التفسير التربويالجزء 1 · ص 521 - 528

الآيات 95-96

الآيات 95-96

قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيما﴾ (النساء: 95-96)

(1) نلمح في هذه الآيات أسلوب التربية بالترغيب, فالله تعالى يرّغب المسلمين بالجهاد، وللقرآن وسائل متعددة في الترغيب تكاد لا تحصى، ذكر منها في هذا النص ثلاث وسائل: (الأولى) تقرير عدم الاستواء عند الله وعند المؤمنين بين المجاهدين والقاعدين, فقال تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه). (والثانية) تقرير التفضيل للمجاهدين على القاعدين فقال تعالى: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِين) وقال: (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِين). (والثالثة) التلويح بالدرجات والمغفرة والرحمة، فقال تعالى: (دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيما).

(2) نلمح في هذه الآيات أسلوب التربية بالأحداث, فقد أخرج أبو داود عن زيد بن ثابت قال: ((كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة, فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي, فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم سُرّي عنه فقال: (اكتب)، فكتبت في كتف: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله﴾ إلى آخر الآية, فقام ابن أم مكتوم ـ وكان رجلا أعمى ـ لما سمع فضيلة المجاهدين فقال: فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة فوقعت فخذه على فخذي, ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى, ثم سُرّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (اقرأ يا زيد)، فقرأت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿غير أولي الضرر﴾ الآية كلها، قال زيد: فأنزلها الله وحدها فألحقتها, والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صَدع في كتف)) (أبو داود). وأسلوب التربية بالأحداث يدل على واقعية هذا الدين واعتنائه بمشاكل الإنسان وحرصه على المؤمنين وعنايته تعالى بهم, فهو يُعمّق صلتهم مع الله ويزيد من إحساسهم برقابته عليهم فهو معهم يسمع لقولهم وينظر في أمرهم, وكل هذه الدلالات لها أثرها التربوي في سلوك المؤمن.

(3) قوله تعالى: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَر). هم أهل الأعذار الذين لا يستطيعون الجهاد في سبيل الله لمرض أو عمى أو عرج أو غير ذلك، وقد استثناهم الله من القاعدين وجعلهم مع المجاهدين في الأجر والثواب ما دامت نيتهم الجهاد لو استطاعوا، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم فيه، قالوا: وهم بالمدينة، يا رسول الله؟ قال: نعم حبسهم العذر» (البخاري). وفي هذه الآية والحديث تربية على أهمية النية وقيمتها خاصة في حال العجز, وفيها دلالة على رحمته تعالى بالعاجزين حين جعل لهم أجر العاملين ماداموا ناوين للعمل وحبسهم عنه العجز, وفي الحديث: «إذا مرض العبد قال الله تعالى: اكتبوا لعبدي مثل ما كان يعمل وهو صحيح إلى أن يبرأ أو أقبضه إليّ» (أحمد).

521

(4) قوله تعالى: (بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِم). قدّم الله المال على النفس في الجهاد, وهذا التقديم يكاد يكون قاعدة في كل آية يذكر فيها الجهاد بالمال والنفس، وذلك لتبيان أهمية المال في الجهاد من جهة، ولتبيان غلاوة المال على الإنسان من جهة أخرى، قال القرطبي: «وتعلق بهذه الآية من قال: إنّ الغنى أفضل من الفقر, لذكر الله تعالى المال الذي يوصل به إلى صالح الأعمال، وقد اختلف الناس في هذه المسألة مع اتفاقهم أنّ ما أحوج من الفقر مكروه, وما أبطر من الغنى مذموم، فذهب قوم إلى تفضيل الغنى, لأنّ الغني مقتدر والفقير عاجز والقدرة أفضل من العجز، قال الماوردي: وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة. وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر, لأنّ الفقير تارك والغني مُلابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها, قال الماوردي: وهذا مذهب من غلب عليه حب السلامة. وذهب آخرون إلى حب التوسط بين الأمرين بأن يخرج عن حد الفقر إلى أدنى مراتب الغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين وليسلم من مذمة الحالين، قال الماوردي: وهذا مذهب من يرى تفضيل الاعتدال».

