التفسير التربويالجزء 1 · ص 63 - 71

الآية 60

الآية 60

قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (البقرة: 60)

(1) قوله تعالى: (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِه). الاستسقاء هو طلب السُقيا من الله، ويكون ذلك عند عدم الماء وانحباس المطر. والأدب التربوي في الاستسقاء هو إظهار العبودية لله وإظهار الفقر والمذلة والمسكنة إلى الله، والتوبة النصوح من كل ذنب، وكذلك كان استسقاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث خرج إلى المُصلى متواضعا متذللا متخشعا مترسلا متضرعا، فدعا الله تعالى وحوّل رداءه وصلى ركعتين، فالدعاء وتحويل الرداء والصلاة تعني إظهار العبودية لله، وتعني الحاجة إليه. وانحباس المطر يكون من المعاصي وخاصة منع الزكاة، ولولا البهائم والأطفال لما أمطر الناس وهم على حالهم من المعاصي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا» (ابن ماجة).

(2) قوله تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَر). أمر الله موسى عليه السلام أن يضرب الحجر بالعصا كي يخرج الماء مع أنّ الله قادر على إخراج الماء من غير أن يأمر موسى بضرب الحجر بالعصا، وهذا من الأدب التربوي الذي أراد الله تعليمه للناس، وهو الأخذ بالأسباب وربط النتائج بأسبابها، فإذا كان الأخذ بالأسباب لابد منه في الأمور المعجزة والخارقة للناموس الكوني، فالأخذ بالأسباب فيما دون ذلك من قبيل الأولى. والقاعدة في هذه المسألة هي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي لم يربط الناقة فأضاعها «اعقلها وتوكل» (ابن ماجة)، فالتوكل على الله يعني: الأخذ بالأسباب ثم تفويض الأمور إلى الله، أما تفويض الأمور إلى الله من دون الأخذ بالأسباب فهو من التواكل المنهي عنه شرعا.

(3) قوله تعالى: (بعصاك الحجر). اختلف المفسرون في صفة العصا، وكذلك اختلفوا في صفة الحجر، ومثل ذلك كثير كاختلافهم في تعيين الشجرة التي أكل منها آدم، واختلافهم في البعض الذي أمر الله بني إسرائيل أن يضربوا به البقرة. والقاعدة التربوية في مثل هذه الأمور التي أبهمها الله هي إبهامها والسكوت عنها، فحيث لم يرد نصّ قرآني أو حديث صحيح في تبيان صفة أمر ما من هذه الأمور وجب عدم الخوض فيه، ولو أراد الله لبيّن لنا ذلك، ولكن الله تعالى لم يبين ذلك لأنه لا مصلحة شرعية لنا في هذا التبيان، والخوض في تبيان صفة هذه الأمور هو من التكلف المنهي عنه شرعا، فليحذر من هذا الخوض كل من أراد أن يتأدبّ بأدب القرآن الكريم وأن يتربى في مدرسة السنة النبوية.

(4) قوله تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِين). تحذير من مقابلة النعم بالعصيان، لأنّ ذلك يؤدي إلى سلبها، ومعنى هذا التحذير أنه من أراد للنعم أن تدوم فعليه مقابلة النعم بالطاعة لله واجتناب معاصيه.

63

الآيات 61-62

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 61-62)

(1) قوله تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَة) مع قوله تعالى: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُون) يدل على أنّ المعصية تورث الذل والخزي والإهانة، ويدل على أنّ الطاعة تورث العز والكرامة، فظاهر النص القرآني يربط بين المعصية والمذلة كالربط بين السبب والنتيجة. حيث إنّ الذلة والمسكنة والغضب من الله كان نتيجة للمعصية بأشكالها وأنواعها المختلفة، كمخالفة الأمر أو فعل المنهي عنه أو الاعتداء على الناس أو الكفر بآيات الله أو قتل الأنبياء،ونلمح ذلك في عدد من النصوص القرآنية كقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون) (البقرة: 85)، وقوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم) (البقرة: 114)، وقوله تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُون) (آل عمران: 112). ونلمح ذلك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» (أبو داود). كل هذه النصوص تؤكد لنا الحقيقة الثابتة وهي: إنّ المعصية تورث المذلة، وهذه النصوص تفسر لنا الحالة التي تعيشها الأمة المسلمة الآن، وتدلنا على الطريق إلى الخروج من هذه الحالة وهي العودة إلى الله وترك المعاصي، فما أحوج الأمة المسلمة إلى هذه القاعدة التربوية.

