التفسير التربويالجزء 1 · ص 553 - 561

الآية 135

الآية 135

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ (النساء: 135)

(1) يقول الإمام الرازي في الوجه التربوي لاتصال هذه الآية بما قبلها: ((الأول) إنه لما تقدم ذكر النساء والنشوز والمصالحة بينهن وبين الأزواج, عقبه بالأمر بالقيام بأداء حقوق الله تعالى, وبالشهادة لإحياء حقوق الله, وبالجملة كأنه قيل: إن اشتغلت بتحصيل مشتهياتك كنت لنفسك لا لله, وإن اشتغلت بتحصيل مأمورات الله كنت لله لا لنفسك, ولا شك أنّ هذا المقام أعلى وأشرف. (والثاني) إنّ الله تعالى لما منع الناس عن أن يقصروا عن طلب ثواب الدنيا وأمرهم بأن يكونوا طالبين لثواب الآخرة, ذكر عقيبه هذه الآية, وبيّن أنّ كمال سعادة الإنسان في أن يكون قوله وفعله لله وحركته وسكونه لله, حتى يصير من الذين يكونون في أعلى مراتب الإنسانية وأول مراتب الملائكة, فأما إذا عكس هذه القضية كان مثل البهيمة التي منتها أمرها وجدان العلف)).

(2) ويقول صاحب الظلال في المدلول التربوي لهذه الآية: ((إنه نداء للذين آمنوا، نداء لهم بصفتهم الجديدة، وهي صفتهم الفريدة، صفتهم التي بها أنشئوا نشأة أخرى، وولدوا ميلادا آخر، ولدت أرواحهم، وولدت تصوراتهم، وولدت مبادئهم وأهدافهم, وولدت معهم المهمة الجديدة التي تُناط بهم, والأمانة العظيمة التي وكلت إليهم أمانة القوامة على البشرية والحكم بين الناس بالعدل، ومن ثم كان للنداء بهذه الصفة قيمته وكان له معناه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فبسبب من اتصافهم بهذه الصفة, كان التكليف بهذه الأمانة الكبرى, وبسبب من اتصافهم بهذه الصفة كان التهيؤ والاستعداد للنهوض بهذه الأمانة الكبرى، وهي لمسة من لمسات المنهج التربوي الحكيم, تسبق التكليف الشاق)).

(3) وفي هذه الآية تأديب من الله للمؤمنين على القيام بالعدل بين الناس, العدل في كل حال وفي كل مجال, والعدل مع القريب ومع البعيد, والعدل مع من نحب ومع من نكره, والعدل مع الغني والفقير, فلا علاقة للغنى والفقر في مسألة العدل. والعدل (وهو إعطاء كل ذي حق حقه) قيمة إنسانية عظيمة, تهفو إليها النفوس, وتميل إليها الخواطر, وتطرب لسماعها الآذان, ومن ثم كلف الله المؤمنين أن يقيموا هذه السمة ويدخلوا بها إلى قلوب الناس, فيشعر الناس بها بصوابية هذا الدين وبأحقيته على غيره وبكونه هبه الله إلى خلقه.

(4) وفي هذه الآية ترهيب وتهديد ووعيد للمؤمنين على ترك العدل سواء بالميل لأحد الطرفين أو بالإعراض عن أحد الطرفين, ترهيب يبلغ منتهاه حين يتذكر المؤمن بأنّ الله خبير بكل عمل يعمله مطلع على كل قول بقوله: (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا).

553

(5) وفي هذه الآية إشارة إلى الداء والدواء في مسألة العدل, فالسبب في عدم العدل هو اتباع الهوى والعلاج يكون بتركه, فترك اتباع الهوى يؤدي حتما إلى العدل، ولذلك قال الله تعالى: (فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا). والأهواء كثيرة: فحب النفس هوى, وحب الأهل والأقارب هوى, والتعصب للعشيرة والقبيلة والوطن والأمة هوى, وكراهة الغني لغناه هوى, ومحبة الفقير لفقره هوى, وكل هذه الأهواء وغيرها مانعة للعدل ما لم يتجنبها المؤمن ويترك اتباعها والتأثر بها في مواقف الحكم والشهادة. وما ذكر الهوى في القرآن إلا ذمه الله تعالى وحذر منه, وسمّي الهوى كذلك لأنه يهوي بصاحبه إلى النار, ولذلك أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المؤمنين ترك الهوى، وأن يتربوا في مدرسة الإسلام فيكون هواهم مطابقا لما جاء به الإسلام, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» (قال النووي: قد روينا هذا الحديث في كتاب الحجة بإسناد قوي)، وقال الشعبي: «أخذ الله على الحكام ثلاثة أشياء: ألا يتبعوا الهوى, وألا يخشوا الناس ويخشوه, وألا يشتروا بآياته ثمنا قليلا»(القرطبي).

