فَلَمَّا ذَهَبَ عَنۡ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلرَّوۡعُ وَجَآءَتۡهُ ٱلۡبُشۡرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِي قَوۡمِ لُوطٍ 74
﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 74-76]
(74) و (75) و (76) قوله تعالى: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط. إن إبراهيم لحليم أواه منيب. يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود﴾. هذه هي القصة الخامسة من القصص المذكورة في هذه السورة سورة هود عليه السلام، وقد تكلمنا فيها عن قصة نوح ثم قصة هود ثم قصة صالح ثم قصة إبراهيم عليهم الصلاة والسلام. وفي هذه الآيات بيان لسعي إبراهيم عليه السلام إلى تأخير العذاب عن قوم لوط عليه السلام من خلال الحوار مع الملائكة المرسلين لهذه المهمة لعل رحمة الله تعالى تشملهم فيقدمون على الإيمان والتوبة من المعاصي، ولهذا وصف الله تعالى إبراهيم عليه السلام بأنه حليم أواه منيب. ووجه الجدال (الحوار) بين إبراهيم والملائكة هو أن إبراهيم كان يقول: إن أمر الله ورد بإيصال العذاب، ومطلق الأمر لا يوجب الفور بل يقبل التراخي، فاصبروا مدة أخرى، والملائكة كانوا يقولون: إن مطلق الأمر يقبل الفور، وقد حصلت هناك قرائن دالة على الفور، ومن هذه القرائن ما سيظهر حين قدوم الملائكة على قوم لوط، ثم أخذ كل واحد منهم يقرر مذهبه بالوجوه المعلومة فحصلت المجادلة بهذا السبب. وفي هذه الآيات تربية بالقدوة من خلال مديح إبراهيم عليه السلام بالصفات الحميدة التي يحسن بكل مسلم أن يتحلى بها. قال الرازي في التفسير: «ثم قال تعالى: ﴿إن إبراهيم لحليم أواه منيب﴾ وهذا مدح عظيم من الله تعالى لإبراهيم، أما الحليم فهو الذي لا يتعجل بمكافأة غيره بل يتأنى فيه فيؤخر ويعفو، ومن هذا حاله فإنه يحب من غيره هذه الطريقة، وهذا كالدلالة على أن جداله كان في أمر متعلق بالحلم وتأخير العقاب، ثم ضم إلى ذلك ما له تعلق بالحلم وهو قوله: (أواه منيب) لأن من يستعمل الحلم في غيره فإنه يتأوه إذا شاهد وصول الشدائد إلى الغير، فلما رأى مجيء الملائكة لأجل إهلاك قوم لوط عظم حزنه بسبب ذلك وأخذ يتأوه عليه فلذلك وصفه الله تعالى بهذه الصفة. ووصفه أيضا بأنه مُنيب، لأن من ظهرت فيه هذه الشفقة العظيمة على الغير فإنه ينيب ويتوب ويرجع إلى الله في إزالة ذلك العذاب عنهم، أو يقال: إن من كان لا يرضى بوقوع غيره في الشدائد فأن لا يرضى بوقوع نفسه فيها كان أولى، ولا طريق إلى صون النفس عن الوقوع في عذاب الله إلا بالتوبة والإنابة فوجب فيمن هذا شأنه يكون منيبا». فقوله تعالى: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع﴾ أي الخوف (وجاءته البشرى) أي بإسحق ويعقوب، وقيل: بشروه بأنهم إنما أتوا بالعذاب إلى قوم لوط ﴿يجادلنا في قوم لوط﴾ أي يجادل رسلنا، وأضافه إلى نفسه، لأنهم نزلوا بأمره. وقد روى المفسرون هذه المجادلة بأنهم لما قالوا: ﴿إنا مهلكو أهل هذه القرية﴾ قال لهم: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا. قال: فأربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون؟ قالوا: لا. قال: فعشرون؟ قالوا: لا. قال فإن كان فيها عشرة أو خمسة؟ قالوا: لا. قال: أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فقال إبراهيم عند ذلك: ﴿إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين﴾. ﴿إن إبراهيم لحليم﴾ لا يتعجل بمجازاة غيره بل يتمهل ويؤخر ويعفو (أواه) المتأوه أسفا على هلاك قوم لوط (منيب) والمنيب الراجع، يقال: أناب إذا رجع، وإبراهيم صلى الله عليه وسلم كان راجعا إلى الله في أموره كلها (يا إبراهيم أعرض عن هذا) أي دع عنك الجدال في قوم لوط ﴿إنه قد جاء أمر ربك﴾ أي عذابه لهم (وإنهم آتيهم) أي نازل بهم ﴿عذاب غير مردود﴾ أي غير مصروف عنهم.
