تفسير سورة الناس - الآية 1

قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ 1

[ ج 10 ص: 659 ] سُورَةُ النَّاسِ، مدنية
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
قوله تعالى: (﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (1) ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ (2) ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ (3) ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ (4) ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاس﴾ ِ (5) ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (6).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾):
ظاهره أمر لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بشيء مشار إليه، وهو التعوذ، وحق الإجابة في مثله أن يقول: أعوذ، لا أن يقول: (﴿قُلْ أَعُوذُ﴾) لكنه - واللَّه أعلم - يخرج على وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك أنزل بحق أن يصير ذلك أمرا لكل من بلغه، وتعليما بالذي عليه من الاعتصام باللَّه - تعالى - والالتجاء إليه من شر الذي ذكره؛ ليعيذه، وتكون الإعاذة بوجهين:
أحدهما: في تذكير ما عرفه من الحجج في دفع ما يخطر بباله من المكروه.
والثاني: باللطف الذي لا يبلغه علم الخلق، ولا تدركه عقولهم مما لديه نفع الأمن من الزيغ مما حقه الإفضال، والذي ذلك حقه، فلله - تعالى - أن يكرم به العبد مبتدئا، وله أن يقدم فيه محنة السؤال والاعتصام به؛ على الإكرام أيضا، ويلزم على من عصم به عن الزلة، أو هدي إلى حسنة: الشكر لله - تعالى - فيما ابتدأه أو أكرمه به عند السؤال.
والوجه الثاني من وجهي الخطاب: أن يكون الخطاب لغيره، وإن كان راجعا إلى مشار إليه، فهو مما يشترك في معناه غيره؛ فأبقى وأثبت ما به يصير مخاطبا من بلغ ذلك، وهو قوله - تعالى -: (قُلْ) حتى يدوم هذا إلى آخر الدهر، وعلى هذا جميع ما فيه حرف الكلفة والمحنة -أعني: صيغة الأمر- واللَّه الموفق.
ثم في قوله - تعالى -: (﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾...) إلى آخر السورة وجهان من الحكمة، فيهما نقض قول أهل الاعتزال:
أحدهما: أن المحنة قد ثبتت بالامتناع عن طاعة الشيطان والمخالفة له: فإما أن كان
فهرس السور