(2) قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا) الآية. وجه ارتباط هذه الآية بما فبلها هو تلك الثنائية القرآنية في التربية وهي ربط الترغيب بالترهيب والوعد بالوعيد لما فيه صلاح النفوس وحملها على المنهج الصحيح. قال الإمام الرازي في تفسيره: ((واعلم أنّ عادة الله إذا ذكر وعدا أو وعيدا ذكر عقبه ما يضاده ليكون الكلام تاما، فههنا لما ذكر حكم الكفرة من أهل الكتاب وما حلّ بهم من العقوبة أخبر بما للمؤمنين من الأجر العظيم والثواب الكبير دالا على أنه سبحانه وتعالى يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، كما قال: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) (النجم: 31)).

64

الآيات 63-64

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (البقرة: 63-64)

(1) قوله تعالى: (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّور). قال ابن عباس: «أمر الله تعالى جبلا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام فوقهم كالظلة، وكان المعسكر فرسخا في فرسخ، فأوحى الله إليهم أن اقبلوا التوراة وإلا رميت الجبل عليكم، فلما رأوا أن لا مهرب قبلوا التوراة بما فيها» (الرازي). هذه الحادثة المتعلقة ببني إسرائيل إنما ذكرها الله للمسلمين كي يعلموا ما حل بهم، فلا يكونوا مثلهم، بل يقبلون القرآن ويعملون به من تلقاء أنفسهم، وقد بان فضل هذه الأمة على بني إسرائيل بأن حملوا القرآن وعملوا به حتى كان كل واحد منهم مصحفا يمشي على الأرض.

(2) قواه تعالى: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّة) يعني: بجد واجتهاد وعزيمة كاملة، وهذا هو الشأن في أخذ المنهج الرباني عقيدة وشريعة، فما أحوج المسلمين الآن إلى هذا الأخذ بتلك القوة وبذلك الجد والاجتهاد، مع ترك التميع في الدين والرخاوة في أمر الله والتحلل من شريعة الله.

(3) قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون) معناه: احفظوا وتعلموا ما فيه واعملوا به، وليس مجرد الذكر باللسان، لأنّ هذا الكتاب لم ينزل كي يتلى فقط، بل أنزل لتلاوته وفهمه وتدارسه وتعلمه والهمل بما فيه، واستشعار حقيقته، والتكيف مع هذه الحقيقة، وذلك لا يكون ما لم يترب المسلم على ما هو مذكور في كتاب الله، فالتربية هي قرن القول بالعمل، وإتباع العمل للقول، لأنّ القول مجرد ادعاء لا مصداق له في الحياة المشهودة.

(4) قوله تعالى: (فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِين)، وفضل الله عليهم هو قبول توبتهم، ورحمته بهم هي إرسال الأنبياء إليهم كي يهدوهم إلى الصراط المستقيم والدين القويم، فانظر إلى رحمته تعالى بالناس وخاصة المذنبين منهم، وانظر إلى نفسك أيها الإنسان وإلى ما يجب عليك كي تكافئ الله تعالى على شيء من رحمته وفضله.

65

الآيات 65-66

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 65-66)

لنا مع هاتين الآيتين الوقفات التربوية التالية:

(1) أخبر الله تعالى عن مصير الذين اعتدوا في السبت بأنه مسخهم قردة، فكأنه يقول لليهود الذين يقطنون المدينة وللمسلمين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين من بعدهم، احذروا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت إن أنتم تمردتم عما أنزلته لكم، ولا تغتروا بإملائي وإمهالي لكم إن أنتم عصيتم، فإنّ أخذي شديد.

