التفسير التربويالجزء 1 · ص 537 - 544

الآيات 115-116

الآيات 115-116

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدا﴾ (النساء: 115-116)

(1) قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرا). دلت هذه الآية على وجوب اتباع الرسول، لأنّ معنى المشاقة أن يكون الإنسان في شق والرسول صلى الله عليه وسلم في الشق المقابل، والله تعالى توعد بالنار لمن يفعل ذلك, ومعنى اتباع الرسول هو الأخذ بما جاء به من الكتاب والسنة والعمل بهما جميعا دون فصل بين كتاب وسنة أو فصل بين عقيدة وشريعة, أو فصل بين عبادات ومعاملات، فكل فصل في ذلك هو مشاقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما دلت هذه الآية على أنّ الإيمان بالرسالة ليس مجرد التصديق بها، وإنما التصديق بها والعمل بما تضمنته.

(2) وقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى) يدل على أنّ سبيل الإيمان هو التبيّن والنظر الاستدلال، وهذا معناه: نبذ التقليد وتحريمه، ومعناه أيضا: أنّ المسلم يشرف بالعلم ويسمو به إذا أتبع العلم بالعمل، والعكس صحيح حيث يقبح ذنبه وتعظم عقوبته إذا أتبع العلم بترك العمل ومخالفته، وهذا مأخوذ من مفهوم المشاقة.

(3) وقوله تعالى: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين) فيه تكريم للأمة حيث أوعد على مخالفتها إذا اجتمعت في أمر ما, فعصمة الأمة المسلمة من نعم الله تعالى عليها وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها» (أحمد)، وكذلك العقل الجماعي نعمة من الله يجب عدم التفريط بها حيث يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «اثنان خير من واحد, وثلاثة خير من اثنين, وأربعة خير من ثلاثة, فعليكم بالجماعة فإنّ الله لم يجمع أمتي إلا على الهدى» (أحمد).

(4) وقوله تعالى: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) معناه: نتركه وما يعبد, وهذا وعيد شديد لمن فهمه حيث إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو قائلا «اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين» (أبو داود)، فإنّ الله تعالى إن هدد الإنسان بأن يكله إلى نفسه كان ذلك الإنسان في خطر، فكيف يكون حاله إذا هدده بأن يكله إلى معبودات الجاهلية من أصنام وغيرها.

(5) وقوله تعالى: (وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرا)، وعيد ثان, وهذان الوعيدان لمن خالف أحد الأمرين فدخل في شقاق مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو اتبع غير سبيل المؤمنين، فكيف يكون حال من فعل الأمرين معا؟ نعوذ بالله من ذلك.

537

(6) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدا). في هذه الآية وعيد شديد على الشرك (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به)، وتقرير اليأس من مغفرة الله هو أشد أنواع الوعيد على الإطلاق لأنّ الشرك بالله أعظم الذنوب على الإطلاق, وفيها رحمة الله بالمؤمنين حين جعل عقوبتهم على الذنوب التي لا يتوبون منها معلقة بمشيئته تعالى إن شاء غفر وإن شاء عذب, ولأنّ هذه الآية من أرجى آيات القرآن قال الإمام علي رضي الله عنه: «ما في القرآن آية أحبّ إلي من هذه» (الترمذي).

538

الآيات 117-121

قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصا﴾ (النساء: 117-121)

(1) تضمنت هذه الآيات التحذير من الشيطان وذلك من خلال التذكير بالأمور التالية: (أولا) خروج الشيطان عن طاعة الله حين أمره الله بالسجود لآدم فرفض (شَيْطَاناً مَرِيدا). (ثانيا) عداوته القديمة للإنسان والتي استوجب بسببها الطرد من رحمة الله (لَعَنَهُ اللَّه). (ثالثا) اتخاذه لجزء من الناس أتباعا له وإقسامه على ذلك بقوله: (لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضا), وليتنبه لذلك الغافلون, فإنّ نصيب الشيطان من كل ألف من الناس تسعمائة وتسعة وتسعون, وفي الحديث: «يقول الله تعالى لآدم: ابعث بعث النار, فيقول: وما بعث النار, فيقول الله: من كل ألف من الناس تسعمائة وتسعة وتسعين» (الترمذي). (رابعا) التذكير بأساليب الشيطان في غواية الناس وهي: (وَلَأُضِلَّنَّهُم) أي: لأصرفنهم عن طريق الهدى، (وَلَأُمَنِّيَنَّهُم) أي: لألهينهم بالأماني والآمال, (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَام) أي: أحملهم على قطع آذان الأنعام كالبحيرة والسائبة تخصيصا لها أنها للأصنام من دون الله, (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّه) أي: يغيرون دين الله الذي فطر الناس عليه وهو الإسلام، وقيل: المراد بذلك الخصاء وقلع الأعين وشق الآذان والتفلح للحسن والوشم والنمص وغير ذلك.