(5) قوله تعالى: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَة). أصل الدرجة هو العلو, ودرجة المجاهدين هي أنّ الله أعلى ذكرهم ورفعهم بالثناء والمديح وفضلهم على القاعدين، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ في الجنة مائة درجة, أعدّها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض» (البخاري).

(6) قوله تعالى: (وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى). أي المجاهدين والقاعدين, وهذا تزكية للإيمان الذي يجمع المجاهدين والقاعدين, لأنّ القاعدين وإن قعدوا عن الجهاد فلم يقعدوا عن الإيمان وفضيلته, وفي هذه الآية دلالة على أنّ الجهاد من فروض الكفاية.

522

الآيات 97-99

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُورا﴾ (النساء: 97-99)

(1) قال عكرمة: «أخبرني ابن عباس أنّ ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, يأتي السهم يُرمى به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله هذه الآية» (البخاري), وقال ابن عباس: «كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل» (البخاري)، وقال ابن كثير: «فنزلت هذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حراما بالإجماع وبنص هذه الآية».

(2) دلت هذه الآية وغيرها من الآيات على فريضة الهجرة في سبيل الله لمن كان قادرا عليها, ونلمح في هذه الآية التربية على الهجرة من خلال الترهيب من تركها والوعيد على تركها بالعقوبة الأخروية ابتداء من سؤال الملائكة حين الوفاة أو حين الهجرة بقولهم لتارك الهجرة تقريعا وتوبيخا: (فِيمَ كُنْتُم) أي: على دين محمد أم على دين المشركين، وانتهاء بمصيرهم يوم القيامة إلى النار: (فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرا).

(3) ونلمح في هذه الآيات سمة أساسية من سمات المنهج التربوي الإسلامي وهي تعامله مع النفس البشرية تعاملا واقعيا يميز فيها حالات القوة والقدرة عن حالات الضعف والعجز، ويجعل لكل حالة حكمها فلا يعامل كل الحالات بقانون واحد, فالمستضعفين الكاذبين لهم عقوبتهم ولا يقبل منهم عذر، والمستضعفين الحقيقيين يقبل عذرهم ويعفو الله عنهم, وهذه الواقعية يجب أن لا تغيب عن بال الدعاة لأنّ الناس ليس شيئا واحدا.

(4) قوله تعالى: (ظَالِمِي أَنْفُسِهِم). أصل الظلم في اللغة هو وضع الشيء في غير موضعه, والمسلم الذي يعيش بين ظهراني المشركين ظالم لأنه وضع نفسه في غير موضعها فحرمها الحياة الطاهرة النقية الكريمة الحرة في ظلال الإسلام والمجتمع المسلم، وألزمها الحياة النجسة القذرة الذليلة المضطهدة في ظلال الكفر والمجتمع الكافر, ويدرك معنى هذا الكلام كل من عاش هاتين الحالتين: حالة الطمأنينة والسعادة بين المسلمين وحالة عدم الاستقرار والعيش النكد بين الكافرين والفاسقين.

(5) قوله تعالى: (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُم). مع أنّ المراد من (عسى) هنا الوجوب حيث قال المفسرون: إنّ عسى من الله واجبة, فإنه تعالى لم يقل: فأولئك يعفو الله عنهم, وإنما استخدم القرآن (عسى) التي تفيد الإطماع دون القطع بحصول العفو, قال الإمام الرازي في المدلول التربوي لذلك: ((إنّ المستضعف قد يكون قادرا على ذلك الشيء مع ضرب من المشقة, وتمييز الضعف الذي يحصل عنده الرخصة عن الحد الذي لا يحصل عنده الرخصة شاق ومشتبه, فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز عن المهاجرة ولا يكون كذلك, ولا سيّما في الهجرة عن الوطن فإنها شاقة على النفس, وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزا مع أنه لا يكون كذلك, فلهذا المعنى كانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا المقام، ولهذا المعنى ذكر العفو بكلمة (عسى) لا بالكلمة الدالة على القطع)).

523

الآية 100

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيما﴾ (النساء: 100)

(1) لما رهّب الله تعالى المسلمين من ترك الهجرة وأوعد على ذلك في الآيات السابقة أتبع ذلك بالترغيب في الهجرة والتحريض على مفارقة المشركين والوعد على ذلك بالسعة في الدنيا والأجر في الآخرة, كما هي عادة القرآن في قرن الترهيب بالترغيب والوعيد بالوعد والعقاب بالثواب.

