التفسير التربويالجزء 1 · ص 545 - 552

الآيات 125-126

الآيات 125-126

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطا﴾ (النساء: 125-126)

(1) قال الإمام الرازي في المدلول التربوي لهاتين الآيتين: ((اعلم أنه تعالى لما شرط حصول النجاة والفوز بالجنة بكون الإنسان مؤمنا, شرح الإيمان وبين فضله من وجهين: (أحدهما) أنه الدين المشتمل على إظهار كمال العبودية والخضوع والانقياد لله تعالى, (والثاني) وهو أنه الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام, وكل واحد من هذين الوجهين سبب مستقل في الترغيب بدين الإسلام)).

(2) قوله تعالى: (أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّه). معناه: انقاد وخضع وذل لله, وعبر عن الذات بالوجه لأنّ الوجه أشرف الأعضاء، ولهذا القول مدلولان تربويان: (الأول) إنّ كمال الإيمان لا يكون إلا بالتفويض المطلق لله في جميع الأمور والتبري من الحول والقوة، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله. (والثاني) إنّ من استعان بغير الله أو توسل بغير الله كان فاسد الطريقة في الدين.

(3) قوله تعالى: (أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن). قال السُدّي في تفسير هذه الآية: «أبى الله أن يقبل الإسلام إلا بالإحسان» (الطبري)، وفي هذه الآية تربية للمسلمين على الإحسان من خلال الترغيب في فعله والمديح له واشتراطه مع الإسلام، والإحسان على نوعين: (الأول) الإحسان مع الله، ويعني حضور الرقابة الإلهية حضورا دائما وملازما في كل فعل وفي كل قول, ففي الحديث أنّ جبريل سأل محمدا صلى الله عليه وسلم فقال: «أخبرني عن الإحسان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (البخاري ومسلم). (والثاني) الإحسان مع الخلق، وهو أن يتنازل المسلم لغيره عن بعض حقه أو عن كل حقه، والإحسان بهذا المعنى أفضل من العدل، لأنّ العدل إعطاء كل ذي حق حقه, ومن كان محسنا أحبه الناس لأنّ النفوس جبلت على حب من أحسن إليها.

(4) قوله تعالى: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا). هذا من قبيل التربية بالقدوة, ومعنى ذلك: أيها المسلمون كونوا كإبراهيم كي يتخذكم الله أخلاء له وأولياء له كما اتخذ إبراهيم خليلا. ومعنى الخُلة من إبراهيم لله هو أنه كان عاملا بشريعة الله حق العمل، متمّا لما أمر الله به حق التمام، مفوضا أموره لله حق التفويض، محبا في الله حق الحب، مبغضا في الله حق البغض، كما ورد ذلك في أقوال المفسرين. ومعنى الخُلة من الله لإبراهيم هو أنه تعالى تعهده بالإصلاح والتربية، ونصره فلم يترك أحدا يصل إليه بسوء، كما نجاه من نمروذ وكما نجاه من ملك مصر, وجعله إماما في الدين يقتدي به ويثنى عليه وينتسب إليه على مر الدهور, وجعله أبا للأنبياء فكانت النبوة في ذريته من بعده.

545

(5) قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطا). معناه: إنّ الملك الكامل لله والقدرة الكاملة لله والعلم الكامل لله, فهو تعالى لم يتخذ إبراهيم خليلا عن حاجة أو عجز أو جهل وإنما اتخذه خليلا ثوابا له على طاعته وعبادته. وفيها تربية للمسلمين على تنزيه الله تعالى عن الحاجة والعجز: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض) وعلى تنزيه الله تعالى عن الجهل: (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطا)، وبالتالي تنزيه الله تعالى عن سائر النواقص. وقيل في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها: إنه تعالى ذكر في هذه السورة وقبل هذه الآية ألوانا متعددة من الوعد والوعيد، ولما كان الوفاء بالوعد والوعيد يستلزم العلم المطلق والقدرة المطلقة والملك المطلق فإنه نصّ في هذه الآية على كمال الملك والقدرة بقوله: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض) وعلى كمال العلم بقوله: (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطا).

