بين المجاهدين والقاعدين, فقال تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه). (والثانية) تقرير التفضيل للمجاهدين على القاعدين فقال تعالى: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِين) وقال: (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِين). (والثالثة) التلويح بالدرجات والمغفرة والرحمة، فقال تعالى: (دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيما).
(2) نلمح في هذه الآيات أسلوب التربية بالأحداث, فقد أخرج أبو داود عن زيد بن ثابت قال: ((كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة, فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي, فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم سُرّي عنه فقال: (اكتب)، فكتبت في كتف: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله﴾ إلى آخر الآية, فقام ابن أم مكتوم ـ وكان رجلا أعمى ـ لما سمع فضيلة المجاهدين فقال: فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة فوقعت فخذه على فخذي, ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى, ثم سُرّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (اقرأ يا زيد)، فقرأت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿غير أولي الضرر﴾ الآية كلها، قال زيد: فأنزلها الله وحدها فألحقتها, والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صَدع في كتف)) (أبو داود). وأسلوب التربية بالأحداث يدل على واقعية هذا الدين واعتنائه بمشاكل الإنسان وحرصه على المؤمنين وعنايته تعالى بهم, فهو يُعمّق صلتهم مع الله ويزيد من إحساسهم برقابته عليهم فهو معهم يسمع لقولهم وينظر في أمرهم, وكل هذه الدلالات لها أثرها التربوي في سلوك المؤمن.
(3) قوله تعالى: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَر). هم أهل الأعذار الذين لا يستطيعون الجهاد في سبيل الله لمرض أو عمى أو عرج أو غير ذلك، وقد استثناهم الله من القاعدين وجعلهم مع المجاهدين في الأجر والثواب ما دامت نيتهم الجهاد لو استطاعوا، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم فيه، قالوا: وهم بالمدينة، يا رسول الله؟ قال: نعم حبسهم العذر» (البخاري). وفي هذه الآية والحديث تربية على أهمية النية وقيمتها خاصة في حال العجز, وفيها دلالة على رحمته تعالى بالعاجزين حين جعل لهم أجر العاملين ماداموا ناوين للعمل وحبسهم عنه العجز, وفي الحديث: «إذا مرض العبد قال الله تعالى: اكتبوا لعبدي مثل ما كان يعمل وهو صحيح إلى أن يبرأ أو أقبضه إليّ» (أحمد).