(2) ودلت هذه الآية على أنّ للمسلم ثواب العمل كاملا ما دامت النية قائمة وإن عجز عن العمل كله أو بعضه, فمن نوى الهجرة وشرع فيها كان له أجر الهجرة كاملا إن أدركه الموت في طريق هجرته فلم يتمها, وهذا من رحمته تعالى بالمؤمنين ورأفته بهم ومراعاته لعجزهم.

524

(3) قال ابن العربي: ((قسم العلماء رضي الله عنهم الذهاب في الأرض قسمين: هربا وطلبا. فالأول ينقسم إلى ستة أقسام: (الأول) الهجرة: وهي الخروج من دار الهجرة إلى دار الإسلام, وكانت فرضا في أيام النبي صلى الله عليه وسلم, وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة. (الثاني) الخروج من أرض البدعة, قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يسب فيها السلف. (الثالث) الخروج من أرض غلب عليها الحرام, فإنّ طلب الحلال فرض على كل مسلم. (الرابع) الفرار من الأذية في البدن, وذلك فضل من الله أرخص فيه, فإذا خشي على نفسه فقد أذن الله في الخروج عنه والفرار بنفسه ليخلصها من ذلك المحذور. (الخامس) خوف المرض في البلاد الوخمة والخروج منها إلى الأرض النزهة, وقد أذن صلى الله عليه وسلم للرعاة حين استوخموا المدينة أن يخرجوا إلى المسرح حتى يصحوا, وقد استثنى من ذلك الخروج من الطاعون فمنع الله سبحانه بالحديث الصحيح عن نبيه صلى الله عليه وسلم. (السادس) الفرار خوف الأذية في المال, فإن حرمة مال المسلمين كحرمة دمه. وأما قسم الطلب فينقسم إلى قسمين: طلب دين وطلب دنيا, فأما طلب الدين فيتعدد بتعدد أنواعه إلى تسعة أقسام: (الأول) سفرة العبرة, قال الله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم) (محمد: 10). (الثاني) سفر الحج, والأول وإن كان ندبا فهذا فرض. (الثالث) سفر الجهاد, وله أحكامه. (الرابع) سفر المعاش, فقد يتعذر على الرجل معاشه مع الإقامة فيخرج في طلبه لا يزيد عليه. (الخامس) سفر التجارة والكسب الزائد على القوت, وذلك جائز بفضل الله سبحانه وتعالى, قال الله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُم) (البقرة: 198)، يعني التجارة, وهي نعمة مَنّ الله بها في سفر الحج, فكيف إذا انفردت. (السادس) السفر في طلب العلم, وهو مشهور. (السابع) قصد البقاع, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» (البخاري). (الثامن) السفر إلى الثغور, للرباط بها وتكثير سوادها والذب عنها. (التاسع) زيارة الإخوان في الله تعالى, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زار رجل أخا له في قرية فأرصد الله له ملكا على مدرجته, فقال: أين تريد؟ فقال: أريد أخا لي في هذه القرية, قال: هل لك من نعمة تربها؟ قال: لا ، غير أني أحببته في الله عز وجل, قال فإني رسول الله إليك بأنّ الله قد أحبك كما أحببته فيه» (مسلم)) (القرطبي).

525

الآية 101

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِينا﴾ (النساء: 101)

قال ابن عباس: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة» (مسلم). نلمح في هذا التشريع للصلاة في الحضر وفي السفر وفي الخوف مدلولين تربويين:

(الأول) رحمته تعالى بالمسلمين ورأفته بهم ومراعاته تعالى لضعفهم البشري، حيث رفع عنهم الجُناح في قصر الصلاة في السفر بسبب المشقة، وفي قصر الصلاة في الخوف بسبب المشقة والخوف.

(الثاني) أهمية الصلاة وضرورتها للمسلم، حيث إنه تعالى لم يعف المسلم من الصلاة لا في السفر ولا الخوف ولا في المرض، وذلك لأنّ الصلاة صلة مع الله والمسلم بحاجة إلى الصلة الدائمة مع الله في الحضر وفي السفر وفي الخوف وفي المرض، وربما تكون حاجته إلى الصلة مع الله في السفر والخوف والمرض أشد من حاجته لهذه الصلة في الأحوال العادية.

