الآيات 105-113
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيما﴾ (النساء: 105-113)
(1) رُوي عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآيات: «أنّ نفرا من الأنصار غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته فسرقت درع لأحدهم فأظن بها رجلا من الأنصار, فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ طعمة بن أبيرق سرق درعي, فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء وقال لنفر من عشيرته: إني غيّبت الدرع وألقيتها في بيت فلان وستوجد عنده, فانطلقوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليلا فقالوا: يا نبي الله, إنّ صاحبنا بريء وإنّ صاحب الدرع فلان وقد أحطنا بذلك علما, فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه, فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك, فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرّأه وعذره على رؤوس الناس فأنزل الله هذه الآيات» (ابن كثير).
(2) قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاس). يدل على أنّ هذا الكتاب وهو القرآن كتاب عمل وتطبيق أنزله الله كي يحتكم إليه الناس في شؤون حياتهم كبيرها وصغيرها, وليس كتابا يتلى في المناسبات كي يضفي عليها طابع الحزن, وليس كتابا للتلحين والترنم كما يفعل بعض القراء في تلحينه على بعض الأنغام الأعجمية, فهو كتاب حُكم كما نصّ الله على ذلك في هذه الآية فقال: (لتحكم)، ودستور عمل كما تعامل معه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كانوا يتعلمون القرآن والعمل به جميعا, وكان أحدهم يحس أنه إن استزاد من أخذ الآيات فإنما يستزيد من التكاليف.
(3) قوله تعالى: (بِمَا أَرَاكَ اللَّه). قال الإمام الرازي: ((قوله: (بِمَا أَرَاكَ اللَّه) معناه بما أعلمك الله, وسمّي ذلك العلم بالرؤية لأنّ العلم اليقين المبرأ عن جهات الريب يكون جاريا مجرى الرؤية في القوة والظهور, وكان عمر رضي الله عنه يقول: لا يقولن أحد قضيت بما أراني الله, فإنّ الله تعالى لم يجعل ذلك إلا لنبيه, وأما الواحد منا فرأيه يكون ظنا ولا يكون علما))، وهذا يدل على أدب تربوي يجب أن يتأدب به كل مسلم خاصة العلماء والفقهاء والقضاة منهم، فلا يقولون عن اجتهادهم أنه حكم الله ما لم يكن الحكم قطعيا بنص قطعي الدلالة قطعي الثبوت, ومثل ذلك حين يُسأل المسلم عن أمر أحلال هو أم حرام؟ فإن كان ذلك الأمر محرما بنص صريح قطعي من جهة الدلالة والثبوت كالميتة مثلا قال: إنّ الله حرم الميتة, أما إذا كان الأمر محرما باجتهاد فقهي كأن يكون مأخوذا من نص ظني الدلالة أو ظني الثبوت أو ظني الدلالة والثبوت أو لا نص فيه فيقول: اجتهادي في هذه المسألة أنها حرام، ومثال ذلك: لو سئل المسلم عن لعب الشطرنج أحرام هو؟ فله أن يقول: اجتهادي في هذه المسألة أنه حرام، ولا يصح له أن يقول: إنّ الله حرم لعب الشطرنج، فذلك سوء أدب مع الله وربما كان افتراء عليه.