(2) والمقصود من هذا الإخبار هو إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا الإخبار هو من قبيل الإعجاز لأنّ محمدا صلى الله عليه وسلم أميّ لا يقرأ ولا يكتب، ولم يطلع على كتب بني إسرائيل، إنما عرف ذلك من طريق الوحي، وحيث إنّ بني إسرائيل لم ينكروا عليه ما قال وما أخبر عن أصحاب السبت، فدلّ ذلك على صدقه فيما يقول.

(3) قوله تعالى: (فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين). هناك شبه إجماع على أنّ المسخ الذي حصل لبني إسرائيل كان مسخا حقيقيا في الشكل وفي المعنى، إلا ما رُوي عن مجاهد بن جبر أنه قال: مسخ الله قلوبهم ولم يمسخ أجسامهم. وحتى لو سلمنا بقول مجاهد فإنّ المسخ القلبي لابد وأن ينعكس على الشكل، فالحالات النفسية لها تعبيراتها الجسدية، كالخوف والغضب والفرح، كل ذلك يدركه الناظر من شكل الإنسان، وهذا الانعكاس كاف للدلالة على العقوبة.

والمسخ المعنوي قائم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن كان لا يصدق ذلك فلينظر إلى مجموعة من الناس يرقصون على أنغام الديسكو، فمن نظر إليهم أدرك هذه الحقيقة، حقيقة المسخ القلبي والفكري وانعكاسها السلوكي.

(4) قوله تعالى: (كونوا قردة). لماذا كان المسخ إلى القردة دون غيرها من الحيوانات؟. الجواب: لأنّ الجزاء من جنس العمل، حيث إنّ عمل أصحاب السبت باحتيالهم للصيد كان مشابها للحق في الظاهر ومخالفا له في الباطن، وكذلك القردة فهي مشابهة للإنسان في الظاهر ومخالفة له في الباطن، وهكذا كان الجزاء من جنس العمل.

(5) قوله تعالى: (وموعظة للمتقين). قال الإمام ابن كثير في تفسيره: «المراد بالموعظة ههنا الزاجر، أي: جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله وما تحيلوا به من الحيل، فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم». وقال الزجّاج: (وموعظة للمتقين): لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، أن ينتهكوا من حُرَم الله جلّ وعز ما نهاهم عنه، فيصيبهم ما أصاب أصحاب السبت إذ انتهكوا حُرَم الله في سبتهم)) (القرطبي).

قصة البقرة:

66

الآيات 67-73

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 67-73)

(1) هذه هي قصة البقرة المذكورة في سورة البقرة، وهي لم تذكر في غيرها من السور، ولأهمية هذه القصة سميت السورة باسمها، وتكمن أهمية هذه القصة في بيانها لطبيعة بني إسرائيل وجبلتهم الموروثة، وفي بيان تشددهم وتعنتهم وتلكؤهم في الاستجابة لأوامر الله على لسان نبيه موسى عليه السلام. كما تكمن أهميتها في تحذير هذه الأمة من سلوك سبيل بني إسرائيل في التشدد والتعنت والتردد وسوء الأدب مع أنبياء الله، فهذا من قبيل تعليم الأدب بالكلام على قليل الأدب أو على عديم الأدب.

(2) قوله تعالى نقلا عن قوم موسى: (قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوا)، هذا القول منهم في الرد على نبيهم حين قال لهم: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة) هو من قبيل قلة الأدب والسفاهة وسوء الخطاب، حيث إنّ الوحي لا هُزء فيه ولا سخرية ولا مزاح ولا دعابة. قال الإمام القرطبي: «ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبي صلى الله عليه وسلم لوجب تكفيره». وفي هذه الآية دلالة على ما يجب أن يتصف به المسلم من الأدب في دين الله، والتعظيم لكلام الله، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

(3) وفي جواب موسى عليه السلام: (أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِين) على قولهم (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوا) نلمح الأدب التربوي في الرد على الاتهامات، وبيان أنّ ما ظنوه لا يليق بنبي ولا بمؤمن يعلم عظمة الله وقدره، وإنما هو سلوك الجاهلين، الذين لا يعلمون لله قدرا، ولا يتوخون في الكلام عن أدبا، وذلك هو الأدب الواجب في جناب الخالق، وفي هذا الجواب تلميح من موسى عليه السلام بجهلهم في قولهم: (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوا).

