التفسير التربويالجزء 1 · ص 529 - 536

الآية 104

الآية 104

قوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيما﴾ (النساء: 104)

هذا من الله تعالى ترغيب للمسلمين في جهاد أعدائهم وقتالهم وذلك من خلال أمرين:

(الأول) أنّ الألم والجراح لما لم تكن مانعة لعدوكم من قتالكم فمن قبيل الأولى أن لا يمنعكم الألم والجراح من قتاله.

(الثاني) أنكم إن تساويتم مع عدوكم في الآلام والجراح فكفتكم راجحة على عدوكم بالرجاء, فأنتم ترجون من الله الثواب والجنة والنصر وهم لا يرجون منه شيئا, وهذه الآية تدل على أنّ المسلمين إذا تساووا مع عدوهم في القوة المادية فالغلبة لهم على عدوهم بالعقيدة والرجاء.

529

الآيات 105-113

قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيما﴾ (النساء: 105-113)

(1) رُوي عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآيات: «أنّ نفرا من الأنصار غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته فسرقت درع لأحدهم فأظن بها رجلا من الأنصار, فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ طعمة بن أبيرق سرق درعي, فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء وقال لنفر من عشيرته: إني غيّبت الدرع وألقيتها في بيت فلان وستوجد عنده, فانطلقوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليلا فقالوا: يا نبي الله, إنّ صاحبنا بريء وإنّ صاحب الدرع فلان وقد أحطنا بذلك علما, فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه, فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك, فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرّأه وعذره على رؤوس الناس فأنزل الله هذه الآيات» (ابن كثير).

(2) قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاس). يدل على أنّ هذا الكتاب وهو القرآن كتاب عمل وتطبيق أنزله الله كي يحتكم إليه الناس في شؤون حياتهم كبيرها وصغيرها, وليس كتابا يتلى في المناسبات كي يضفي عليها طابع الحزن, وليس كتابا للتلحين والترنم كما يفعل بعض القراء في تلحينه على بعض الأنغام الأعجمية, فهو كتاب حُكم كما نصّ الله على ذلك في هذه الآية فقال: (لتحكم)، ودستور عمل كما تعامل معه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كانوا يتعلمون القرآن والعمل به جميعا, وكان أحدهم يحس أنه إن استزاد من أخذ الآيات فإنما يستزيد من التكاليف.

(3) قوله تعالى: (بِمَا أَرَاكَ اللَّه). قال الإمام الرازي: ((قوله: (بِمَا أَرَاكَ اللَّه) معناه بما أعلمك الله, وسمّي ذلك العلم بالرؤية لأنّ العلم اليقين المبرأ عن جهات الريب يكون جاريا مجرى الرؤية في القوة والظهور, وكان عمر رضي الله عنه يقول: لا يقولن أحد قضيت بما أراني الله, فإنّ الله تعالى لم يجعل ذلك إلا لنبيه, وأما الواحد منا فرأيه يكون ظنا ولا يكون علما))، وهذا يدل على أدب تربوي يجب أن يتأدب به كل مسلم خاصة العلماء والفقهاء والقضاة منهم، فلا يقولون عن اجتهادهم أنه حكم الله ما لم يكن الحكم قطعيا بنص قطعي الدلالة قطعي الثبوت, ومثل ذلك حين يُسأل المسلم عن أمر أحلال هو أم حرام؟ فإن كان ذلك الأمر محرما بنص صريح قطعي من جهة الدلالة والثبوت كالميتة مثلا قال: إنّ الله حرم الميتة, أما إذا كان الأمر محرما باجتهاد فقهي كأن يكون مأخوذا من نص ظني الدلالة أو ظني الثبوت أو ظني الدلالة والثبوت أو لا نص فيه فيقول: اجتهادي في هذه المسألة أنها حرام، ومثال ذلك: لو سئل المسلم عن لعب الشطرنج أحرام هو؟ فله أن يقول: اجتهادي في هذه المسألة أنه حرام، ولا يصح له أن يقول: إنّ الله حرم لعب الشطرنج، فذلك سوء أدب مع الله وربما كان افتراء عليه.