قوله تعالى: (ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77) وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يقوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (78) قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79) قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80) قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم، إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب (81). قال القرطبي في تفسير هذه الآيات: «قوله تعالى: ﴿ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم﴾ لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم، وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة فراسخ، بصرت بنتا لوط، وهما تستقيان، بالملائكة ورأتا هيئة حسنة، فقالتا: ما شأنكم؟ ومن أين أقبلتم؟ قالوا: من موضع كذا نريد هذه القرية، قالتا: فإن أهلها أصحاب الفواحش، فقالوا: أبها من يضيفنا؟ قالتا: نعم! هذا الشيخ، وأشارتا إلى لوط، فلما رأى لوط هيئتهم خاف قومه عليهم. (سيء بهم) أي ساءه مجيئهم ﴿وضاق بهم ذرعا﴾ أي ضاق صدره بمجيئهم وكرهه. ﴿وقال هذا يوم عصيب﴾ أي شديد في الشر. ﴿وجاءه قومه يهرعون إليه﴾ أي يسرعون إليه. وكان سبب إسراعهم ما روي أن امرأة لوط الكافرة، لما رأت الأضياف وجمالهم وهيئتهم، خرجت حتى أتت مجالس قومها، فقالت لهم: إن لوطا قد أضاف الليلة فتية ما رئي مثلهم جمالا، فحينئذ جاءوا يهرعون إليه. وقيل: وجدوا ابنته تستقي الماء من نهر سدوم، فسألوها الدلالة على من يضيفهم، ورأت هيئتهم فخافت عليهم من قوم لوط، وقالت لهم: مكانكم! وذهبت إلى أبيها فأخبرته، فخرج إليهم، فقالوا: نريد أن تضيفنا الليلة، فقال لهم: أوَ ما سمعتم بعمل هؤلاء القوم؟ فقالوا: وما عملهم؟ فقال: أشهد بالله إنهم لشر قوم في الأرض، وقد كان الله عز وجل قال لملائكته لا تعذبوهم حتى يشهد لوط عليهم أربع شهادات، فلما قال لوط هذه المقالة، قال جبريل لأصحابه: هذه واحدة، وتردد القول بينهم حتى كرر لوط الشهادة أربع مرات، ثم دخل بهم المدينة. (ومن قبل) أي ومن قبل مجيء الرسل، وقيل: من قبل لوط ﴿كانوا يعملون السيئات﴾ أي كانت عادتهم إتيان الرجال. فلما جاءوا إلى لوط وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعا وقال: (هؤلاء بناتي) ندبهم في هذه الحالة إلى النكاح، وكانت سنتهم جواز نكاح الكافر المؤمنة، وقد كان هذا في أول الإسلام جائزا ثم نسخ. وقال مجاهد بن جبر وسعيد بن جبير: أشار بقوله: (بناتي) إلى النساء جملة، إذ نبي القوم أب لهم. ﴿هن أطهر لكم﴾ أي الزواج أحل، والتطهر التنزه عما لا يحل. وليست (أطهر) للتفضيل بل هي كقولك: الله أكبر وأعلى وأجل، وإن لم يكن تفضيل، وهذا جائز شائع في كلام العرب، ولم يكابر الله تعالى أحد حتى يكون الله تعالى أكبر منه. (فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي) أي لا تهينوني ولا تذلوني. ثم وبخهم بقوله ﴿أليس منكم رجل رشيد﴾ أي شديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وقيل: الرشيد بمعنى الرشد، والرشد والرشاد الهدى والاستقامة. ﴿قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق﴾ روي أن قوم لوط خطبوا بناته فردهم، وكانت سنتهم أن من رد في خطبة امرأة لم تحل أبدا، وقيل: ليس لنا إلى بناتك تعلق، ولا هن قصدنا، ولا لنا عادة نطلب ذلك. (وإنك تعلم ما نريد) إشارة إلى الأضياف. ﴿قال لو أن لي بكم قوة﴾ لما رأى استمرارهم في غيهم، وضعف عنهم، ولم يقدر على دفعهم، تمنى لو وجد عونا على ردهم، فقال ذلك على جهة التفجع والاستكانة. ﴿أو آوي إلى ركن شديد﴾ أي ألجأ وأنضوي، ومراد لوط بالركن العشيرة، والمنعة بالكثرة. وبلغ بهم قبيح فعلهم إلى قوله هذا مع علمه بما عند الله تعالى، فيروى أن الملائكة وجدت عليه حين قال هذه الكلمات، وقالوا: إن ركنك لشديد. وفي البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد) وخرجه الترمذي وزاد: (ما بعث الله بعده نبيا إلا في ثروة من قومه) والثروة الكثرة والمنعة. ويروى أن لوطا عليه السلام لما غلبه قومه، وهموا بكسر الباب وهو يمسكه، قالت له الرسل: تنح عن الباب، فتنحى وانفتح الباب، فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم، وعموا وانصرفوا على أعقابهم يقولون: النجاء، قال الله تعالى: ﴿ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم﴾ [القمر: 37]. وقال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسور الجدار، فلما رأت الملائكة ما لقي من الجهد والكرب والنصب بسببهم، قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود، وإنا رسل ربك، فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه على ما تقدم. وقيل: أخذ جبريل قبضة من تراب فأذراها في وجوههم، فأوصل الله إلى عين من بعد ومن قرب من ذلك التراب فطمس أعينهم، فلم يعرفوا طريقا، ولا اهتدوا إلى بيوتهم، وجعلوا يقولون: النجاءُ النجاء! فإن في بيت لوط قوما هم أسحر من على وجه الأرض، وقد سحرونا فأعموا أبصارنا. وجعلوا يقولون: يا لوط كما أنت حتى نصبح فسترى، يتوعدونه. (قالوا يا لوط إنا رسل ربك) لما رأت الملائكة حزنه واضطرابه ومدافعته عرفوه بأنفسهم، فلما علم أنهم رسل مكن قومه من الدخول، فأمر جبريل عليه السلام يده على أعينهم فعموا، وعلى أيديهم فجفت ﴿لن يصلوا إليك﴾ أي بمكروه (فأسر بأهلك) فأسر بالقطع إذا سار من أول الليل، وسرى إذا سار من آخره، ولا يقال في النهار إلا سار. ﴿بقطع من الليل﴾ بطائفة من الليل. وقيل: إنه نصف الليل، مأخوذ من قطعه نصفين. ﴿ولا يلتفت منكم أحد﴾ أي لا ينظر وراءه منكم أحد ﴿إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم﴾ أي من العذاب ﴿إن موعدهم الصبح﴾ لما قالت الملائكة: ﴿إنا مهلكو أهل هذه القرية﴾ [العنكبوت: 31] قال لوط: الآنَ الآن. فقالوا: ﴿أليس الصبح بقريب﴾ ويحتمل أن يكون جعل الصبح ميقاتا لهلاكهم، لأن النفوس فيه أودع، والناس فيه أجمع. وقال بعض أهل التفسير: إن لوطا خرج بابنتيه ليس معه غيرهما عند طلوع الفجر.