(2) قوله تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيدا) المراد: يعبدون, وعبّر عن العبادة بالدعاء لأنّ الدعاء مخ العبادة كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الدعاء هو العبادة» (الترمذي)، وفي هذا تحذير من الاستغاثة بغير الله لأنّ ذلك شرك, كما يفعل بعض الجهلة حينما يستغيثون بالأنبياء أو الأولياء مع الله أو من دونه.

(3) قوله تعالى: (وَلَأُمَنِّيَنَّهُم)، قال الإمام الرازي: ((وهذا يُشعر أنه لا حيلة له في الإضلال أقوى من إلقاء الأماني في قلوب الخلق, وطلب الأماني يورث شيئين: الحرص والأمل, والحرص والأمل يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة, وهما كالأمرين اللازمين لجوهر الإنسان, قال صلى الله عليه وسلم: (يهرم ابن آدم ويشب معه اثنان: الحرص والأمل) (أحمد), والحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا وأهوال الدين, فإنه إذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية الله وإيذاء الخلق, وإذا طال أمله نسي الآخرة وصار غريقا في الدنيا, فلا يكاد يقدم على التوبة ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ , فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة)). قلت: ما أخرج آدم من الجنة إلا الحرص, فإنّ الله تعالى لما أسكنه وزوجه الجنة سمح له أن يأكل من كل أشجار الجنة إلا شجرة واحدة, ولكنه لحرصه أكل من الشجرة، وما دفعه إلى ذلك إلا رغبته في معرفة ماهيتها وكنهها وسبب المنع منها وذلك غاية الحرص، وكذلك ما منع إبليس من التوبة إلا الأمل فإنه لما طلب الإمهال أمهله الله تعالى إلى النفخة الأولى فطال أمله وصار ذلك كالمانع له من التوبة، وكذلك الناس ما يمنعهم من التوبة إلا طول الأمل عندهم فهم يقيسون حياتهم على حياة المعمرين منهم فيقولون في أنفسهم الوقت طويل, ولا زلنا شبابا, وأمامنا عشرون أو ثلاثون أو أربعون سنة قبل الموت.

539

(4) قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِينا)، تحذير من متابعة الشيطان وفعل ما يأمر به وترك ما ينهى عنه، فدل ذلك على أنّ المتابعة في الفعل والترك هي الولاية, ولما كانت متابعة الشيطان تؤدي إلى الخسارة في الدنيا والآخرة, فإنّ ذلك يدل على أنّ متابعة الرحمن تفيد المنافع العظيمة في الدنيا والآخرة, وفي هذا تربية للمسلمين على أنّ الطاعة تورث العز والغنى، وعلى أنّ المعصية تورث الذل والفقر.

540

الآية 122

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ (النساء: 122)

(1) قرن الترهيب بالترغيب والوعيد بالوعد والعقاب بالثواب كما هي عادة القرآن في ذلك، فمن كفر واتبع الشيطان فمصيره الخلود في النار ومن آمن واتبع الرحمن فله الخلود في الجنة.

(2) قوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدا)، وقوله تعالى: (وَعْدَ اللَّهِ حَقّا)، وقوله تعالى: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا)، توكيدات ثلاثة لمضمون واحد، وهذا ليس تكرارا وإنما معارضة لمواعيد الشيطان وأمانيه الكاذبة، وتنبيه إلى أنّ وعد الله أولى بالقبول والتصديق, فإنه لما كانت مواعيد الشيطان متعددة ناسب ذلك أن تكون مواعيد الرحمن متعددة، والله أعلم.

541

الآيات 123-124

قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرا﴾ (النساء: 123-124)

لنا مع هذه الآيات الوقفات التربوية التالية :