530

(4) قوله تعالى: (وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيما)، وقوله تعالى: (وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُم)، وكذلك قوله تعالى: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا). هذه الأقوال ترشدنا إلى قاعدة جليلة في سلك المحاماة خاصة الآن، وهي لا يحل لمحام أن يدافع عن مبطل ولا أن ينوب عنه, لا يحل له أن ينوب أو يدافع إلا عن صاحب حق، لأنّ الخصيم والمجادل هو المدافع، والله تعالى نهى عن المخاصمة والمجادلة عن الخائن لأنه مبطل والنهي يفيد التحريم, ومما يدل على حرمة ذلك قوله تعالى استفهاما إنكاريا: (فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة)، وقوله كذلك استفهام على سبيل الإنكار والتقريع والتوبيخ: (أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا). وهذه النصوص وإن دلت على قاعدة في المحاماة فهي تدل على أدب تربوي يجب على كل مسلم أن يتأدب به، وهو أنه لا يحل لمسلم أن يدافع عن مبطل إذا ظهر وثبت أنه صاحب باطل كأن يظهر ويثبت أنه عاص لله أو منافق يتستر بالإسلام، بل واجب المسلم هو الشهادة بالعدل والشهادة بالقسط مرضاة لله، وفي ذلك يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُم) (النساء: 135)، ويقول أيضا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْط) (المائدة: 8).

(5) قوله تعالى: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً. أمر الله نبيه بالاستغفار مع أنه معصوم عن الذنوب, فمن قبيل الأولى أن يشمل الأمر بالاستغفار من الذنوب كل مسلم حيث إنه لا عصمة لهم من الذنوب، وهذا النص عام لكل المسلمين وإن كان المخاطب به محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أمر بالاستغفار من الذنوب الحاصلة سواء علم بها المسلم أم لم يعلم، والمراد منه التربية على الاستغفار حتى لو لم يكن هناك ذنب، فإن كان هناك فالله يذكر كل مذنب بأنه غفور للذنوب: أي يسترها, رحيم بالمذنبين: أي يعفو عنهم.

(6) قوله تعالى: (يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُم). يدل على أن من أقدم على المعصية فقد خان نفسه وإن كانت المعصية متعلقة بغيره كالظلم مثلا، لأنه حرم نفسه من الثواب وأوجب لها العقاب, هذا ناهيك عن كون المعصية فيها خيانة للآخرين وخيانة لله ورسوله, وهذا المعنى ترهيب من المعصية وتحذير منها.

531

(7) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيما). فيه تحذير شديد من المعصية باعتبارها إثما وخيانة من خلال التبيان بأنّ الله لا يحب من يفعل المعصية, وكونه تعالى لا يحب المعصية فيه ترهيب للمسلم من أن يكون في الموضع الذي لا يحبه الله، لأنّ غاية كل مسلم هي الوصول إلى محبة الله، قال الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: «واعلم أنّ في الآية تهديدا شديدا, وذلك لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما مال طبعه إلى قليلا إلى جانب طعمة بن أبيرق, وكان في علم الله أنّ طعمة كان فاسقا, فالله تعالى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب, فكيف حال من يعلم الظالم كونه ظالما ثم يعينه على ذلك الظلم, بل يحمله عليه ويرغبه فيه أشد الترغيب».

(8) قوله تعالى: (وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُم)، و قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطا). المدلول التربوي لهذه الأقوال هو الزجر عن المعصية من خلال التذكير بأنّ الله موجود مع العصاة بعلمه وقدرته ورؤيته, والوعيد على المعصية من خلال التذكير بعلم الله الذي لا يخفى عنه خافية ويعلم بواطن الأمور كما يعلم ظاهرها ويستوي عنده علم الظاهر وعلم الباطن.