(74) و (75) و (76) قوله تعالى: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط. إن إبراهيم لحليم أواه منيب. يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود﴾. هذه هي القصة الخامسة من القصص المذكورة في هذه السورة سورة هود عليه السلام، وقد تكلمنا فيها عن قصة نوح ثم قصة هود ثم قصة صالح ثم قصة إبراهيم عليهم الصلاة والسلام. وفي هذه الآيات بيان لسعي إبراهيم عليه السلام إلى تأخير العذاب عن قوم لوط عليه السلام من خلال الحوار مع الملائكة المرسلين لهذه المهمة لعل رحمة الله تعالى تشملهم فيقدمون على الإيمان والتوبة من المعاصي، ولهذا وصف الله تعالى إبراهيم عليه السلام بأنه حليم أواه منيب. ووجه الجدال (الحوار) بين إبراهيم والملائكة هو أن إبراهيم كان يقول: إن أمر الله ورد بإيصال العذاب، ومطلق الأمر لا يوجب الفور بل يقبل التراخي، فاصبروا مدة أخرى، والملائكة كانوا يقولون: إن مطلق الأمر يقبل الفور، وقد حصلت هناك قرائن دالة على الفور، ومن هذه القرائن ما سيظهر حين قدوم الملائكة على قوم لوط، ثم أخذ كل واحد منهم يقرر مذهبه بالوجوه المعلومة فحصلت المجادلة بهذا السبب. وفي هذه الآيات تربية بالقدوة من خلال مديح إبراهيم عليه السلام بالصفات الحميدة التي يحسن بكل مسلم أن يتحلى بها. قال الرازي في التفسير: «ثم قال تعالى: ﴿إن إبراهيم لحليم أواه منيب﴾ وهذا مدح عظيم من الله تعالى لإبراهيم، أما الحليم فهو الذي لا يتعجل بمكافأة غيره بل يتأنى فيه فيؤخر ويعفو، ومن هذا حاله فإنه يحب من غيره هذه الطريقة، وهذا كالدلالة على أن جداله كان في أمر متعلق بالحلم وتأخير العقاب، ثم ضم إلى ذلك ما له تعلق بالحلم وهو قوله: (أواه منيب) لأن من يستعمل الحلم في غيره فإنه يتأوه إذا شاهد وصول الشدائد إلى الغير، فلما رأى مجيء الملائكة لأجل إهلاك قوم لوط عظم حزنه بسبب ذلك وأخذ يتأوه عليه فلذلك وصفه الله تعالى بهذه الصفة. ووصفه أيضا بأنه مُنيب، لأن من ظهرت فيه هذه الشفقة العظيمة على الغير فإنه ينيب ويتوب ويرجع إلى الله في إزالة ذلك العذاب عنهم، أو يقال: إن من كان لا يرضى بوقوع غيره في الشدائد فأن لا يرضى بوقوع نفسه فيها كان أولى، ولا طريق إلى صون النفس عن الوقوع في عذاب الله إلا بالتوبة والإنابة فوجب فيمن هذا شأنه يكون منيبا». فقوله تعالى: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع﴾ أي الخوف (وجاءته البشرى) أي بإسحق ويعقوب، وقيل: بشروه بأنهم إنما أتوا بالعذاب إلى قوم لوط ﴿يجادلنا في قوم لوط﴾ أي يجادل رسلنا، وأضافه إلى نفسه، لأنهم نزلوا بأمره. وقد روى المفسرون هذه المجادلة بأنهم لما قالوا: ﴿إنا مهلكو أهل هذه القرية﴾ قال لهم: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا. قال: فأربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون؟ قالوا: لا. قال: فعشرون؟ قالوا: لا. قال فإن كان فيها عشرة أو خمسة؟ قالوا: لا. قال: أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فقال إبراهيم عند ذلك: ﴿إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين﴾. ﴿إن إبراهيم لحليم﴾ لا يتعجل بمجازاة غيره بل يتمهل ويؤخر ويعفو (أواه) المتأوه أسفا على هلاك قوم لوط (منيب) والمنيب الراجع، يقال: أناب إذا رجع، وإبراهيم صلى الله عليه وسلم كان راجعا إلى الله في أموره كلها (يا إبراهيم أعرض عن هذا) أي دع عنك الجدال في قوم لوط ﴿إنه قد جاء أمر ربك﴾ أي عذابه لهم (وإنهم آتيهم) أي نازل بهم ﴿عذاب غير مردود﴾ أي غير مصروف عنهم.