(1) قوله تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَاب). قال مسروق: «احتج المسلمون أهل الكتاب, فقال المسلمون: نحن أهدى منكم, وقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم, فأنزل الله هذه الآية» (الطبري)، وفي هذه الآية تربية للمسلمين على أنّ الأساس في الهدى والفضل والنجاة عند الله هو العمل وليس مجرد الانتساب, ومن قصّر به عمله لم ينجه انتسابه, ولا قيمة لما يشتهيه الإنسان ويتمناه ما لم يقم هذا الاشتهاء والتمني على أساس راسخ من العمل والطاعة, وقيل في المثل: «كن عصاميا ولا تكن عظاميا», فالعصامي من يتميز بين الناس بعمله وبنائه لنفسه, والعظامي من يتميز بين الناس بانتسابه للآباء والأجداد الذين صاروا عظاما بعد موتهم، ومشكلة التفاخر بالانتساب إلى جماعة معينة مشكلة قائمة, فمن النصارى واليهود من يدعي الخيرية والنجاة على أساس من الانتساب وذلك قولهم: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه) (المائدة: 18)، وقولهم: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى) (البقرة: 111)، وقولهم: (وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا) (البقرة: 135)، ومن المسلمين من يدعي الخيرية والنجاة على أساس من مجرد الانتساب للإسلام لقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس)، ناسين شرط الله على هذه الأمة في الخيرية وهو: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه) (آل عمران: 110)، وفي هذه الآية رد عليهم جميعا وعلى كل من ينهج نهجهم من الأمم.

542

(2) قوله تعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ به). معنى الآية: من يرتكب صغيرة أو كبيرة من معاصي الله تعالى سواء كان المرتكب مؤمنا أم كافرا فإنه معاقب على فعله ومحاسب على عمله، وفيها تربية للمسلمين على قاعدة العدالة الإلهية وهي أنّ الله يعاقب العاصي ويثيب المطيع والعقاب والثواب يكون على أساس العمل الذي يعمله الإنسان, فلا محسوبيات عند الله تعالى, ولا وسائط ولا انتسابات، وكان من الآثار التربوية لهذه الآية أنها أهمّت المسلمين وأغمّتهم ففكروا أنهم إن حوسبوا على كل عمل يعملونه من السيئات وعوقبوا عليه فإنهم هالكون، لأنه ما من أحد معصوم عن فعل السوء وما من مسلم معصوم عن الخطايا والذنوب والسيئات، قال أبو هريرة رضي الله عنه: ((لما نزلت هذه الآية: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ به) شقّت على المسلمين, وبلغت منهم ما شاء الله أن تبلغ, فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال «قاربوا وسددوا, ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة, حتى النكبة ينكبها, أو لشوكة يشاكها» (مسلم). قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «يا نبي الله كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: غفر الله لك يا أبا بكر, ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ فهو ما تجزون به» (أحمد). وقالت عائشة رضي الله عنها: ((قلت: يا رسول الله, إني لأعلم أشد آية في القرآن! فقال صلى الله عليه وسلم: ما هي يا عائشة؟ قلت: هي هذه الآية يا رسول الله: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ به) فقال: هو ما يصيب العبد المؤمن, حتى النكبة ينكبها)) (الطبري). ومعنى ذلك: إنّ ما يصيب المسلم في الدنيا هو كفارة لذنوبه حتى أنه يخرج من الدنيا وقد خلص من ذنوبه, وليس ذلك للكافر فإنه معاقب على ذنوبه كاملة في الآخرة.

543

(3) قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرا). قال مسروق: ((لما نزل قوله تعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ به) قال أهل الكتاب للمسلمين: نحن وأنتم سواء, فنزلت هذه الآية))، وفي هذه الآية تربية للناس على أمور: (الأول) قاعدة الإيمان, فلا قيمة للعمل الصالح عند الله ولا يثاب صاحبه ما لم يكن على أساس من الإيمان، فمن عمل صالحا وليس بمؤمن فلا ثواب له على عمله, فالعمل يجب أن يكون لله وابتغاء مرضاته. (الثاني) قاعدة العمل، فلا قيمة لإيمان بلا عمل لأنّ العمل الصالح هو الذي يصدق الإيمان أو يكذبه, ولأنّ العمل الصالح جزء من الإيمان, قال السُدّي في تفسير هذه الآية: «أبى الله أن يقبل الإيمان إلا بالعمل الصالح» (الطبري). ونوضح هنا فنقول: إنّ الإيمان يشتمل على جزأين: (أحدهما) العقيدة بالقلب، (والآخر) العمل بالجوارح, والدليل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول لا إله إلا الله, وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (مسلم)، فدل ذلك على أنّ القول وهو عمل اللسان جزء من الإيمان, وعلى أنّ الفعل وهو عمل الجوارح جزء من الإيمان، وكذلك قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم) (البقرة: 143)، والمراد بذلك: صلاتكم إلى بيت المقدس بإجماع المفسرين, فسمّى الصلاة وهي أقوال وأفعال إيمانا, فدل ذلك على أنّ العمل جزء من الإيمان, وكذلك قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون) (الزخرف: 72)، وكون العمل سبب في دخول الجنة يدل على أنّ العمل جزء من الإيمان، لأنه لا أحد يدخل الجنة بلا إيمان.

544