554

الآيات 136-137

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾ (النساء: 136-137)

لنا مع هذه الآيات الوقفات التربوية التالية:

(1) الحضّ على الإيمان وتشريف أصحابه بمخاطبتهم به باعتباره صفة تميز أصحابه وترفع من مقامهم وتعلي من درجتهم، سواء كان المراد بالذين آمنوا المؤمنين يؤمرون بالدوام على الإيمان، أم كان المراد بالذين آمنوا أهل الكتاب يؤمرون بالإيمان بآخر الرسالات، أم كان المراد بالذين آمنوا المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويؤمرون بأن يجعلوا باطنهم كظاهرهم.

(2) قوله تعالى في صفة نزول القرآن (نزّل) وفي صفة نزول الكتب السابقة (أنزل)، لأنّ القرآن نزل منجّما ومفرّقا والكتب السابقة أنزلت مرة واحدة, ولنزوله مفرقا مدلولات تربوية متعددة ذكرناها في مطلع سورة آل عمران ونوجز هنا فنقول: (أولها) تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت فؤاد أصحابه في مواجهة محلات التشكيك المتتالية, فكل نزول لمجموعة من آيات القرآن يعادل نزول كتاب من الكتب السابقة، قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَك) (الفرقان: 32). (وثانيها) التنبيه إلى إعجاز القرآن حين المقارنة بين ترتيب أسباب النزول وترتيب المصحف الحالي التوقيفي, فمن قرأ القرآن وفق الترتيب الحالي التوقيفي ظنّ أنّ القرآن نزل جملة واحدة من دون أسباب, قال تعالى: (وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا) (الفرقان: 32). (وثالثها) الواقعية في معالجة المشكلات، وذلك بمواجهة ما يطرأ ويستجد من حوادث وإيجاد الحلول لمشاكل حدثت وليس افتراض المشاكل وإيجاد الحلول لها, قال تعالى: (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرا) (الفرقان: 33). (ورابعها) تعهد الله تعالى لهذه الأمة بالتربية والرعاية وصياغتها وفق المنهج الإسلامي وعدم تركها لتصوغ نفسها وفق منهج مسبق, قال تعالى: (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا) (الإسراء: 106).

(3) قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا). لما بيّن الله في الآية السابقة صلاح طريقة الإيمان وحضّ عليها ودعا إليها بين في هذه الآية فساد طريقة الكفر ونفر منها من خلال تصوير التذبذب في موقف الكافرين من الإيمان، فهم يؤمنون لأسباب واهية ويكفرون لأسباب تافهة، وربما فعلوا ذلك مرات ومرات في اليوم الواحد, كما هو حال بعض المنتسبين إلى الإسلام الآن فتراهم يكفرون ويتوبون في اليوم الواحد ربما أكثر من سبعين مرة, ولذلك شدد الله تعالى في العقوبة لمن كانت هذه طريقته فقال: (لمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا).

555

الآية 138

قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيما﴾ (النساء: 138)

(1) قوله تعالى: (بَشِّر). أصل التبشير في اللغة هو إعلام مع تطمين, والإنذار هو إعلام مع تخويف, وقد استعمل النص القرآني هنا (بشّر) بدل أنذر, وهذا الأسلوب يسمى بالعربية التهكم, قال الإمام الرازي: ((وقوله (بشّر) تهكم بهم, والعرب تقول: «تحيتك الضرب وعقابك السيف», وقد استعمل القرآن أسلوب التهكم في أكثر من موضع فقال تعالى: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِير) (المائدة: 60) فعبّر عن العقاب بالثواب, وقال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيم) (الصافات: 22-23) وهنا عبّر عن العقوبة بالهداية، وللتهكم أثره التربوي والنفسي في المخاطبين.