532

(9) قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيما). في هذه الآية ترغيب في التوبة من خلال الحض عليها (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّه) والتذكير بأنه تعالى يغفر ذنوب التائبين ويرحم عباده المذنبين (يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيما)، فكأنه تعالى ينتظر المذنب سواء بحق غيره أو بحق نفسه حتى يتوب ويستغفر كي يغفر له ذنبه ويرحمه فلا يعاقبه عليه، وفي الحديث الشريف قال علي رضي الله عنه: ((كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا نفعني الله فيه بما شاء أن ينفعني منه, وحدثني أبو بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مسلم يذنب ذنبا ثم يتوضأ ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله لذلك الذنب إلا غفر الله له، وقرأ هاتين الآيتين: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَه) (النساء: 110)، (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم) (آل عمران: 135)) (أحمد). وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنبا أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه, وإذا أصاب البول شيئا منه قرضه بالمقراض, فقال رجل: لقد آتى الله بني إسرائيل خيرا! فقال عبد الله: ما آتاكم الله خيرا مما آتاهم, جعل الله الماء لكم طهورا, وقال: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم) (آل عمران: 135)، وقال: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيما) (النساء:110)) (الطبري). وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: «أخبر الله عباده بعلمه وعفوه وكرمه, وسعة رحمته ومغفرته, فمن أذنب ذنبا صغيرا كان أو كبيرا, ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما, ولو كانت ذنوبه أعظم من السماوات والأرض والجبال» (الطبري). وقال حبيب بن أبي ثابت: ((جاءت امرأة إلى عبد الله بن مغفل فسألته عن امرأة فجرت فحبلت, فلما ولدت قتلت ولدها, ما لها؟ فقال ابن مغفل: ما لها؟ لها النار! فانصرفت وهي تبكي, فدعاها ثم قال: ما أرى أمرك إلا أحد أمرين: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءا)، (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَه)، (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيما)، قال: فمسحت عينها ثم مضت)) (الطبري).

(10) قوله تعالى: (فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِينا). تشبيه للذنوب بأنها ثقل يحمله الإنسان, وهذا تنفير من الذنوب وترغيب في العمل الصالح الذي يحمل الإنسان, فالمعصية يحملها الإنسان والطاعة تحمله, وهذا أسلوب تربوي يستخدمه القرآن في تحقيق غايته في صلاح الإنسان واستقامته وبعده عن الذنوب.

(11) قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيما). هذه الآية من أدل الدلائل على شرف العلم وعلو مرتبة العالم عند الله, لأنّ الله لم يعط الناس من العلم إلا القليل: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلا) (الإسراء: 85)، ومع ذلك سمّى هذا القليل بالعظيم فقال: (وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيما).

533

(12) قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِينا). دلت هذه الآيات على قواعد عامة في العدالة الإلهية مع الناس, فالأولى فتحت باب التوبة ورغبت كل مذنب في المغفرة والرحمة: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيما)، والثانية قررت فردية التبعة: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيما)، والثالثة قررت مسؤولية الاتهام: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِينا).

534

الآية 114

قوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيما﴾ (النساء: 114)

(1) قوله تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُم). ورد النهي عن النجوى بشكل عام، وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث لأنّ ذلك يحزنه» (البخاري)، وفي القرآن قال تعالى: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) (المجادلة: 10)، ولهذا النهي عن النجوى مدلولان تربويان: (الأول) مدلول فردي، وهو أنّ النجوى توقع الحزن في نفوس المؤمنين، وتفتح بابا للشيطان ووسواسه في نفس الثالث الذي لا يدخل في النجوى، وهي تورث العداوة والبغضاء المتولدة عن الحزن، حيث إنّ الثالث الذي لم يدخل في النجوى ربما ظن أنّ النجوى عليه، وربما ظن أنّ النجوى وإن لم تكن عليه فإن المتناجيان لا يعدانه أهلا للنجوى والمسامرة. (الثاني) مدلول جماعي، حيث إنّ أي مشكلة تواجه المسلم في حياته يجب أن تعرض على أهل الحل والعقد، والأصل في ذلك العلانية فتناقش المشكلة ويوجد لها الحل أما إذا دخل أصحاب المشاكل في النجوى مع المسلمين بمشاكلهم فهذا سيؤدي إلى تشكل جيوب منعزلة داخل الجماعة الواحدة ومن ثم تحول الجماعة الواحدة إلى مجموعة عصابات.