قوله تعالى: (ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77) وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يقوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (78) قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79) قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80) قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم، إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب (81). قال القرطبي في تفسير هذه الآيات: «قوله تعالى: ﴿ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم﴾ لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم، وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة فراسخ، بصرت بنتا لوط، وهما تستقيان، بالملائكة ورأتا هيئة حسنة، فقالتا: ما شأنكم؟ ومن أين أقبلتم؟ قالوا: من موضع كذا نريد هذه القرية، قالتا: فإن أهلها أصحاب الفواحش، فقالوا: أبها من يضيفنا؟ قالتا: نعم! هذا الشيخ، وأشارتا إلى لوط، فلما رأى لوط هيئتهم خاف قومه عليهم. (سيء بهم) أي ساءه مجيئهم ﴿وضاق بهم ذرعا﴾ أي ضاق صدره بمجيئهم وكرهه. ﴿وقال هذا يوم عصيب﴾ أي شديد في الشر. ﴿وجاءه قومه يهرعون إليه﴾ أي يسرعون إليه. وكان سبب إسراعهم ما روي أن امرأة لوط الكافرة، لما رأت الأضياف وجمالهم وهيئتهم، خرجت حتى أتت مجالس قومها، فقالت لهم: إن لوطا قد أضاف الليلة فتية ما رئي مثلهم جمالا، فحينئذ جاءوا يهرعون إليه. وقيل: وجدوا ابنته تستقي الماء من نهر سدوم، فسألوها الدلالة على من يضيفهم، ورأت هيئتهم فخافت عليهم من قوم لوط، وقالت لهم: مكانكم! وذهبت إلى أبيها فأخبرته، فخرج إليهم، فقالوا: نريد أن تضيفنا الليلة، فقال لهم: أوَ ما سمعتم بعمل هؤلاء القوم؟ فقالوا: وما عملهم؟ فقال: أشهد بالله إنهم لشر قوم في الأرض، وقد كان الله عز وجل قال لملائكته لا تعذبوهم حتى يشهد لوط عليهم أربع شهادات، فلما قال لوط هذه المقالة، قال جبريل لأصحابه: هذه واحدة، وتردد القول بينهم حتى كرر لوط الشهادة أربع مرات، ثم دخل بهم المدينة. (ومن قبل) أي ومن قبل مجيء الرسل، وقيل: من قبل لوط ﴿كانوا يعملون السيئات﴾ أي كانت عادتهم إتيان الرجال. فلما جاءوا إلى لوط وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعا وقال: (هؤلاء بناتي) ندبهم في هذه الحالة إلى النكاح، وكانت سنتهم جواز نكاح الكافر المؤمنة، وقد كان هذا في أول الإسلام جائزا ثم نسخ. وقال مجاهد بن جبر وسعيد بن جبير: أشار بقوله: (بناتي) إلى النساء جملة، إذ نبي القوم أب لهم. ﴿هن أطهر لكم﴾ أي الزواج أحل، والتطهر التنزه عما لا يحل. وليست (أطهر) للتفضيل بل هي كقولك: الله أكبر وأعلى وأجل، وإن لم يكن تفضيل، وهذا جائز شائع في كلام العرب، ولم يكابر الله تعالى أحد حتى يكون الله تعالى أكبر منه. (فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي) أي لا تهينوني ولا تذلوني. ثم وبخهم بقوله ﴿أليس منكم رجل رشيد﴾ أي شديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وقيل: الرشيد بمعنى الرشد، والرشد والرشاد الهدى والاستقامة. ﴿قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق﴾ روي أن قوم لوط خطبوا بناته فردهم، وكانت سنتهم أن من رد في خطبة امرأة لم تحل أبدا، وقيل: ليس لنا إلى بناتك تعلق، ولا هن قصدنا، ولا لنا عادة نطلب ذلك. (وإنك تعلم ما نريد) إشارة إلى الأضياف. ﴿قال لو أن لي بكم قوة﴾ لما رأى استمرارهم في غيهم، وضعف عنهم، ولم يقدر على دفعهم، تمنى لو وجد عونا على ردهم، فقال ذلك على جهة التفجع والاستكانة. ﴿أو آوي إلى ركن شديد﴾ أي ألجأ وأنضوي، ومراد لوط بالركن العشيرة، والمنعة بالكثرة. وبلغ بهم قبيح فعلهم إلى قوله هذا مع علمه بما عند الله تعالى، فيروى أن الملائكة وجدت عليه حين قال هذه الكلمات، وقالوا: إن ركنك لشديد. وفي البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد) وخرجه الترمذي وزاد: (ما بعث الله بعده نبيا إلا في ثروة من قومه) والثروة الكثرة والمنعة. ويروى أن لوطا عليه السلام لما غلبه قومه، وهموا بكسر الباب وهو يمسكه، قالت له الرسل: تنح عن الباب، فتنحى وانفتح الباب، فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم، وعموا وانصرفوا على أعقابهم يقولون: النجاء، قال الله تعالى: ﴿ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم﴾ [القمر: 37]. وقال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسور الجدار، فلما رأت الملائكة ما لقي من الجهد والكرب والنصب بسببهم، قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود، وإنا رسل ربك، فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه على ما تقدم. وقيل: أخذ جبريل قبضة من تراب فأذراها في وجوههم، فأوصل الله إلى عين من بعد ومن قرب من ذلك التراب فطمس أعينهم، فلم يعرفوا طريقا، ولا اهتدوا إلى بيوتهم، وجعلوا يقولون: النجاءُ النجاء! فإن في بيت لوط قوما هم أسحر من على وجه الأرض، وقد سحرونا فأعموا أبصارنا. وجعلوا يقولون: يا لوط كما أنت حتى نصبح فسترى، يتوعدونه. (قالوا يا لوط إنا رسل ربك) لما رأت الملائكة حزنه واضطرابه ومدافعته عرفوه بأنفسهم، فلما علم أنهم رسل مكن قومه من الدخول، فأمر جبريل عليه السلام يده على أعينهم فعموا، وعلى أيديهم فجفت ﴿لن يصلوا إليك﴾ أي بمكروه (فأسر بأهلك) فأسر بالقطع إذا سار من أول الليل، وسرى إذا سار من آخره، ولا يقال في النهار إلا سار. ﴿بقطع من الليل﴾ بطائفة من الليل. وقيل: إنه نصف الليل، مأخوذ من قطعه نصفين. ﴿ولا يلتفت منكم أحد﴾ أي لا ينظر وراءه منكم أحد ﴿إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم﴾ أي من العذاب ﴿إن موعدهم الصبح﴾ لما قالت الملائكة: ﴿إنا مهلكو أهل هذه القرية﴾ [العنكبوت: 31] قال لوط: الآنَ الآن. فقالوا: ﴿أليس الصبح بقريب﴾ ويحتمل أن يكون جعل الصبح ميقاتا لهلاكهم، لأن النفوس فيه أودع، والناس فيه أجمع. وقال بعض أهل التفسير: إن لوطا خرج بابنتيه ليس معه غيرهما عند طلوع الفجر.