(2) اعتبارا من هذه الآية ولعدة آيات قادمة يكون موضع السياق القرآني هو الحديث عن صفات المنافقين, والصفات المذكورة هنا هي ثمانية صفات, والمدلول التربوي للحديث عن صفات المنافقين هو فضح المنافقين وكشف شخصياتهم بين المسلمين بحيث لا يغترّ بهم المسلمون ولا ينخدع بهم أهل هذا الدين، وكذلك تحذير المؤمنين من الوقوع في أيّة صفة من صفاتهم لأنّ من كانت فيه خصلة من هذه الخصال كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها, ولا ينبغي التهاون بأيّ صفة لأنها كالمقدمة للوقوع في بقية الصفات، وبالتالي يصير المؤمن منافقا خالصا فيطبع الله على قلبه.

556

الآية 139

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعا﴾ (النساء: 139)

(1) هذه هي الصفة الأولى من صفات المنافقين وهي موالاة الكافرين طلبا للعزة والمنعة والقوة عندهم, وهذه الصفة تكشف عن سوء تصور المنافقين لمصدر العزة ولمن يملك العزة, فالله تعالى هو العزيز, وهو مصدر العزة, وهو يعز من يشاء ويذل من يشاء, وقد جعل العزة لرسوله وللمؤمنين.

(2) وفيها تربية للمسلمين على طلب العزة من الله تعالى, فالله تعالى يعز من والاه ويذل من عاداه، والنصوص في ذلك كثيرة , قال تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير) (آل عمران: 26)، وفي الحديث: «فإنه لا يعز من عاديت, ولا يذل من واليت» (أبو داود), وقال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِين) (المنافقون: 8).

(3) ومن أحوج المنتسبين إلى الإسلام في هذه الأيام إلى تذكر هذه الحقيقة حينما يوالون أعداء الإسلام في الشرق والغرب طلبا للعزة والمنعة والقوة ناسين هذه الحقيقة: حقيقة أنّ العزة لله,يمنحها من والاه ويحجبها عمن عاداه.

(4) وما أحوج ذراري المسلمين الآن إلى تذكر هذه الحقيقة حينما يبحثون عن العزة والمنعة في مراحل الجاهلية من تاريخ هذه الأمة,قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من انتسب إلى تسعة أباء كفار يريد بهم عزا وفخرا، فهو عاشرهم في النار» (أحمد).

557

الآية 140

قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعا﴾ (النساء: 140)

(1) هذه هي الصفة الثانية من صفات المنافقين، وهي القعود في المجالس التي يستهزأ بها ويكفر بها بآيات الله قعودا يدل على الرضا. قال الإمام الرازي: ((قال المفسرون: إنّ المشركين كانوا في مجالسهم يخوضون في ذكر القرآن ويستهزؤون به, فأنزل الله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين) (الأنعام: 68)، وهذه الآية نزلت بمكة, ثم إنّ أحبار يهود بالمدينة كانوا يفعلون مثل فعل المشركين, والقاعدون معهم والموافقون لهم على ذلك الكلام هم المنافقون, فقال الله تعالى مخاطبا المنافقين: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب)).

(2) وفي هذه الآية تربية للمنافقين على ترك المجالس التي يكفر بها ويستهزأ بها بآيات الله من خلال الترهيب من ذلك الفعل: (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ، ومن خلال الوعيد عليه: (إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعا).

(3) وفيها ترهيب للمسلمين من أن يتصفوا بهذه الصفة لأنّ الترهيب يشملهم إن فعلوا ذلك والوعيد واقع بهم إن لم يتركوا ذلك. والمسلم إن وُجد في مجلس يكفر بآيات الله ويستهزأ بها إما أن يعترض على الكفر والاستهزاء بالبيان والحجة والبرهان وبدعوة الموجودين إلى الإسلام من خلال بيان باطلهم ودحض حجتهم وهذا أفضل الجهاد, وإما أن ينسحب من المجلس معلنا مقاطعته له ومبينا السبب في ذلك, وهذا أقل الجهاد.