(2) قوله تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاس). قال الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: ((والمراد: لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير، ثم إنه تعالى ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع: الأمر بالصدقة, والأمر بالمعروف, والإصلاح بين الناس, وإنما ذكر الله هذه الأقسام الثلاثة لأنّ عمل الخير إما أن يكون بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة, أما إيصال الخير فإما أن يكون من الخيرات الجسمانية وهو إعطاء المال وإليه الإشارة بقوله: (إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَة), وإما أن يكون من الخيرات الروحانية وهو عبارة عن تكميل القوة النظرية بالعلوم أو تكميل القوة العملية بالأفعال الحسنة، ومجموعهما عبارة عن الأمر بالمعروف وإليه الإشارة بقوله: (أَوْ مَعْرُوف)، وأما إزالة الضرر فإليها الإشارة بقوله: (أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاس)، فثبت أنّ مجامع الخيرات مذكورة في هذه الآية)).

(3) قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَة). ولم يقل: إلا من تصدّق, ومدلوله التربوي أنّ الدال على الخير كفاعله، وأنّ الإنسان إن لم يكن قادرا على فعل الخير فعليه أن يأمر الناس بفعل الخير وإن فعل ذلك كان معهم في الخير سواء, والمفهوم العكسي من هذه المسألة صحيح فالذي يأمر بالشر وإن لم يفعله كان كفاعل الشر سواء، وفي الحديث: «من أعان على قتل المسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله» (ابن ماجة).

535

(4) قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاس). رغبت هذه الآية في مجامع الخيرات وذكرت منها هذه الثلاثة، فقوله تعالى: (أَمَرَ بِصَدَقَة) فيه ترغيب في الصدقة وهي دفع المال إلى المحتاجين سواء كانت زكاة مفروضة أو نفقة تطوع أو النفقة الواجبة على المسلم, وقد وسّع الإسلام مفهوم الصدقة ودلالاتها ولم يقف بها عند حد بذل المال للغير, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبسمك في وجه أخيك صدقة, وأمرك بالمعرف ونهيك عن المنكر صدقة, وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة, وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة, وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة, وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة» (الترمذي)، وهذا المعنى الجديد للصدقة في متناول كل مسلم سواء كان غنيا أم كان فقيرا. وقوله تعالى: (أَوْ مَعْرُوف) ترغيب في المعروف أمرا به وفعلا له، والمعروف لفظ جامع لكل أعمال الخير والبر, وفي الحديث: «كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر لله تعالى» (الترمذي)، وقال العباس رضي الله عنه: «لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيله وتصغيره وستره, فإذا عجلته هنأته, وإذا صغرته عظمته, وإذا سترته أتممته» (القرطبي). وقوله تعالى: (أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاس) ترغيب في الإصلاح بين الناس خاصة الإصلاح بين المؤمنين, وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، يا رسول الله, قال: إصلاح ذات البين، ثم قال: وفساد ذات البين هي الحالقة» (أبو داود)، وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري: «رد الخصوم حتى يصطلحوا, فإنّ فصل القضاء يورث بينهم الضغائن» (القرطبي).

(5) قوله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّه). ترغيب في إخلاص النية لله، لأنّ هذه الخيرات الثلاثة وإن كانت في غاية الشرف والجلالة فإنما ينتفع بها من أمر بها أو فعلها لوجه الله وابتغاء مرضاته, وأما من أمر بها أو فعلها رياء وسمعة انقلبت فصارت من أعظم المفاسد.

(6) قوله تعالى: (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيما). ترغيب في هذه الأمور الثلاثة من خلال الوعد للآمر بها ولفاعلها بالأجر العظيم عند الله, والعظيم عند الله ليس كالعظيم عندنا, فالعظيم عندنا له حدّ معروف أما العظيم عند الله فلا يعلمه حده ومنتهاه سواه.

536