الآيات 115-116
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدا﴾ (النساء: 115-116)
(1) قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرا). دلت هذه الآية على وجوب اتباع الرسول، لأنّ معنى المشاقة أن يكون الإنسان في شق والرسول صلى الله عليه وسلم في الشق المقابل، والله تعالى توعد بالنار لمن يفعل ذلك, ومعنى اتباع الرسول هو الأخذ بما جاء به من الكتاب والسنة والعمل بهما جميعا دون فصل بين كتاب وسنة أو فصل بين عقيدة وشريعة, أو فصل بين عبادات ومعاملات، فكل فصل في ذلك هو مشاقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما دلت هذه الآية على أنّ الإيمان بالرسالة ليس مجرد التصديق بها، وإنما التصديق بها والعمل بما تضمنته.
(2) وقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى) يدل على أنّ سبيل الإيمان هو التبيّن والنظر الاستدلال، وهذا معناه: نبذ التقليد وتحريمه، ومعناه أيضا: أنّ المسلم يشرف بالعلم ويسمو به إذا أتبع العلم بالعمل، والعكس صحيح حيث يقبح ذنبه وتعظم عقوبته إذا أتبع العلم بترك العمل ومخالفته، وهذا مأخوذ من مفهوم المشاقة.
(3) وقوله تعالى: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين) فيه تكريم للأمة حيث أوعد على مخالفتها إذا اجتمعت في أمر ما, فعصمة الأمة المسلمة من نعم الله تعالى عليها وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها» (أحمد)، وكذلك العقل الجماعي نعمة من الله يجب عدم التفريط بها حيث يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «اثنان خير من واحد, وثلاثة خير من اثنين, وأربعة خير من ثلاثة, فعليكم بالجماعة فإنّ الله لم يجمع أمتي إلا على الهدى» (أحمد).
(4) وقوله تعالى: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) معناه: نتركه وما يعبد, وهذا وعيد شديد لمن فهمه حيث إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو قائلا «اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين» (أبو داود)، فإنّ الله تعالى إن هدد الإنسان بأن يكله إلى نفسه كان ذلك الإنسان في خطر، فكيف يكون حاله إذا هدده بأن يكله إلى معبودات الجاهلية من أصنام وغيرها.
(5) وقوله تعالى: (وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرا)، وعيد ثان, وهذان الوعيدان لمن خالف أحد الأمرين فدخل في شقاق مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو اتبع غير سبيل المؤمنين، فكيف يكون حال من فعل الأمرين معا؟ نعوذ بالله من ذلك.