546

الآية 127

قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيما﴾ (النساء: 127)

(1) يقول الإمام الرازي في الترتيب التربوي لآيات القرآن الكريم في هذه السورة وغيرها من السور: ((اعلم أنّ عادة الله في ترتيب هذا الكتاب الكريم وقعت على أحسن الوجوه, وهو أن يذكر شيئا من الأحكام, ثم يذكر عقيبه آيات كثيرة في الوعد والوعيد والترغيب والترهيب, ويخلط بها آيات دالة على كبرياء الله وجلال قدرته وعظمة إلهيته, ثم يعود مرة أخرى إلى بيان الأحكام, وهذا أحسن أنواع الترتيب وأقربها إلى التأثير في القلوب, لأنّ التكليف بالأعمال الشاقة لا يقع في موقع القبول إلا إذا كان مقرونا بالوعد والوعيد، والوعد والوعيد لا يؤثر في القلب إلا عند القطع بغاية كمال من صدر عنه الوعد والوعيد, فظهر أنّ هذا الترتيب أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الدين الحق. إذا عرفت هذا فنقول: إنه سبحانه ذكر في أول هذه السورة أنواعا كثيرة من الشرائع والتكاليف, ثم أتبعها بشرح أحوال الكافرين والمنافقين واستقصى في ذلك, ثم ختم تلك الآيات الدالة على عظمة جلال الله وكمال كبريائه, ثم عاد بعد ذلك إلى بيان الأحكام فقال: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِن)).

(2) في سبب نزول هذه الآيات قولان: (الأول) أنّ العرب في جاهليتهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان فأنزل الله هذه الآية في توريثهم وتقرير حقوقهم. (الثاني) أنها نزلت في اليتيمة تكون في حجر الرجل فإن كانت جميلة تزوجها وأكل مالها ولم يعطها صداقها, وإن كانت دميمة منعها من الزواج حتى تموت فيرثها، فأنزل الله هذه الآية وقرر لليتيمة حقها في مالها وحقها في صداقها. وأيا كان سبب النزول فهي تدل على رحمته تعالى بالضعفاء من النساء و الصبيان، وعلى تعهده لهم بالعناية والرعاية والإصلاح، وعلى قيامه بجانبهم حتى يصلوا إلى حقوقهم, فالضعيف قوي عنده حتى يصل إلى حقه, والقوي ضعيف عنده حتى يعطي الحق لأصحابه.

(3) قوله تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَك). معناه: يطلبون الفتيا منك, والإفتاء في الأمر: إظهار ما أشكل منه حتى يبين الحق في نفس الأمر، وظاهرة الاستفتاء: (ويستفتونك) كظاهرة التساؤل: (ويسألونك) لها دلالاتها التربوية: (الأول) فهي تدل على التفاعل الحقيقي بين المسلمين وبين ما يتلقونه من الشرائع والتكاليف, والرغبة الصادقة في معرفة أحكام الدين في شؤون الحياة. (الثاني) وهي تدل على حالة الحرج التي نشأت في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم من كل ما هو جاهلي، فهم كانوا يشكون في كل أمر من أمور حياتهم في الجاهلية، وهم يشفقون على أنفسهم من فعله أو مقاربته. (الثالث) وهي تدل الرغبة الصادقة في العمل والتنفيذ بحيث تتطابق أحوالهم مع تشريعات الله سبحانه, فلم يكونوا يستفتون ويسألون لمجرد العلم والثقافة, وإنما كانوا يستفتون للعمل والتنفيذ, فقد كانوا قوما جادين في أمور دينهم وكان الواحد منهم كالجندي في الثكنة مستعدا دائما لتنفيذ الأمر.

547

(4) قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِن). ولم يقل: الفتوى فيهن, وهذا يدل على تعظيم أمر المسألة التي يسأل عنها الصحابة وعلى تعظيم أمر التشريع، فهو تشريع من الله, والله تعالى مهتم بالإجابة عنه بنفسه, وكذلك قوله: (وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب) يدل على هذا التعظيم والإجلال لشريعة الإسلام.

(5) قوله تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيما). ربط للتشريع بمصدره وهو الله, أي: ربط لتنفيذ الشريعة بالعقيدة والإيمان, فكأنه تعالى يقول: إنّ تطبيق الشريعة منبثق من الإيمان بالعقيدة وهو دليل على صدق الإيمان أو عدمه, فما ينبغي لمؤمن بعقيدة الإسلام أن يتهاون في تطبيق شريعته. وكذلك نلمح في هذا القول الترغيب في فعل الخير والترهيب من فعل الشر من خلال التذكير بالعلم الإلهي المطلق بشؤون الناس وأعمالهم، أي: من خلال الرقابة الإلهية الدائمة والمستمرة. وهذا الربط بين العقيدة والشريعة هو ما يتميز به التشريع الإسلامي عن غيره من التشريعات الوضعية الجافة والمقننة بقوانين لا علاقة لها بالعقيدة والإيمان لأنها منبثقة من البشر فهم مصدرها وهم أساسها.