(4) قولهم: (ادْعُ لَنَا رَبَّك) يشي بقلة إيمانهم وقلة أدبهم، فكأنّ الله تعالى هو رب موسى وحده وليس ربا لهم، وكأنّ المسألة كلها لا تعنيهم وإنما تعني موسى وربه، والأدب التربوي يقتضي منهم أن يقولوا: ادع لنا ربنا.

(5) قولهم: (يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِي). السؤال عن الماهية ما هو إلا استهزاء منهم بموسى عليه السلام، لأنّ الماهية معروفة وهي أنها بقرة، وقد قال لهم هذا الكلام منذ البداية: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة).

(6) ومع ذلك نجد أنّ موسى عليه السلام لا يرد على سؤالهم ولا يجبههم بانحرافهم، ولا يناقشهم في ضلال هذا السؤال، كي لا يدخل معهم في جدل لفظي يخرجهم عن الموضوع، بل يسلك سبيل المربي الذي عُهد إليه إصلاح مجموعة من السفهاء والمنحرفين، فيجيبهم عن صفة البقرة لا عن ماهيتها، فيقول: (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِك) فهي ليست مسنة وليست صغيرة، وسط بين المسنة والصغيرة.

(7) قوله تعالى: (فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُون) يدل على أنّ الأمر للوجوب كما يقول جمهور فقهاء الأصول، ويدل على أنّ الأمر للفور، أي: للتطبيق الفوري إن لم يكن مؤقتا بوقت، وهذا يدلنا على ما يجب أن يتسم به المسلم إزاء أمر الله أو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يكون بالتطبيق والتطبيق الفوري، دون تلكؤ أو تردد أو تذمر.

67

(8) قوله تعالى: (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا)، لم يكتف بنو إسرائيل بسؤال واحد عن البقرة، بل راحوا يسألون السؤال تلو السؤال، وكان لابد من الإجابة، فضيقوا على أنفسهم فضيق الله عليهم، وشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، ولو أنهم إذ أمروا أن يذبحوا بقرة ذبحوا أدنى بقرة في متناول أيديهم لكفاهم ذلك، رُوي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أمروا بأدنى بقرة، وأيم الله لو أنهم لم يستثنوا لما بينت لهم أبد الدهر» (ابن كثير). وهكذا نجد أنّ الجزاء من جنس العمل، وهذا من المبادئ التربوية التي اعتنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرُوي عنه: «أنه كان ينهى عن كثرة السؤال» (البخاري ومسلم)، وروي أنه قال: «إنّ الله كتب عليكم الحج، فقام رجل فقال: أفي كل عام؟ فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجب، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله وأعاد الرجل السؤال ثلاث مرات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثالثة: لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما قمتم بها، ولو لم تقوموا بها لهلكتم، فذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» (البخاري ومسلم).

(9) قولهم: (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُون). رُوي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده لو لم يستثنوا لما بينت لهم أبد الدهر» (ابن كثير). كثيرا ما يهمل المسلمون الاستثناء، ومع أنّ الاستثناء كلمة يقولها المسلم فإنّ لهذه الكلمة أهميتها ، حتى أنّ الله خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم قائلاً: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيت) (الكهف: 23ــ24)، فأمر بالاستثناء، وهو أن يقول: إن شاء الله، وحتى في حال النسيان لا بد له من الاستثناء حين الذكر. ولأهمية الاستثناء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بني إسرائيل: «لو لم يستثنوا لما بينت لهم أبد الدهر»، فتصور بني إسرائيل إلى الآن وإلى أن تقوم الساعة وهم يبحثون عن البقرة. روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «قال سليمان بن داود عليهما السلام: لأطوفنّ الليلة بمائة امرأة ، تلد كل امرأة غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل إن شاء الله ، فلم يقل ونسي، فأطاف بهن، ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان» (البخاري)، وذلك معنى قوله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَاب) (ص: 34). ورُوي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سُئل عن الفتية أصحاب وعن ذي القرنين وعن الروح، قال: أجيبكم غداً، فتأخر عنه الوحي شهراً كاملا، ثم نزل قوله تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه) (الكهف: 23ــ24) (ابن كثير).