(4) ومن الآثار التربوية لهذا النص ما فهمه السلف الصالح من أنّ مجالسة أهل الباطل من كل نوع، سواء كانوا كفرة أم فسقة أم مبتدعة منهي عنه, مستدلين على ذلك بهذه الآية. قال إبراهيم التيمي: «قال أبو وائل: إنّ الرجل ليتكلم بالكلمة في المجلس من الكذب ليضحك بها جلسائه, فيسخط الله عليهم. قال إبراهيم التيمي: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي . فقال: صدق أبو وائل, أوليس ذلك في كتاب الله, ثم تلا هذه الآية» (الطبري). وقال هشام بن عروة «أخذ عمر بن عبد العزيز قوما على شراب, فضربهم وبينهم صائم, فقالوا: إنّ هذا صائم, فتلا هذه الآية» (الطبري).

558

الآية 141

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ (النساء: 141)

(1) هذه هي الصفة الثالثة من صفات المنافقين وهي تربص نتائج المعركة بين المؤمنين الكافرين وطلب الغنيمة من الطرف الغالب, فإذا انتصر المؤمنون قالوا: كنا معكم, وإذا انتصر الكافرون قالوا: كنا ندافع عنكم، والمدلول التربوي لهذه الصفة هو تبيان حقيقة المنافقين وأنهم فئة ثالثة ليست مع المؤمنين ولا مع الكافرين، وتحذير المتقاعسين من المؤمنين عن الجهاد كي لا يصبحوا في تقاعسهم عن الجهاد كالمنافقين الذين يدّعون أنهم مع المؤمنين وهم ليسوا كذلك.

(2) في المدلول التربوي لقوله تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِين) قال الإمام الرازي: «فإن قيل: لم سمى ظفر المسلمين فتحا وظفر الكفار نصيبا؟. قلنا: تعظيما لشأن المؤمنين واحتقارا لحظ الكافرين, لأنّ ظفر المؤمنين أمر عظيم, تفتح له أبواب السماء حتى تنزل الملائكة بالفتح على أولياء الله, وأما ظفر الكافرين فما هو إلا حظ دنيء ينقضي ولا يبقى منه إلا الذم في الدنيا والعقوبة بالآخرة».

(3) قوله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا). قيل: المراد بذلك يوم القيامة, وفيه وعد للمؤمنين أن لا يدخل المنافقين مدخلهم من الجنة، فيكون حينها للكافرين حجة على المسلمين بأن يقولوا للمؤمنين: كنتم أعداءنا وكان المنافقون أولياءنا وقد جمع الله بينكم في الجنة, فأين ما كنتم تقولونه في الدنيا؟، وفيه وعيد للمنافقين بأن مصيرهم يوم القيامة إلى النار مع الكافرين فلا حجة حينها للكافرين على المؤمنين. وقيل: المراد بذلك في الدنيا, ويصبح المراد من الكلام هو الطلب وإن ورد في صيغة الخبر، فالتأكيد والمبالغة في التأكيد حتى كان الطلب صار واقعا فعبر عنه بالخبر, ومعنى ذلك: أيها المؤمنون لا تجعلوا للكافر على المسلم سبيلا أي ولاية. وقد استنبط الإمام الشافعي من هذه الآية مسائل: منها أنّ الكافر إذا استولى على مال المسلم لم يملكه بدلالة هذه الآية, ومنها أنّ الكافر ليس له أن يشتري عبدا مسلما فإن فعل فقعده باطل بدلالة هذه الآية, ومنها أنّ المسلم لا يقتل بالذمي بدلالة هذه الآية.

(4) ونقول: هذه الآية تدل على أنّ القاعدة في زوال الباطل هي إيجاد الحق، لأنّ وجود الحق وقيامه يعني القضاء على الباطل بوعد من الله تعالى, وهذا الوعد موجود في هذه الآية: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا)، وموجود في قوله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق) (الأنبياء: 18)، أما القضاء على الباطل فلا يعني وجود الحق, لأنّ الباطل قد يقضي عليه ليتحول إلى باطل آخر ومن ثم يستبدل الطاغوت بطاغوت , فتذكر هذه القاعدة: وجود الحق يعني زوال الباطل ولكن زوال الباطل لا يعني وجود الحق.

559

الآية 142

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلا﴾ (النساء: 142)

في هذه الآية أربع صفات من صفات المنافقين تضاف إلى الصفات الثلاث السابقة.