548

الآية 128

قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ (النساء: 128)

لنا مع هذه الآية الوقفات التربوية التالية:

(1) الترهيب من الطلاق باعتباره أبغض الحلال إلى الله، ولأنه قد يؤدي إلى دمار الأسرة وتحطيم المشاعر، ومن هنا رغبت هذه الآية بإدامة عرى الزوجية ولو كان فيها تنازل عن بعض الحقوق. فإذا علمت المرأة من زوجها النشوز (وهو كناية عن جلب المضرة) أو الإعراض (وهو كناية عن ترك المنفعة) بسبب من كبرها أو دمامتها أو عدم لياقتها للحياة الزوجية, وخشيت أن يؤدي ذلك إلى الطلاق أو إلى التعليق فلا حرج عليها أن تتنازل عن شيء من فرائضها المالية أو من فرائضها الحيوية إذا كان ذلك يؤدي إلى دوام الروابط الأسرية. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين سئل عن هذه الآية: «قد تكون المرأة عند الرجل فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو كبرها أو سوء خلقها أو فقرها, فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئا حل له, وإن جعلت له من أيامها شيئا فلا حرج» (الطبري).

(2) الترغيب في الصلح: (وَالصُّلْحُ خَيْر). في هذه المسألة وفي غيرها, والصلح قد يكون بإعطاء كل ذي حق حقه فيرضى الطرفان, وقد يكون بتنازل أحد الطرفين عن بعض حقوقه أو كلها فيرضى الطرفان, وأيا كان شكل الصلح فإنه مفضل على غيره من الحلول كالفراق والطلاق أو استمرار العداوة والمشاحنة والبغضاء. وفي الترغيب في الصلح مراعاة للميول الفطرية عند الناس وهي ميول نحو السلام والوئام والوفاق.

(3) الترهيب من الشح: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحّ). سواء كان شحا بالمال أم كان شحا بالمشاعر, والشح هو شدة البخل وشدة الحرص, وفيه منع للواجب سواء كان مالا أم كان غير ذلك. وقد حذر القرآن من الشح في هذه الآية فقال: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّح)، ورغب في تركه وأثنى على تركه في آية أخرى وهي: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون) (الحشر: 9)، ودعا إلى عكسه ورغب فيه وهو الإيثار فقال: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة) (الحشر: 9). والبخل مرض يجب تجنبه وتركه لأنه يؤدي إلى الرذيلة والمعصية, وقد رُوى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال للأنصار «من سيدكم؟» فقالوا: الجد بن قيس على بخل فيه, فقال: «وأي داء أدوى من البخل» قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: «إنّ قوما نزلوا بساحل البحر, فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم, فقالوا: ليبتعد الرجال منا عن النساء حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء, وتعتذر النساء ببعد الرجال, ففعلوا وطال ذلك بهم, فاشتغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء» (القرطبي).

549

الآيات 129-130

قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيما﴾ (النساء: 129-130)

(1) قوله تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيما). المراد بذلك العدل القلبي في المحبة لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه فيعدل، ويقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» (أبو داود). (فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْل) في القول والعمل. ونلمح في هذه الآية واقعية المنهج الإلهي في تعامله مع الإنسان, فهو يراعي الميول الفطرية والطاقات النفسية ويقرر عجز الإنسان عن المساواة القلبية بين نسائه، ولكنه يمسك بلجام النفس البشرية فلا يجعل هذه الميول الفطرية تتحول إلى قول أو فعل بل يوجب العدل في القول والعمل, ويحذر من مخالفة ذلك وينهى عنه ويتوعد عليه بالعقوبة يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل» (النسائي).

(2) قوله تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيما). وهنا نلمح أيضا واقعية التشريع الإسلامي حينما سمح بالطلاق, فحينما تصل حياة الزوجين إلى الجحيم, ويتعذر الإبقاء على الرابطة الزوجية رغم كل محاولات الإصلاح والتوفيق، هنا لابد من السماح بالطلاق, والطلاق في هذه الحالة عبادة يقوم بها المسلم سعيا نحو حياة أفضل لكلا الزوجين, وما ينبغي أن ينظر إليها على أنها شر وإن كانت مكروهة طبعا، وليتذكر كلا الزوجين هنا قوله تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون) (البقرة: 216)، ولأنّ الطلاق في هذه الحالة عبادة فإنه تعالى يعد كلا الزوجين بالفضل والغنى فييسر للزوج زوجة أفضل وييسر للزوجة زوجا أفضل: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِه), ويذكرهم هنا بسعة فضل الله: (وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعا) وبحكمته في السماح بالطلاق في هذه الحالة: (حَكِيما).