68

(10) قوله تعالى: (قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَق). لعله من أعظم الآداب التربوية أن ينتقي الإنسان الكلمات التي يقولها في خطابه للأنبياء إن كانوا حاضرين، والتي يقولها عنهم إن كانوا غائبين، لأنّ قول بني إسرائيل لموسى عليه السلام (الْآنَ جِئْتَ بِالْحَق) يعني: كأنّ كل ما أتاهم به فيما مضى ليس حقا، وهذا سوء أدب منهم في خطابهم لنبيهم عليه السلام. ويقال مثل ذلك في الحديث عن الله عز وجلّ، فيجب على المسلم أن يتلفظ بذلك اللفظ (الله) كما ورد في القرآن الكريم بلفظة فصيحة، لا بلغة عامية محكية، لأنّ التلفظ بلفظ الجلالة بالعامية من قلة الأدب، وإذا ذكر المسلم (الله) فيجب عليه أن يذكر ذلك بالتعظيم والتفخيم اللائق به سبحانه وتعالى، وكذا في إعراب هذه اللفظة حسب موقعها من الإعراب فيقول: لفظ الجلالة فاعل مرفوع أو مفعول به منصوب، ولا يقول (الله) فاعل مرفوع أو مفعول به منصوب. وإذا ذكر المسلم الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يذكر اللفظة مفردة وجافة كأنه يتحدث عن صديق له أو عن إنسان عادي، بل يُتبع ذلك بالصلاة عليه ويذكره بصفاته كالنبوة والرسالة والسيادة والتعظيم اللائق به صلى الله عليه وسلم، حتى إن بعض العلماء كرهوا اختصار كلمة صلى الله عليه وسلم إلى حرف (ص) أو حروف (صلعم). كما لا يليق بالمسلم إذا ذكر الرسول الكريم أن يقول (عليه السلام) فقط، بل يقول (عليه الصلاة والسلام)، فالأليق بالمسلم أن يأتمر بأمر الله وأن يضم صوته إلى صوت الملائكة في الصلاة والسلام على رسول الله، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيما) (الأحزاب: 56).

(11) قوله تعالى: (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُون). قال ابن عباس رضي الله عنه: «كادوا أن لا يفعلوا، ولم يكن ذلك الذي أرادوا، لأنهم أرادوا ألا يذبحوها» (ابن كثير)، وقال الإمام ابن كثير في تفسيره: «يعني أنهم مع هذا البيان وهذه الأسئلة والأجوبة والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذم لهم، وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت، فلهذا ما كادوا يذبحونها». وهذا الكلام ينم عن تلك الطبيعة الجبانة الخوّارة في تنفيذ أوامر الله، مع أنّ الله قد خاطبهم آنفا على لسان نبيه موسى عليه السلام (فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُون)، وذكر الله التلكؤ والتعنت والتردد كصفات سيئة في بني إسرائيل ليقول لنا: أيها المسلمون لا تكونوا كذلك، بل سارعوا إلى تنفيذ أوامر الله دون تردد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» (مسلم)، فالأمر للوجوب والإلزام والتنفيذ الفوري، والتردد في تنفيذ أوامر الله أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، هو كمن يتردد في دخول الجنة بعد أن أمر بدخولها.

69

(12) قوله تعالى: (وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون). يعني أنّ العبد مهما كتم وأسرّ فعله ــ خيرا كان أم شرا ــ ودام ذلك الكتمان وطال، فإنّ الله سيظهره، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ عبدا لو أطاع الله من وراء سبعين حجابا لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس» (القرطبي)، وكذلك المعصية. وقال المسيّب بن رافع: ((ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وتصديق ذلك في كلام الله (وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)) (القرطبي). وهذه الحقيقة: حقيقة إظهار الله لما يكتمه الناس من الأعمال، خيرها وشرها، قد تكون كافية، إذا استقرت في قلب المسلم، لردعه عن المعصية وتشجيعه على الطاعة، فليتنبه لذلك الدعاة المسلمون!.

