الآية 60
قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (البقرة: 60)
(1) قوله تعالى: (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِه). الاستسقاء هو طلب السُقيا من الله، ويكون ذلك عند عدم الماء وانحباس المطر. والأدب التربوي في الاستسقاء هو إظهار العبودية لله وإظهار الفقر والمذلة والمسكنة إلى الله، والتوبة النصوح من كل ذنب، وكذلك كان استسقاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث خرج إلى المُصلى متواضعا متذللا متخشعا مترسلا متضرعا، فدعا الله تعالى وحوّل رداءه وصلى ركعتين، فالدعاء وتحويل الرداء والصلاة تعني إظهار العبودية لله، وتعني الحاجة إليه. وانحباس المطر يكون من المعاصي وخاصة منع الزكاة، ولولا البهائم والأطفال لما أمطر الناس وهم على حالهم من المعاصي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا» (ابن ماجة).
(2) قوله تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَر). أمر الله موسى عليه السلام أن يضرب الحجر بالعصا كي يخرج الماء مع أنّ الله قادر على إخراج الماء من غير أن يأمر موسى بضرب الحجر بالعصا، وهذا من الأدب التربوي الذي أراد الله تعليمه للناس، وهو الأخذ بالأسباب وربط النتائج بأسبابها، فإذا كان الأخذ بالأسباب لابد منه في الأمور المعجزة والخارقة للناموس الكوني، فالأخذ بالأسباب فيما دون ذلك من قبيل الأولى. والقاعدة في هذه المسألة هي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي لم يربط الناقة فأضاعها «اعقلها وتوكل» (ابن ماجة)، فالتوكل على الله يعني: الأخذ بالأسباب ثم تفويض الأمور إلى الله، أما تفويض الأمور إلى الله من دون الأخذ بالأسباب فهو من التواكل المنهي عنه شرعا.
(3) قوله تعالى: (بعصاك الحجر). اختلف المفسرون في صفة العصا، وكذلك اختلفوا في صفة الحجر، ومثل ذلك كثير كاختلافهم في تعيين الشجرة التي أكل منها آدم، واختلافهم في البعض الذي أمر الله بني إسرائيل أن يضربوا به البقرة. والقاعدة التربوية في مثل هذه الأمور التي أبهمها الله هي إبهامها والسكوت عنها، فحيث لم يرد نصّ قرآني أو حديث صحيح في تبيان صفة أمر ما من هذه الأمور وجب عدم الخوض فيه، ولو أراد الله لبيّن لنا ذلك، ولكن الله تعالى لم يبين ذلك لأنه لا مصلحة شرعية لنا في هذا التبيان، والخوض في تبيان صفة هذه الأمور هو من التكلف المنهي عنه شرعا، فليحذر من هذا الخوض كل من أراد أن يتأدبّ بأدب القرآن الكريم وأن يتربى في مدرسة السنة النبوية.
(4) قوله تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِين). تحذير من مقابلة النعم بالعصيان، لأنّ ذلك يؤدي إلى سلبها، ومعنى هذا التحذير أنه من أراد للنعم أن تدوم فعليه مقابلة النعم بالطاعة لله واجتناب معاصيه.