550

الآيات 131-134

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيرا﴾ (النساء: 131-134)

(1) قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض). يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لتعلق هذه الآية بما قبلها: ((وفي تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان: (الأول) أنه تعالى لما ذكر أنه يغني كلا من سعته, وأنه واسع, أشار إلى ما هو كالتفسير لكونه واسعا فقال: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض) يعني: من كان كذلك لابد وأن يكون واسع القدرة والعلم و الجود والفضل والرحمة. (والثاني) أنه تعالى لما أمر بالعدل والإحسان إلى اليتامى والمساكين, بيّن أنه ما أمر بهذه الأشياء لاحتياجه إلى أعمال العباد, لأنّ مالك السموات والأرض كيف يعقل أن يكون محتاجا إلى عمل الإنسان مع ما هو عليه من الضعف والقصور, بل إنما أمر بها لما هو الأحسن لهم في دنياهم وأخراهم)).

(2) قوله تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّه). النص على أنّ الوصية بالتقوى هي من شريعة كل الأنبياء فيه ترغيب في التقوى لأنّ هذا النص يدل على أهميتها، ولولا أهميتها لما كانت من شريعة كل نبي من أنبياء الله. والتقوى هي مدار التربية الإسلامية كلها، لأنّ الخوف والخشية من الله تعالى هو الأساس في كل عمل يعمله المسلم، ولولا التقوى لتحول المسلمون إلى منافقين يعملون الأعمال خشية من السلطان وهم في باطنهم مهملون لها، ثم لا يعملون أي عمل في حال غياب الرقابة السلطانية عنهم, ولذلك نجد أنّ كلمة التقوى ومشتقاتها قد ذكرت في (264) مائتين وأربعة وستين موضعا في القرآن، أمرا بها وثناء على فاعلها وترغيبا فيها وتحذيرا من تركها.

(3) قوله تعالى: (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيدا). فيه ترغيب بالتقوى وعدم الجحود بوصية الله إلى خلقه بقوله: (اتَّقُوا اللَّه) من خلال أمرين: (الأول) التذكير بأنّ الله هو الخالق والمالك والمنعم, وحق على كل عاقل أن يكون منقادا لأوامره ونواهيه راجيا ثوابه وخائفا من عقابه. (والثاني) التذكير بأنّ الله غني عن خلقه مستحق للمجد في ذاته غير محتاج لعبادة أحد ولا لتقوى أحد، وإنما يأمرهم بذلك لما فيه مصلحتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة.

(4) قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض). هذه المرة الثالثة التي يكرر فيها القرآن هذه العبارة في هذا المقطع من القرآن, ولهذا التكرار مدلولان تربويان: (الأول) التأكيد على ملكية الله المطلقة، ليتفكر الناس في ملكه وملكوته ويعلموا أنه غني عن العالمين. (والثاني) ربط التشريع بالملك, فالمالك هو صاحب السلطان في ملكه وله حق التشريع لمن يحتويه هذا الملك, والإقرار بالتشريع من خلال العمل به هو إقرار بملكية الله للناس, والعكس صحيح, فإنّ رفض التشريع بإهماله وتركه وعدم العمل به هو شك في ملكيته تعالى للناس, فالأمران متلازمان: الملك والتشريع.

551

(5) قوله تعالى: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرا). روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما نزلت هذه الآية , ضرب بيده على ظهر سلمان وقال: «هم قوم هذا» (الطبري)، وأيا كان القوم المعنيون بهذه الآية وسواء كانوا قوم سلمان أم غيرهم، فإن المدلول التربوي لهذا التهديد بالاستبدال هو ترغيب المسلمين في التمسك بدين الله تعالى وعدم تركه أو إهماله أو التقصير في طلبه من خلال التهديد والوعيد بعملية الاستبدال, خاصة أنّ الاستبدال على الله هيّن فهو على كل شيء قدير.

(6) قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيرا). لهذه الآية مدلولات تربوية متعددة: (الأول) تربية المسلمين على أهمية النية، فالمسلم والمنافق يستويان بالعمل ولكنهما يختلفان في النية ولذلك فهم يختلفان في الحساب والثواب والعقاب, ولما كانت نية المنافق من إسلامه الدنيا كانت له الدنيا دون الآخرة, ولما كانت نية المسلم من إسلامه الآخرة حاز الدنيا والآخرة. (الثاني) تنبيه المنافقين على حماقتهم وعلى سقوط همتهم حينما أرادوا الدنيا من خلال عمل لو غيروا النية مع بقاء العمل نفسه لكانت لهم الدنيا والآخرة, وهذه تربية للمسلمين على تصحيح النية وتوسيع الطموحات والتطلعات. (الثالث) التذكير بالرقابة الإلهية من خلال التذكير بكونه تعالى: (سَمِيعاً بَصِيرا) أي: عالما بكل شيء، مطلعا على الظاهر والباطن، لا تخفى عنه خافية, وهذه الرقابة الإلهية من خلال العلم ومن خلال السمع والبصر هي الأساس في التربية الإسلامية كلها.

552