(13) قوله تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضهَا). اختلف المفسرون في هذا البعض ما هو؟. فقيل: اللسان، وقيل: الفخذ، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف، وقيل: عظم من عظامها، وقيل: البُضعة بين الكتفين، وقيل: الآراب، وقيل: لحم الفخذ. والأدب التربوي في هذه المسألة هو عدم الخوض فيها، لأنه لو كان في ذلك علم نافع لبيّنه لنا الله أو رسوله. قال الإمام الطبري في تفسيره: «ولا دلالة في الآية ولا في خبر تقوم به الحجة، على أيّ أبعاضها التي أمر القوم أن يضربوا القتيل به، ولا يضر الجهل بأيّ ذلك ضربوا القتيل، ولا ينفع العلم به، مع الإقرار بأنّ القوم قد ضربوا القتيل ببعض البقرة بعد ذبحها فأحياه الله». وقال الإمام ابن كثير في تفسيره: «هذا البعض أي شيء كان من أعضاء البقرة فالمعجزة حاصلة به، وخرق العادة به كائن، وقد كان معيّنا في نفس الأمر، فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبيّنه الله تعالى لنا، ولكنه أبهمه ولم يجيء من طريق صحيح عن معصوم بيانه، فنحن نُبهمه كما أبهمه الله». قلت: والقاعدة في مثل هذه الأمور هي: كل أمر لا ينبني عليه عمل فالخوض فيه من التكلف المنهي عنه شرعا.

(14) قد يقول قائل: لماذا أمر الله بني إسرائيل بذبح البقرة وضرب القتيل بها حتى قام فأخبرهم عن قاتله؟ أليس الله بقادر على أن يخبرهم بالقاتل مباشرة ودون أن يضربوا القتيل بالبقرة بعد ذبحها؟. والجواب على ذلك: إنّ الله تعالى يعلمنا أنّ لكل سبب مسبب، وأنّ علينا الأخذ بالأسباب ثم تفويض الأمر إلى الله، فمع أنّ هذا الأمر معجزة فإنّ الله جعل له أسبابا وأمر بني إسرائيل أن يأخذوا بها، فدلّ ذلك على أنّ الأخذ بالأسباب فيما دون المعجزة من قبيل الأولى.

70

(15) قد يقول قائل: لماذا أمر الله بني إسرائيل بذبح بقرة دون غيرها من الحيوانات كالإبل والضأن والمعز؟. الجواب: قال الماوردي: «وإنما أمروا، والله أعلم، بذبح بقرة دون غيرها، لأنها من جنس ما عبدوه من العجل، ليهوّن عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم ما كان في نفوسهم من عبادته» (القرطبي). وإذا صحّ هذا الاجتهاد ففيه لفتة تربوية، وهي ضرورة إهانة ما يعظمه الناس من أمور الباطل كالأوثان لتبيان بطلان هذا التعظيم، والله أعلم.

(16) قوله تعالى: (كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون). نبّه تعالى إلى قدرته على إحياء الموتى بهذه القصة ليكون ذلك حجة على المعاد والبعث والنشور، وهذا الخطاب وإن كان موجها إلى بني إسرائيل فإنّ توجيهه إلى مشركي العرب من قبيل الأولى، لأنّ عامة العرب كانوا قبل البعثة في هذه المسألة فريقين: فريق ينكر البعث ويقول: (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِين) (الأنعام: 29)، وفريق يشك في البعث، وهو الذي قال الله عنه في القرآن: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَة) (الحج: 5). ولذلك ذكر الله تعالى مسألة إحياء الموتى في خمسة مواضع في هذه السورة، سورة البقرة: (الأول) قوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون) (البقرة: 56). (والثاني) قصة لبقرة المذكورة آنفا. (والثالث) قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُون) (البقرة: 243). (والرابع) قصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير) (البقرة: 259). (والخامس) قصة إبراهيم والطيور الأربعة: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم) (البقرة: 260). وفي الحديث، قال أبو رزين العقيلي: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ قال: «أمررت بأرض من أرض قومك مجدبة، ثم مررت بها مخصبة؟»، قلت: نعم، قال: ﴿كذلك النشور﴾ (أحمد).

71