526

الآية 102

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِينا﴾ (النساء: 102)

(1) قال أبو عياش الزرقي رضي الله عنه: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعُسفان, فاستقبلنا المشركون, وعليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة, فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر, فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم, ثم قالوا: تأتي الآن عليهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم, قال: فنزل جبريل بهذه الآية بين الظهر والعصر» (أحمد)، وقال ابن كثير في التفسير: «صلاة الخوف أنواع كثيرة, فإن العدو تارة يكون باتجاه القبلة وتارة يكون في غير صوبها, والصلاة تارة تكون رباعية وتارة تكون ثلاثية كالمغرب وتارة تكون ثنائية كالصبح وصلاة السفر, ثم تارة يصلون جماعة وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها, ورجالا وركبانا, ولهم أن يمشوا والحالة هذه ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة».

(2) دلت هذه الآية على أهمية الصلاة باعتبارها صلة بين المؤمن وربه، والإسلام لم يلغ هذه الصلة حتى في حال الخوف والقتال، ولو كان شيء يبرر تركها لكان هذا, وبالعكس نجد أنّ التشريع الإسلامي يؤكد على الحاجة إلى الصلاة في حال الخوف والقتال أكثر من الحاجة إليها في بقية الأوقات، لأنّ المسلم أحوج إلى الصلة بربه في هذه الحالة من بقية الحالات.

(3) كما دلت هذه الآية على أهمية صلاة الجماعة في الشريعة الإسلامية، ولو كان شيء يبرر ترك صلاة الجماعة لكان الانشغال بالخوف والقتال، ولكنه تعالى شرع كل هذه الترتيبات المذكورة في الآية تأكيدا للمسلمين وتربية لهم على أهمية صلاة الجماعة، ومنه أهمية الجماعة في الإسلام.

(4) قوله تعالى: (وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ للطائفة الأولى, ثم قال: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُم). خصّ الطائفة الثانية بالحذر مع أنّ الحذر مطلوب من الكل، لأنّ العدو قلما ينتبه لكون المسلمين قائمين للصلاة في البداية, ثم يظهر له ذلك في الركعة الثانية فهنا قد ينتهز الفرصة للهجوم عليهم، ولذلك خصّ الطائفة الثانية بالحذر.

(5) كما دلت الآية على أنّ أخذ الحذر وأخذ السلاح هي أسباب لابد للمسلم من الأخذ بها مرضاة لله، فإن لم يأخذ بها فلا يُعدّ متوكلا على الله بل يكون من المتواكلين.

527

الآية 103

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتا﴾ (النساء: 103)

(1) قوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُم). رغب الله في ذكره وأمر به بعد صلاة الخوف لأنّ الحاجة إلى الذكر هنا أوكد من الحاجة إليه في سائر الأوقات, فالمسلم محتاج إلى نصرة الله في قتاله مع أعدائه وهذه الحاجة أشد ما تكون أثناء القتال، وهذه الآية كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون) (الأنفال: 45)، والذكر ومنه الدعاء بالنصر هو من مفاتيح النصر.

(2) قوله تعالى: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُم). ترغيب في الذكر على كل حال وفي كل وقت, قال ابن عباس: ((ما فرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما, ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر, فإنّ الله لم يجعل له حدا ينتهي إليه, ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله, فقال: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُم). بالليل والنهار, في البر والبحر, وفي السفر والحضر, والغنى والفقر, والسقم والصحة, والسر والعلانية, وعلى كل حال)) (الطبري).

(3) قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتا). قال ابن مسعود: «وقتا كوقت الحج» (الطبري)، وقال زيد بن أسلم: «موقوتا: منجّما, كلما مضى نجم جاء نجم آخر, يقول: كلما مضى وقت جاء وقت آخر» (الطبري). ومن هنا قال بعض الفقهاء بعدم قضاء الصلاة الفائتة لأنّ القضاء لا يصح ولا يجزئ, ومن أضاع صلاة فهو مرتكب لذنب كبير وعليه الاستغفار وانتظار رحمة الله وعفوه, وقال جمهور الفقهاء بصحة قضاء الفائتة من الصلاة. فكن على حذر ــ أيها المسلم ـ من إضاعة أية صلاة لأنّ ظاهر النص مع الذين يقولون بعدم قضاء الصلاة.

528