(1) قوله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم). هذه هي الصفة الرابعة من صفات المنافقين وهي خداعهم لله، أي خداعهم لرسول الله وللمؤمنين بالله حين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر, ولا شك أنّ هذه الصفة تثير الاشمئزاز في نفوس المؤمنين وتثير الدهشة من قوم وصلت بهم الجهالة والضلالة إلى محاولة خداع الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية. أما قوله تعالى: (وَهُوَ خَادِعُهُم) فهو من قبيل المشاكلة اللفظية للدلالة على أنّ الجزاء من جنس العمل, فهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر وجزائهم أن تحقن دمائهم وأموالهم ويعاملون معاملة المسلمين في الدنيا ولكنهم يدخلون النار ويعاملون معاملة الكافرين في الآخرة. والأدب التربوي يفرض على المسلم أن لا يصف الله بأنه مخادع لأن قوله: (وَهُوَ خَادِعُهُم) هو من قبيل المشاكلة اللفظية ولا يحل لمسلم أن يصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه.

(2) قوله تعالى: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى). هذه هي الصفة الخامسة من صفات المنافقين وهي التكاسل والتثاقل والتباطؤ في أداء الصلاة بحضور الناس طبعا، أما في غياب الناس فهم لا يصلون أساسا, ولذلك كانت صلاة الفجر من أشد الصلوات صعوبة على المنافقين. وفي المدلول التربوي لهذه الصفة نقول: إن الداعي إلى فعل الصلاة عند المنافقين هو الخوف من المسلمين, والداعي إلى ترك الصلاة هو أنهم لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا على صلاتهم, كما إنّ فعل الطاعات مكروه طبعا عند الناس: «حُفت الجنة بالمكاره» (مسلم)، فالداعي إلى ترك الصلاة عند المنافقين أكبر من الداعي إلى الفعل ولذلك كان التثاقل والتباطؤ والكسل في أداء الصلاة, ويقال مثل ذلك في كل العبادات الظاهرة عند المنافقين.

(3) قوله تعالى: (يُرَاؤُونَ النَّاس). هذه هي الصفة السادسة من صفات المنافقين وهي الرياء في الأعمال أيّا كانت الأعمال ما دامت من النوع الظاهر للناس، ومعنى الرياء في العمل هو أن يعمل الإنسان العمل لا لوجه الله وإنما كي يُقال عنه أنه فعل ذلك العمل، والرياء ملازم للنفاق, فالمنافق إن صلى فلكي يقول عنه الناس إنه يصلي, وإن تصدق فلكي يقول عنه الناس إنه محسن, وإن صام فلكي يقول عنه الناس: إنه يصوم, وإن قاتل فلكي يقول عنه الناس إنه يقاتل. والعلة في ذلك أنّ المنافق لا يرجو ثوابا على فعل هذه الأفعال ولا يخاف عقابا على تركها, وإنما يفعلها كي يحقن دمه وماله ويعامل معاملة المسلم، وله ذلك في الدنيا ولا ثواب له على ذلك يوم القيامة، بل هو معاقب كالكافر الذي يجحد هذه الأعمال ولا يفعلها. وفي كون الرياء من صفات المنافقين تحذير للمؤمنين من الرياء الذي قد يدخل في أي عمل من الأعمال ولو بنسبة معينة, فالمسلم الذي يصلي صلاة أمام الناس تختلف عن صلاته حينما يكون وحده قد تدخل في عمله نسبة من الرياء، وله من أجر الصلاة بين الناس مثل الأجر الذي له لو صلى الصلاة وحده, ويقال مثل ذلك في سائر الأعمال.

560

(4) قوله تعالى: (وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلا). هذه هي الصفة السابعة من صفات المنافقين وهي أنهم قليلا ما يذكرون الله, أي: هم يذكرون الله أمام الناس بالقدر الذي يذهب عنهم شبهة عدم الإيمان, فإذا خلوا إلى أنفسهم لم يذكروا الله إطلاقا لأنهم لا يؤمنون به ولا يرجون منه ثوابا ولا يخافون منه عقابا، ويقال في هذا الأمر ما قيل في أمر الصلاة من أنّ الداعي إلى الترك عندهم أقوى من الداعي إلى الفعل، ولذلك جاء الفعل من النمط القليل الذي يعبر عن الكسل والتثاقل.

561